s___s
04-01-2010, 04:10 AM
أنقل مداخلة من الموضوع تحت العنوان والرابط التالي لأنني أظن لها علاقة بهذا الموضوع ومن أحب الاستزادة عليه الضغط على الرابط
مصر أولا المغرب أولا،النظرة القُطريّة هل ترسّخ لمفهوم كيانات سايكس بيكو أم لا، لماذا؟
http://wata1.com/vb/showthread.php?t=1982
حدود العرب: "هجاء" الدولة القطرية يهدد بتلاشي مفهوم الوطن كمجال حياتي وحقوقي وحيد
محمد جابر الأنصاري ... الحياة
يذهب الفكر السائد المعالج لظاهرة التعدديات العربية والحدود, المعنوية أو المادية, الفاصلة بينها إلى التركيز على ظاهرة الأقليات العرقية والدينية والطوائف والمذاهب المنسوبة إلى هذه الظاهرة, إلا انه من المفيد موضوعياً التنبه أيضا وبتركيز إلى جانب آخر في هذه الإشكالية, وهي أننا أمام تعددية "الأكثرية العربية" المفترض انسجامها قومياً و"مذهبياً" حيث أن أكثر من 80 في المئة من سكان الوطن العربي مصنفون "عرباً سنّة"... ولكن هذا الاعتبار لم يؤد إلى "وحدة" هذه الأكثرية في كتلة موحدة, فظلت "تعدديات الأكثرية" هي الإشكال الرئيس الذي ينبغي الالتفات إليه في مقاربة المشكلة الحدودية في أبعادها الذهنية والنفسية و"الكيانية" وليس فقط بمفهومها السياسي أو القانوني الدولي, وذلك ما ذهبنا إليه في بحثنا الموسوم (إشكالية التكوين المجتمعي العربي: أقليات أم أكثرية متعددة؟) في كتاب النزاعات الأهلية العربية الذي تشاركنا فيه مع فريق بحثي من المؤلفين العرب. (النزاعات الأهلية العربية, مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1997, ص 15- 46). وأخذ شيعة العراق اليوم يعكسون في سلوكهم السياسي والفكري تعددية مماثلة على رغم الرابطة المذهبية, الأمر الذي يستدعي البحث عن أسباب أخرى لمثل هذه التعددية.
وعلى رغم الوحدة العضوية العميقة للحضارة العربية الإسلامية ولدار الإسلام, فإن هذه الدار تجزأت سياسياً منذ وقت مبكـــــــر, وفي إبان قوة الدولة الإسلامية ومع عدم وجود قوى مسيطرة عليها في ذلك الوقت "تتآمر من اجل تجزئتها", كما تذهب الأدبيات العربية عن القوى الدولية في تبرير ظاهرة "التجزئة" العربية كلياً.
من هنا نشأ توتر دائم في تاريخ العرب والإسلام بين انتماء عقيدي وثقافي وحضاري شامل وبين انتماء سياسي واقعي متجزئ, وهو توتر ما زال قائماً إلى اليوم بين الانتماء الديني أو القومي الواسع وبين الانتماء القطري المتحدد.
وكما سبق وألمحنا إلى ذلك فلم تتطابق الدائرة الحضارية الواحدة مع الدوائر السياسية المتعددة والمتصارعة داخلها كما تطابقت - على سبيل المثال - الدائرة الحضارية الصينية مع الدائرة الموحدة للدولة الصينية التي حافظت على وحدتها السياسية معظم عصور التاريخ, واستعادتها مبكراً في العصر الحديث في تطابق مقارب بين الدائرة السياسية والدائرة الحضارية.
