عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 07-14-2013, 12:09 AM
الصورة الرمزية فيصل كريم
فيصل كريم فيصل كريم غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Oct 2011
الدولة: الكويت
المشاركات: 275
افتراضي

شكرا لك دكتور عبد الحميد مظهر على تعقيبك، واعتذر عن التأخر بالرد لظروف التواصل في الشهر الفضيل.

حضرتك طرحت بذكاء شديد نموذجي إيران وتركيا. والحقيقة أن النموذجين يبرز بهما دور العسكر في الحياة السياسية. ولكن اسمح لي هنا بتناول النموذج الإيراني فقط لأن الواقع التركي يحمل في ثناياه تعقيدات متواصلة حتى اليوم ولم تتمخض عنه نتيجة حاسمة، فما فعله أتاتورك عام في عشرينيات القرن الماضي كان حدثا مزلزلا أما رد الفعل عليه لمّا يظهر بعد، رغم نجاح القوى الإسلامية "المعتدلة" بالوصول إلى السلطة. ولكن لا ننسَ أن هذه القوى المتمكنة من السلطة منذ ما يزيد على العقد هي بالأصل أجنحة منشقة عن التيار الرئيس المتمثل بالرمز الراحل نجم الدين أربكان رحمه الله، ولم يتضح غموض الصفقة التي سمحت بمجموعة أردوغان-غل بتولي السلطة وعدم وضع جنرالات الجيش الفيتو المعتاد والانقلاب على هذا حكم لا يروق كالعادة. وأنا كإنسان بسيط محدود القدرات، لا أستطيع ابتلاع أن الجنرالات سئموا من الانقلابات ورضوا بنتائج صناديق الاقتراع هكذا ببساطة، فلا بد من سبب أدى إلى هذا الواقع أو ظروف معينة أدت إلى ذلك. ولعل المطلعين على الشأن التركي ينيرون أبصارنا بذلك.

أما النموذج الإيراني (وما أدراك يا أستاذنا والإيراني، هههههه) فقد تبدأ حكايته منذ بداية القرن الماضي عندما تولى عسكري يدعى رضا عباس خان السلطة وتوج نفسه شاهًا بعد فترة من الانقلاب على حكم آل القاجار عام 1925 بلا أي شرعية سوى تأييد الجيش له والقوى الاستعمارية ممثلة ببريطانيا العظمى والاتحاد السوفييتي اللتان توافقتا عليه لحكم البلاد بشكل وراثي وهو ما دعاه إلى اختلاق مسمى عائلة "بهلوي" وهو مسمى لا أساس له ولا جذور سوى أنه يرتبط بلغة فارسية قديمة. والرجل بحد ذاته، كما وصفه محمد حسنين هيكل بكتابه "مدافع آيات الله"، ضابط أمّي لا يقرأ ولا يكتب وجدت به القوى الغربية المنخرطة بالحرب العالمية الأولى وتداعياتها ضالتها لتحقيق السيطرة على بلاد فارس التي غيّر اسمها إلى "إيران" أي من ينتسبون إلى الجنس الآري. إلا إن هذا "البهلوي" كان يملك زمام الجيش ولم يكن بيد أحد أن يغير من الأمر شيئا رغم اعتراضات وتذمر الملالي آنذاك. وتبرز الحادثة الأهم في تاريخ إيران الحديث وهي الانقلاب على حكومة محمد مصدق عام 1953 حيث ظهر جليا تواطؤ الجيش الإيراني مع الشاه ومع المخابرات الأمريكية والبريطانية لتنفيذ عملية "أجاكس" التي أطاحت بالحكومة المنتخبة التي خلعت الشاه محمد رضا بهلوي صغير السن آنذاك. وهذا الأمر يوضح أن أي جيش ما لم يكن أساس تكوينه سليما ومن رحم الشعب وليس عبر أدوات سلطوية ربما تبيع ضمائرها بأي لحظة وبأي ثمن، فإن الطامة واقعة لا محالة. وبالتأكيد فإن اسطوانة "الجيش الوطني" قائمة لا تقعد آنذاك بسبب أمراض "الطنطنطة والشنشنة". المهم أنه وقعت تداعيات كبيرة لهذا الانقلاب الدموي الذي خلف ضحايا كثر، والغريب أن من استفاد من ذلك هو آية الله الخميني الذي قام ولا شك بتضحيات كثيرة حيث رعى عوائل الضحايا وأرسل رسائل تطلب من حكام المسلمين التضامن والتآزر بهذه المصيبة فتعاطف معه الرئيس جمال عبد الناصر الذي أرسل له معونات مالية (وهذه قصة طويلة ذكرتها بمعرض طرحي لموضوع إيران والغرب). وبالتالي، خلفت هذه التراكمات حقدا وكرها شديدا ظهرت نتائجه في ثورة 1979 وفرّ بسببها الشاه الخائن هاربا هو وعائلته من البلاد. وما يخصنا هنا أن القيادة التي صعدت على الثورة وهم الملالي الثوريون وعلى رأسهم الخميني، الذي عاد مؤزرا من منفاه، لم يهنأ لهم بال إلا بعد ذبح كبار القادة العسكريين واحدا تلو الآخر، ولم يقلقوا من نتائج ذلك على الحرب المشتعلة بينهم والعراق واحتياجهم لكل الخبرات العسكرية بها. ورغم إنه قد يبدو عملا وحشيا وقاسيا للغاية، إلا إنه كان من الواضح أن البلاد لن تحتمل وجود الإثنين معا: القيادات الثورية الدينية وفلول الشاه وقياداته. وأثبتت الأيام فعالية ما قام به الخميني ورفاقه، لأن الثورة (التي أرادوها حسب منظورهم) لن تقوم لها قائمة بوجود الفلول. وها نحن اليوم نرى الجيش الإيراني منصاعا للمرشد الأعلى خامنئي ومطواعا بيديه بالإضافة للحرس الثوري ذي التسليح الأقوى والأفضل.

