عرض مشاركة واحدة
  #36  
قديم 10-20-2006, 11:22 PM
الصورة الرمزية عبدالرحمن السليمان
عبدالرحمن السليمان عبدالرحمن السليمان غير متواجد حالياً
عضو مؤسس، أستاذ جامعي
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 5,706
افتراضي _MD_RE: خواطر سليمانية!

كُلُّ الصدقاتِ طعام!

تنتشر بين مسلمي بلجيكا عادة مفادها أن الصدقة عموماً هي وليمة يقوم بها* المتصدق ويدعو إليها الجماعة والشيخ وبضعة منشدين. ويتخلل الصدقة طعام ودرس ديني ونشيد مديح للنبي صلى الله عليه وسلم ويختم الحاضرون الطاعمون بالدعاء لصاحب الصدقة ...*

لا شك في أن اجتماع الجماعة، بحد ذاته، خير، خصوصاً الاجتماع الذي يُقصد فيه الخير ويُتلى فيه القرآن ويُذكر فيه الله سبحانه وتعالى، فهذا مما يُؤجر عليه إن شاء الله. وقد يسميه بعضهم صدقة لأن صاحبها بادر وقام وذبح وطبخ ودعا الناس إلى ذلك وأطعمهم وجاد ببعض المال على الشيخ والمنشدين ...

لكن هذه العادة الكريمة باتت أشبه بالتقليد الرتيب للمبادر والمدعويين والشيوخ والمنشدين على السواء لأن صدقات كهذه تقام بوتيرة أسبوعية ولأن العرف يقتضي دائماً تقديم أطعمة بعينها فيها ولأن الدرس الذي يلقيه الشيخ مكرر أيضاً ومفاده الإكثار من التصدق بالخرفان والطبيخ ...

حضرت قبل أيام صدقة كهذه لأحد أنسابي كانت بعد صلاة التراويح، أي بعد الإفطار بساعتين تقريباً. قلت له: ما فائدة إطعام شبعانين غادروا المائدة قبل ساعتين؟! وأين وجه التصدق في ذلك والجماعة ما فيها فقير واحد؟! ولم لا تحوِّل الألف يورو التي أنفقتها على هذه الصدقة إلى أسرة فقيرة في المغرب أو فلسطين أو العراق أو أفغانستان أو غيرها؟ فقال لي: إذا حوّلنا المال ـ وهذا يكون بطريقة غير مرئية ـ لا يرى الناس الصدقات، فتختفي وتموت هذه الفضيلة! فقلت له: يجتمع الناس ويذكرون الله ويطعمون، ولكن ظروف الأمة تغيرت، وتقتضي التغيرات التصدق بالمال لأن في ذلك خيراً كثيراً على فقراء المسلمين. أما إطعام شبعانين ورمي نصف الطعام في الزبالة لأن الشبعان لا يأكل إلا حياءً، فهذا تبذير للنعمة يحاسب عليه لأن فقراء المسلمين بأمس الحاجة إليها!

واليوم سمعت من خطيب الجمعة إنكاراً شديداً على من يخرج زكاة الفطر مالاً يُرسل إلى فقراء المسلمين في أي مكان من ديار المسلمين. قال: تخرج طعاماً أرزاً ودقيقاً وسمناً. فقلت له بعد الخطبة: لمن نعطي الأرز والدقيق والسمن يا عافاك الله وأفقر المسلمين في هذه البلاد يملك دارَيْن ثِنْتَيْن واحدة هنا وأخرى في بلده الأصلي، وراتبه في الشهر ألفا يورو على الأقل؟!

ما فهم الخطيب قصدي، وما فهمتُ قصده، ورأيت الحيرة بادية على وجوه الناس الذين اعتادوا على إخراج زكاة الفطر مالاً ـ خمسة يورو على الرأس ـ يضيفون إليها ما تجود به أنفسهم ويرسلونها بالويسترن يونيون إلى إخوانهم الفقراء في بلادهم الأصلية. افترق الناس مختلفين في شأن زكاة الفطر، شأنهم في ذلك شأن اختلافهم في تحديد بداية شهر الصوم، وبداية العيد، وأوقات الصلاة، وسائر أمور دينهم العادية التي لا يختلف فيها!

إنهم أئمة المساجد الوافدون من بلاد المهاجرين الأصلية، وأكثرهم ما تجاوز عتبة الأبجدية، لا في علم نقلي، ولا في علم عقلي، فكان وجود أكثرهم مثل عدمه، بل أشد خطراً من عدمه، لأن الجماعة التي تفتقر إلى وجود إمام يهديها أقل مصائب من الجماعة التي تبتلى بشيخ يجعلها في حيرة دائمة من أمرها في مسائل ـ مثل زكاة الفطر ـ الحكمةُ في إخراجها مالاً بادية ولا تخفى عن أحد من الجماعة ذاتها، التي لا يعرف أكثر أعضائها القراءة والكتابة بالعربية، وبالتالي لا يطلعون على فتاوى علماء الإسلام ذات الصلة.

رد مع اقتباس