* * *
إذا شئنا التدقيق في واقع تعددية الانتماءات الداخلة في تشكيل الهوية العربية وتكوين النسيج العربي العام, نجد أن هناك ازدواجية ثلاثية تتعدى الثنائية التي اشرنا إليها, وذلك: بين انتماء عام للعقيدة والحضارة, وانتماء مجتمعي متحدد القبيلة أو الطائفة أو المحلة, وانتماء بحكم واقع الحال للكيانات السياسية القائمة (برهان غليون, نظام الطائفية: من الدولة إلى القبيلة, بيروت: المركز الثقافي العربي 1990, ص 136- 137). هذا الولاء الثلاثي المزدوج نشأ في واقع التاريخ وما زال قائماً. وتزايد أخيرا بروز ولاء التعدديات المجتمعية الصغيرة من قبلية وطائفية على حساب البعدين الآخرين: الحضاري الشامل, والسياسي الوطني أو القطري. هذه الازدواجية الثلاثية يوازيها ويصاحبها مظهر ثلاثي ناتج منها في الشخصية العربية الإسلامية العامة يتمثل في كون العربي "إسلامياً" في عقيدته وعبادته وقيمه الروحية..., "عروبياً" في ثقافته وقيمه الأدبية والفنية, قبلياً أو طائفياً أو محلياً في نزعته وفزعته الاجتماعية وفي عصبيته السياسية. وهذه التعددية في الانتماء وفي التعبير عن الشخصية ليست من حيث المبدأ حكراً على العرب, فهي ظاهرة إنسانية عامة غير أنها في المجتمع العربي ظلت تعددية متفلتة وغير متسقة ضمن سلم للأولويات يصهرها في بوتقة عامة واحدة, وقد يتقدم أصغرها على أكبرها في أدق المواقف من دون ضابط أو هرمية تحدد الأولويات. وبتعبير آخر: فإنها تتضارب سلباً بدل أن تتكامل إيجابا, كما في التجربة الاتحادية الأوروبية الجارية, والتي من المفيد أن نلاحظ أنها تضاربت سلباً في مراحل سابقة من التطور الأوروبي نحو الكيان الأكبر, ثم استطاعت الأمم الأوروبية وضعها في تراتبية ايجابية ومفيدة لحركة التقارب ثم التوحيد.
على صعيد آخر, وعلى رغم انه ليس في الإمكان منهجياً التحدث عن "الديمقراطية" قبل تبلور مفاهيمها في العصر الحديث (وبما يتجاوز مفاهيم أثينا القديمة) إلا أن الحديث عن "ديمقراطية" حياة البادية عند العرب لا بد من أن تفهم في مدلولها الاجتماعي الواقعي, حيث قاربت طبيعة البيئة الصحراوية وضروراتها بين كبير وصغير وبالتالي فإنه لا يمكن تعميم المفاهيم الديمقراطية بالنسبة إلى آليات السلطة عند العرب. فأي ديمقراطية سياسية تحققت في الواقع داخل قريش, أو بين الأمويين أنفسهم, أو بين الهاشميين من عباسيين وعلويين, أو داخل أي قبيلة أو عشيرة عربية أخرى على رغم بساطة العيش بين الجميع في البيئة العربية؟ وعلى رغم أن الإسلام علّم المسلمين كيف يتعايشون ويتسامحون مع أصحاب الديانات الأخرى من أهل الكتاب, فإن المسلمين أنفهسم - والعرب بخاصة - لم يأخذوا بهذه التعددية في تعاملهم السياسي في ما بينهم في حالات عدة.
والجدير بالملاحظة انه منذ بداية نشوء السلطة السياسية في الإسلام بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وسلم), كان السؤال المتقدم الملح: "من يحكم", بمعنى أي قبيل أو عشيرة ؟ وتأخر السؤال السياسي الأكثر أهمية وموضوعية: "كيف يكون الحكم بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) في الدولة الجديدة, بأي منهاج وبرنامج استنباطاً من مبادئ الإسلام السياسية التي جاءت عامة مرنة تتطلب التحديد والتقنين؟"
هكذا حولت "ذاتية" القبيلة مسألة الحكم في تاريخ الإسلام من "موضوع": الحكم كيف يؤسس ويدار... إلى "ذاتية" الحاكمين: من يكونون, من أي عشيرة أو قبيل, وأي "ذات" منهم تفضل "الذات" الأخرى, بما زاد من صراع التعدديات السياسية داخل الوحدة الحضارية ولم يقنن مبدأ الشورى ليصبح مؤسسة سياسية فاعلة منذ بداية تاريخ الإسلام.
