عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 05-27-2006, 09:59 PM
الصورة الرمزية عبدالرحمن السليمان
عبدالرحمن السليمان عبدالرحمن السليمان غير متواجد حالياً
عضو مؤسس، أستاذ جامعي
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 5,759
افتراضي رحلة الصيف

رحلة الصيف

ما إن يطل الصيف علينا في هذه البلاد، وتبدأ عطلة المدارس الصيفية، حتى يحزم المهاجرون أمتعتهم ويتجهزون للسفر إلى بلادهم الأصلية. والمهاجرون في بلجيكا وغيرها من دول أوربا الغربية كثر، وهم وافدون من دول كثيرة أهمها المغرب وتركيا. وغالباً ما يكون النصف الثاني من شهر حزيران/يونيو من كل عام وقتَ استعداد للسفر صوب الوطن، فتزدحم وكالات السيارات بالسيارات التي أتى بها أصحابها لإجراء صيانة عامة لها قبل السفر ـ حتى لا تخذلهم في الطريق ـ وتذهب الأمهات إلى الأسواق لشراء الهدايا للأقارب في الوطن ... وما إن يحين وقت السفر حتى ينطلق المهاجرون في قوافل مكونة من خمس أو عشر سيارات، وتبدأ رحلة طويلة تستغرق يومين أو ثلاثة أو أربعة أيام؛ فيسافرون معاً، ويتوقفون للاستراحة معاً، فيستأنسون ببعضهم، ويتقون بذلك مخاطر الطريق الطويلة ووحشتها.

ورحلة هؤلاء المهاجرين إلى أرض الوطن رحلة مثيرة بكل معاني الكلمة. فبالإضافة إلى كونها حركة اقتصادية ينتعش منها الكثيرون مثل أصحاب المتاجر في بلجيكا والبلديات الأوربية التي تفرض ضريبة على مستعملي طرقها السريعة (مثل فرنسا وإسبانيا)، وشركات النقل البحري التي تعبر بالمسافرين وسياراتهم البحار التي تكون في طريق العائدين إلى الوطن (مثل مضيق جبل طارق وغيره)، هي أيضا رحلة تمتزج بها المشاعر الانسانية ـ كالحنين إلى الأوطان وبقية الأهل فيها ـ بالمشاعر الحزينة أو السلبية التي قد تنتج عن تلك الرحلة، سواء أكان مبعثها فقدان حبيبٍ توفاه الله، أو خيبة أملٍ من تصرفات شتى. وقد تنقلب هذه الرحلة، التي طالما انتظرها المهاجرون بفارغ الصبر، جحيماً بسبب ما قد يحدث لهم فيها، سواء بتعرضهم للسطو وهم في طريقهم إلى الوطن، أو لحادث سير يرديهم ضحايا الحنين. لا يمر موسم إلا وتسمع بوفاة فلان من الناس وسائر أهله في حادث سير مأسوي وهم في طريقهم إلى أرض الوطن أو أثناء عودتهم منه، فيجتمع الناسُ، ويجمعون المال الكافي لأهله، ويقيمون صلاة الغائب عليه، ويترحمون عليه ويذكرونه بالخير.

إن المهاجر المقيم في هذه البلاد حريص أشد الحرص على القيام برحلة الصيف هذه لأنها زاده الذي يمكنه من قضاء سنة أخرى في أرض المهجر دون أبابة ... فيدخر لها من ماله لأنها رحلة مكلفة لرب أسرة مكونة من خمسة إلى سبعة أفراد، خصوصاً حينما يتوجب عليه القيام برحلات سياحية داخل أرض الوطن إرضاءً لأولاده الذين ولدوا وكبروا في أرض المهجر ولا يشدهم ـ بعكس والديهم ـ أيُّ حنين إلى تلك القرية النائية في أقاصي الريف، التي ولد فيها والداهم ... أو تطييباً لخاطر بنت أو بنات تُطلب أيديهن كل يوم في قرية الوالدين، ليس لوجه الله، بل محاولة لاستغلالهن مطية للهجرة إلى الغرب، بعدما أوصدت أبواب الهجرة الأخرى ...

ولكنها تبقى رحلة الميسورين مالياً. فكم من مهاجر تعثرت حالته لا يستطيع القيام بهذه الرحلة، فيبقى يكد ويشقى ويدخر ليتمكن من القيام بها كل خمس سنوات ... وكم من مهاجر ليس يملك أوراق إقامة رسمية في أرض المهجر فلا يستطيع مغادرتها ... وكم من مهاجر ميسور الحال ليس بمقدوره الذهاب إلى وطنه الأصلي لأن أبوابه موصدة بوجهه ... الأول يمزقه الحنين ـ وقد يجد من يجبر له عثرته فيعطيه مالاً يعينه على رحلته. والثاني يقضي صيفه في وحدة قاتلة وكآبة دائمة .. والثالث يعلل نفسه بزيارة بلاد أخرى، يحاول معها إقناع نفسه بأنها أجمل من وطنه ـ الموصدة أبوابه بوجهه ـ بمليون مرة ...

يقال:
ما مِنْ غَرِيبٍ وَإِنْ أَبْدى تَجَلُّدَهُ = إلا سَيَذْكُرُ عِندَ العِلَّةِ الوَطَنا
رد مع اقتباس