وبذلك، يتبين لنا من هذا النموذج أن الواقعية السياسية مطلوبة لا سيما بعد الثورات، أما مصطلحات "التوافق" و"الوحدة الوطنية" و"المشاركة بالقرار" وغيرها من التسميات فلن تؤدي إلى نتائج واضحة وحاسمة تجلب الاستقرار وازدهار النظام الجديد. قد يكون من الصحيح أن جماعة الإخوان لم يشعلوا ثورة 25 يناير، لكنهم شاركوا بها بقوة ولم يتأخروا بذلك. كما أن ملالي إيران لم يشعلوا لوحدهم ثورة 1979 وصعدوا عليها لاحقا واستلموا السلطة وأقصوا الآخرين، إلا إنهم انتهجوا نهجا طائفيا مقيتا وألغوا بذلك كل التيارات والمذاهب الدينية الأخرى، فخرجوا من حكم استبدادي فردي ودخلوا إلى نظام ثيوقراطي طائفي. وليس من الضرورة الاعتقاد أن الإخوان سيستنسخون هذا النهج لأنهم اعترفوا بما يسمى "اللعبة الديمقراطية" وسلّموا بآلياتها، وقد يكون هذا هو خطأهم القاتل لأنهم تلاعبوا بآيديولوجيتهم الأصلية أو تشتّت فهمهم لها، فالنظام السياسي الإسلامي و"الديمقراطية" نقيضان لا يجتمعان أبدا.

هنالك نماذج كثيرة بخلاف النموذجين التركي والإيراني، كالتجربة اليابانية والحالة الصينية ما قبل الشيوعية، وعند قراءتها بإمعان سنكتشف أنها تؤدي لذات المحصلة: عندما لا تبني الشعوب جيوشها بيدها وتتأكد تماما من سلامة وضعها وعدم وجود الثغرات بها، فالعاقبة وخيمة
.
__________________
رد مع اقتباس