وينجرف الفكر السياسي والديني الإسلامي في هذه "المفاضلة" العقيمة (أفضلية أبي بكر أم علي بين أمثلة أخرى) التي شغلت العقول والاجتهادات وأثارت النفوس والتحزبات وسالت حولها الدماء. وتضاءلت في المقابل قضايا الفكر السياسي والعلم السياسي الأكثر إلحاحاً في مطلب السياسة البناءة, كقضايا بناء الدولة وتقنين السلطة, وتنظيم الحكومة وتحديد المشاركة وإرساء أصول الحكم وآلياته بصفة عامة (تكوين العرب السياسي, مصدر سابق, ص26).
تمثل الوحدات الوطنية في الحاضر العربي, سواء كانت طبيعية من إرث التاريخ, أو مصطنعة من فعل الاستعمار, المجال الحياتي الوحيد الذي يعيشه العربي, ويربي فيه أولاده, ويتفاعل من خلاله مع العرب الآخرين ومع العالم ويتعلم فيه قيم الوطنية والولاء والعمل والإنتاج. إلا أن العربي ظل يقيم ما يشبه العلاقة غير الشرعية مع وطنه الطبيعي الواقعي الملموس والمتجدد بسبب التجاذبات القومية الشاملة والدينية الشمولية. وظل هذا الوطن يمثل له "حالة مؤقتة" بانتظار الدولة الكبرى أو الخلافة العظمى. من هنا في نظرنا هشاشة قيم السلوك المدني في حياة العربي. فهي قيم لا يمكن أن يتعلمها الإنسان إلا في وطن متجدد يؤمن به ويمنحه كامل ولائه. لذلك لا يتردد العربي في تخريب مظاهر العمران والحدائق العامة ومصابيح الإضاءة في هذا "الوطن العابر" الذي لا مشروعية عميقة له في أعماقه. وقد أسهمت الايدولوجيا القومية المشرقية التي نشأت كرد فعل عصبي لتقسيمات سايكس - بيكو في "الهلال الخصيب" في خلق هذه الحال العصابية تحت مصطلح الدولة "القطرية" الممقوتة التي ما زال أكثر الكتاب العرب يصبون عليها جام غضبهم بسبب استبدادها وعجزها في مواجهة الأعداء وتجاوز التخلف, وربما كانوا محقين. والمدهش أن الايدولوجيا القومية الوحدوية التي ظلت تشجب "الكيانات القطرية" حافظت أحزابها "القومية الوحدوية" على هذه الكيانات بكل ما أوتيت من قوة وحيلة عندما وصلت إلى الحكم! ولم نسمع, بعد, من هذه الأحزاب تفسيراً لذلك!
إلا أن هذا اللبس والالتباس بين مفهوم "الوطن" الذي يعيش ضمن حدوده وكيانه الإنسان وينبغي أن يتربى فيه تربية وطنية قوامها قيم السلوك المدني المتحضر المستند إلى وشائج المواطنة والوطنية, وبين افرازات الدولة القطرية الحاكمة فيه بمساوئها, قد أدى إلى خلط خطير ومضلل بين الوطن ونظامه السياسي. ولا بد من العودة إلى التمييز بين الاثنين, وإنقاذ مفهوم "الوطن" والوطنية والمواطنة من قفص النظرة السلبية القاتمة السائدة عن الدولة القطرية التي ينبغي أن يتحرر كل وطن عربي من سوءاتها ضمن مشروع إصلاحي ديمقراطي حقيقي يقارب بين مفهوم المواطنة والدولة بما يتجاوز حال الشيزوفرينيا القائمة بين القطرية والقومية القائمة في الوطن العربي, وذلك من منطلق إن من لا يستطيع بناء وطنه "الصغير" لن يستطيع بناء وطنه الأكبر, ومع التذكر دائماً أن "الدول الكبرى" التي قامت في تاريخ العرب, وآخرها الدولة العثمانية, لم تكن أفضل من الدول القطرية من حيث الاستبداد والتخلف السياسي وكيفية التعامل مع المواطن ولا في رد العدوان الخارجي مع تطاول الانحطاط, وانه ليس ثمة ضمانة أن تكون طبيعة الحكم في الدولة الكبرى أفضل من مثيلاتها القطريات إذا لم تتوافر الشروط الموضوعية للحكم الصالح في هذه الحال أو تلك. والنقد الشديد الموجه اليوم إلى الدولة القطرية ناجم عن كونها واقعاً ملموساً يشهد ضد حاله البارزة للعيان, بينما الدولة القومية أو الدينية وعد جميل وردي لكنه بعيد ماثل في الأفق, ولو عدنا إلى التاريخ وتأملنا في تراثها السياسي لتبين لنا أن المسألة ليست في الأكبر والأصغر, وإنما في الطبيعة والجوهر. ولا بد من أن نتذكر النقد الشديد الذي وجه إلى الدولة "الوحدوية" الأكثر جذباً للتأييد في تاريخ العرب الحديث وهي دولة الوحدة بين مصر وسورية, فضلاً عن الدول الراهنة التي تمثل مشروعات "وحدة" قائمة, لا يريد الفكر "المعمّد" وحدوياً أن يستوعبها.
وإذا كانت هذه الأبعاد الفوق - وطنية من قومية ودينية تنازع الوطن القائم ولاءاته في نفس الإنسان العربي, فإن الأبعاد دون الوطنية في القاع المجتمعي العربي من عشائرية ومذهبية تشد الإنسان العربي إلى أسفل, فلا يبقى للولاء الوطني الخالص غير هامش ضئيل لا يمكن أن يتم به بناء وطني يعتد به. ولمن يخشون مثل هذا الطرح, نقول لن تقوم للعرب قائمة, إلا إذا عرفوا كيف يبنون هذه اللبنات الوطنية لتنضج مستقبلاً وتشكل أركاناً للبناء القومي المشترك أما الأصفار والكسور فلا تنتج رقماً قابلاً لأن يصبح رصيداً يعتمد عليه في صناعة الأمم.
وعليه, فإذا كان من الضروري التمييز بين مفهوم "الوطن" وطبيعة النظام السياسي للدولة "القطرية" التي تحكمه, من اجل أن يحيا الإنسان العربي أولاً حياة "وطنية" صحية تترسخ خلالها في شخصيته الحقوق والواجبات الأساسية للمواطن في عصرنا, بما يهيئه ويعده مستقبلاً لحياة قومية أرقى وأوسع, يقرر المشاركة فيها مع مواطنيه الآخرين في وطنه على أساس حرية الاختيار, ومن دون ضم أو إلحاق أو احتلال, فإنه من الضروري في الوقت ذاته تبين الجوانب الايجابية في ظاهرة الدولة القطرية ومغزاها, وتعزيز هذه الجوانب لإشباع وإنضاج المرحلة التاريخية التحولية لهذه الظاهرة للدخول في التشكل المتدرج الأكبر للمجتمع القومي, دون التغافل عن سلبياتها, كأي ظاهرة في الواقع المحكوم بتناقضات الجدلية التاريخية والاجتماعية.
أن رؤيتنا هذه للمغزى التاريخي لظاهرة الدولة "القطرية" التي هي في واقع الأمر الدولة "الوطنية" الأولى التي يعايشها الإنسان العربي في تاريخه, وهي رؤية شرحنا حيثياتها التاريخية والسياسية بإسهاب في كتابنا تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية, تستند باختصار إلى المنطلقات الفكرية التالية (تكوين العرب السياسي, مصدر سابق, ص89-103 (1994).
(1) خضع العرب في تاريخهم لسلطات إمبراطورية, آخرها السلطنة التركية العثمانية, التي مثلت لهم إطاراً إمبراطوريا فضفاضاً مستنداً إلى العاطفة الدينية, بينما كانوا يعيشون واقعياً في بناهم المجتمعية الأصغر من طوائف ومناطق وقبائل. أي إنهم لم يدخلوا عضوياً في بوتقة الدولة ولم يخبروها ولم يتعمقوا تجربتها وأصولها كما عاش الصينيون على سبيل المثال في بوتقة دولتهم بالمعنى العضوي التاريخي للدولة. (وليس بالضرورة بالمعنى الحديث لها) ولا بد من ملاحظة الفارق النوعي بين الدولة والسلطة. السلطة التي تكون أحياناً نقيضاً للدولة. كسلطة القبيلة أو الطائفة.
(2) هكذا فإن التاريخ العربي الإسلامي تأرجح بين وضعية الدولة واللا دولة, ولم يتح للعرب, أن يخبروا استمرارية الدولة, التي هي مدرسة السياسة. وكما لاحظ دارسون فإن البعد السياسي للظاهرة العربية ما زال إلى يومنا يتراوح بين تشكل وانحلال الوحدات السياسية من اكبر إلى اصغر, وبالعكس, مرحلة بعد أخرى.
فقد تلخصت تراجيديا التاريخ العربي في انه: لا الوحدات الصغرى تنصهر سياسياً في الفضاء (القومي) الموحد لتشكل في إطاره كياناً سياسياً واحداً ثابتاً, ولا هي تنفصل أو تنفك عنه بصورة نهائية لتقوم بذاتها في كيانات لا صلة لها به. "انه الانفصال في الوحدة, والوحدة في الانفصال", (وهذا ما يمكن أن يمثل أكثر المنطلقات المنهجية واقعية في التحليل النفسي والذهني (العصابي) للعرب المعاصرين, بين كياناتهم ذات السيادات المطلقة ودعوتهم إلى تفعيل الجامعة العربية والمؤسسات فوق القطرية الأخرى!".
(3) إن المحصلة العملية لهذا الواقع التاريخي هي أن "الدولة الوطنية/ القطرية" الحديثة تمثل أول تجربة حقيقية للعربي في معايشة الدولة, سلباً وإيجاباً... استبداداً وانتظاماً... حقاً وواجباً... قمعاً وتحرراً... الخ. ولا بد من أن تعطى هذه "التجربة" دورها الطبيعي في خصوصية التطور القومي الحديث للفرد العربي وللأمة العربية عموماً. وأي محاولة لإجهاضها قبل أوانها باسم القومية والوحدة لن تؤدي إلا إلى عرقلة ذلك التطور الطبيعي وإعاقته, فلا مفر من إنضاج التجربة الوطنية "القطرية" لتصب بصورة طبيعية وايجابية في مجرى النمو القومي. فالعرب, بالمفهوم الحديث للأمة القومية, هم امة في طور التكوين - كما طرح ذلك بعض الماركسيين (فأقمنا عليهم القيامة!) ولا بد من احترام طبيعة هذا التكوين ومراعاة خصوصيته شئنا أم أبينا, وكما قرر محمد عابد الجابري: "دون نظرية الدولة العربية الواقعية الفعلية, الدولة العربية القطرية باختلاف أشكالها, لا يمكن وضع نظرية عملية في الوحدة العربية" (الجابري, إشكاليات الفكر العربي المعاصر, بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية 1989, ص 97-98).
(4) وعليه فإن ترك الإنسان العربي في عراء الانتظار لقيام الوحدة القومية الكبرى, أو الخلافة العظمى, كوعد غير متحقق بعد, يجعل من العلاقة بينه وبين وطنه القائم المتحدد بمثابة ممارسة لعلاقة "غير شرعية" تتم في الخفاء والظلام وبعيداً من أي شرعية ضميرية.
أن الانتماء القومي والديني انتماء طبيعي وحقيقي لا ينكر. غير أن تحويله, سلباً, إلى انتماء متضارب مع الانتماء الوطني, بدل أن يتكامل معه كما في التجربة الاتحادية الأوروبية مثلاً حيث تؤدي الانتماءات الوطنية الأوروبية "المشروعة" إلى انتماء أوروبي اكبر - ومشروع أيضاً - وفي إطار الانتماء الطبيعي الأوسع للحضارة الأوروبية الغربية بمكوناتها المختلفة, نقول أن إقامة علاقة التضارب بين الانتماءات المختلفة في الهوية العربية, بدل العمل الفكري الجاد على تحويلها إلى علاقة تكامل, يجعل من هذه الهوية ساحة للتمزق الداخلي, كما هي الآن, على رغم أنها تملك مقومات التقريب والتوحيد لو عرفنا كيف نعيد ترتيب الأولوية الزمنية لولاءاتها وانتماءاتها المختلفة, الغنية والخصبة, بين انتماء وطني أولاً, ثم انتماء قومي, ثم انتماء ديني وحضاري... الخ.
(5) إن غياب القيم والمسليات المدنية في حياة العرب المعاصرين وهي لا تتأتى إلا بغرس التربية الوطنية مرده إلى هذا التضارب والتناقض الذي تغرسه الإيديولوجيات والشعارات القومية والدينية - قبل أوانها التاريخي الصحيح - في نفوسهم حيال أوطانهم التي لا ملجأ لهم غيرها في المرحلة التاريخية الراهنة. فإن كان الوطن كياناً غير شرعي, وتجزئة مصطنعة, وتقسيماً استعمارياً, فكيف يمكن منحه الولاء والانتماء, وبالتالي اكتساب تربية وطنية سليمة في ظله وما يرتبط بها من غرس ضروري لواجبات السلوك المدني في المجتمع الوطني... الذي ينبغي أن يكون منفتحاً بدوره على الفضاء القومي الأرحب في اللحظة التاريخية المناسبة.
أياً كان الأمر فقد بقيت قيم السلوك المدني في الأوطان العربية المختلفة, قيماً مؤجلة لن تتحقق إلا بتحقق الوحدة الكبرى والخلافة العظمى... وانتظاراً لها! واستقال المواطن العربي من واجبه الوطني الراهن - بحجة هذا الانتظار - وبقيت قيم السلوك المدني والوطني في مختلف الأوطان العربية تندب حظها, وتكشف عن هشاشتها. أنها قيم لا بد من ممارستها "هنا والآن"... لا في أي مستقبل آخر. ولذا فقط لوحظ أن الفرد العربي مستعد للخروج في مظاهرة كبرى لكنس الامبريالية, باعتبار ذلك واجباً قومياً. لكنه ليس على استعداد في الأغلب للمشاركة في أية فعالية محلية لكنس الشارع القريب من بيته حيث أن السلوك المدني العربي - مؤجل - حتى تقوم دولة الوحدة. أو هكذا تبلور "الوعي" القومي والديني بتأثير الأدبيات الإيديولوجية التي أدت في الممارسة الواقعية إلى عكس المنتظر منها ومن شعاراتها.
ويبدو الفكر المشرقي القومي هو الأكثر إعاقة وقصوراً في هذا الشأن, حيث نشأ كرد فعل عصبي كما أشرنا لمخطط سايكس - بيكو الذي كان تجزئة استعمارية, بلا ريب, لكن معالجته كانت تتطلب تعمقاً فكرياً أفضل لسبر دقائق الأوضاع العربية. أو كما لاحظ الكاتب السوري عماد فوزي شعيبي: "هذه الرومانسية القومية انطلقت من رفض كل دولة وطنية, وأذابت الوطني في مفهوم العروبة التراثي والوجداني وركبت تحليلات اقتصادية تدل على عدم نجاعة الوطني بمعزل عن القومي, ونسيت أن تلتفت إلى الوطني في غياب القومي ضرورة ملحة. وانه من الغباء انتظار ما هو قومي حتى نبني أوطاننا بشكل قومي وجمعي. (هكذا) أصبح مفهوم الوطن مفهوماً ضائعاً بين عدم التعيين المعرفي وبين الهوية القومية المختلسة" (عماد فوزي شعيبي, صحيفة "الحياة", بتاريخ 5/11/1992, ص18).
ويتضح هذا الخلل المفهومي في الفكر المشرقي القومي تجاه البعد الوطني, إذا قارنا موقفه هذا بموقف الفكر المغاربي الوحدوي الذي يصبو إلى وحدة المغرب العربي الكبير, من دون أن يقف من الحقيقة الوطنية لدول المغرب موقف التأثيم والإدانة, باعتبار أن البناء الوطني لبنة في طريق البناء القومي وتلك هي النظرة الأصوب (عبدالباقي الهرماسي, المجتمع والدولة في المغرب العربي).
(6) أن الاستقراء التاريخي - المجتمعي, ماضياً وحاضراً, للدور "الوحدوي" العملي الذي تؤديه "الدولة القطرية" في دمج البنى المجتمعية الصغيرة - من طوائف وقبائل ونواح وأطراف - في نسيج الجسم الوطني الذي تحكمه, وان يكن بدرجات تتفاوت من الاستبداد والتحكم وصولاً إلى بناء المجتمع المدني - هذا الاستقراء يدل على أن الدولة القطرية في المنظور التاريخي تمثل مرحلة "توحيدية" لتلك البنى والتعدديات الصغيرة في القاع السوسيولوجي لمختلف البنى التي تكلست تاريخياً في ظل السلطات الإمبراطورية الفضفاضة والتي أعطى وجودها الانطباع الملتبس بأنها "وحدت" العرب في كيان واحد.
وعلى سبيل المثال, فوحدة "اليمن الكبير" التي ما زالت تعتبر من الوحدات القطرية" بالمنظور القومي, نعتقد أن هذه "الوحدة" هي خطوة تاريخية مهمة من اجل توحيد البنى المجتمعية اليمنية الأصغر, التي بقيت هكذا بفعل عوامل الجغرافيا والتاريخ, على رغم اعتبار اليمن جزءاً من الدول الإسلامية الكبرى التي "توحدت" في "الوعي" التاريخي السائد لدى العرب. ومن المستغرب أن تمر ذكرى وحدة اليمن على الفكر العربي من دون أن يلتفت إليها كدرس جديد وواقعي يمكن أن يخرجه من تهويمه الرومانسي الذي كنا نتمنى لو حقق شيئاً.
مثل هذا الاستقراء التاريخي المجتمعي يمكن تطبيقه على مختلف الكيانات القطرية العربية اليوم التي تتفاعل في إطارها البنى المجتمعية الأصغر - صراعاً أو وفاقاً - في تحولها إلى مجتمع وطني متجانس يمكن أن يمثل بنية صالحة لتشكيل نسيج قومي اكبر في المستقبل. وهي حالات تعرضنا لها تفصيلاً في كتاب "تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القطرية" وفي فصل قائم بذاته من فصوله بعنوان: "بمنظور الواقع الفعلي للتاريخ والمجتمع الدولة القطرية: تجزئة أم توحيد؟" (تكوين العرب السياسي, مصدر سابق, ص105-127).
إذا صحت هذه الفرضيات, ونعتقد بصحتها - فسيكون من المفيد لحركة الوحدة العربية في المدى الطويل, امتلاك الجرأة على تحديد الحدود "القطرية" للدول الوطنية في العالم العربي, سواء اعتبرنا هذه الدولة أو تلك من صنع التاريخ أو من صنع الاستعمار - فهي واقع ملموس يعيشه الإنسان العربي, هنا وهناك, ويتقرر فيه مصيره ومصير أبنائه. وبعد تحديد هذه الحدود "القطرية" وتبادل الاعتراف بها, واطمئنان المواطنين العرب على جانبيها إلى توقف الصراع في شأنها, يمكن أن تنغرس بذور تلك الثقة المفقودة في يومنا, وذلك من خلال المشروعات والمصالح المشتركة التي يمكن أن تؤدي, إلى تجاوزها تدريجاً لصالح مختلف الأطراف.
قبل خمسة عقود, كان الصراع الحدودي بين الدول الأوروبية على أشده إلى أن تحددت الحدود, بعد تحديدها وتبادل الاعتراف بها, أخذت المؤسسات الأوروبية المشتركة تتنامى مخففة من حدتها تلك, بل عاملة من اجل تجاوزها.
تلك هي جدلية التاريخ, في الحدود وغيرها. وليس العرب استثناء لذلك. لذلك نرى انه لتجاوز الحدود بين العرب, وهذا ما نأمله مستقبلاً, لا بد من تحديدها أولاً في سبيل الوحدة العربية... أخيراً!.
* مفكر وأكاديمي من البحرين.
من الواضح أن الكاتب علماني لا يؤمن بأي مرجعية اسلامية لها علاقة بالقرآن والسنّة النبوية، وساوى بين السنّة والشيعة بحيث طرح وكأن كانت هناك مشكلة في الاعتراف بأن الخليفة الأول هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يوضح تجاوز الاسلوب العلمي في التحليل والطرح.
ليس هناك أي علاقة بين الشورى والديمقراطية، ومن يربط بينهما هم مثقفي الدولة القطرية الحديثة بركيزتيها العلمانية والديمقراطية إن كان بمسحة إسلامية أو ديمقراطية أو علمانية، ظلما وعدوانا
فالديمقراطية مبنية على أن العنصر الأساس في الدولة هو الفرد، وتعريف الاسرة بها على أنها وحدة استثمارية إنتاجية للدولة تتكون من ولاة أمر وأولاد ينشئون الأولاد وفق ما تسمح به قوانين الدولة ليضمن ولاء الأولاد لها وحدها، وولاة الأمر يمكن أن يكن رجل أو امرأة أو رجل ورجل أو رجل وامرأة أو امرأة وامرأة، ولا مرجعية لها لا لغوية ولا قاموسية ولا معجمية غير سلطة من دخل للتصويت على أي مسألة لكي يتم اعتمادها كقانون أو دستور أو غيره
في حين الشورى مبنية على أن العنصر الأساس في الدولة هو الأسرة، وتعريف الأسرة هي أب وأم وأولاد وتنشئة الأولاد ليضمن ولاءهم لله الواحد الأحد، وكل شيء لا يجوز أن يخرج قيد انملة عمّا في القرآن والسنّة النبويّة وفق أصول اللغة العربية وقواميسها ومعاجمها
في الدولة القطرية الحديثة لا اعتراف بأي مواطن لا يحمل أوراق صادرة منها بغض النظر دفع ضرائب لها أم لا
في الدولة الإسلامية أي شخص مقيم فيها إن كان مؤمن بالله أم لا يحق له نفس حقوق المسلم طالما يلتزم بدفع الضرائب لها
ولمن يشك في ذلك ليراجع حال البدون في الدولة العثمانية وكيف كانت تتعامل معهم مقارنة بحال دولنا القطرية الحديثة كيف تتعامل معهم؟!!! وفي هذا الشأن هناك بحث نشره منذر أبو هواش في هذا الشأن
المنسيون أو البدون في الدولة العثمانية
http://www.atinternational.org/forums/showthread.php?t=232 (http://www.atinternational.org/forums/showthread.php?t=232)
أما بالنسبة لما ذكره بخصوص الصين فمن الواضح تأثره بما ذكره محمد حسنين هيكل في هذا المجال حيث أعاد نفس كلامه تقريبا وكنت قد ناقشت فساد هذه الآراء على أرض الواقع في موقع الجمعية في قسم اللغة الصينية
الشرق أحمـر.. الصين: نظرة عامة
http://www.atinternational.org/forums/showthread.php?t=1856 (http://www.atinternational.org/forums/showthread.php?t=1856)
نحن الآن في القرن الواحد والعشرين في زمن العولمة يجب أن نجد طريقة جديدة ليكون بها الإنسان أكثر قيمة من الورق الذي يحمله في الدولة القطرية الحديثة والتي مفهومها نشأ في فرنسا وتم تسويقه بريطانيا وأمريكيا وآخر نتاجها الأمم المتحدة والتي تبين فشلها في التعامل مع مشاكل بني الأنسان، لا يمكن أن يكون مفهوم حقوق الإنسان مبني على استعباده وفق عقوبة السجن؟ حيث ما الفرق بين مفهوم السجن وبين مفهوم العبودية؟
ما رأيكم دام فضلكم؟
vBulletin® v3.8.2, Copyright ©2000-2012, Jelsoft Enterprises Ltd.