عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 01-25-2010, 07:00 AM
الصورة الرمزية ahmed_allaithy
ahmed_allaithy ahmed_allaithy غير متواجد حالياً
عضو مؤسس_أستاذ جامعي
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 3,877
افتراضي

أخي الفاضل الدكتور عبد الرحمن
الحقيقة المسألة بسيطة جدًا؛ فالعشق إنما يكون في عفاف الحب ودعارته. فهو ذو شقين. ولما كان العشق هو فرط الحب، فالأرجح أنه لا يأتي بخير؛ لأنه كل شيء فيه زيادة عن الحد (فرط، إفراط) غير محبذ بالمرة. فالإفراط في الطعام وفي شرب الخمر وفي العمل وفي الإنفاق وفي النكاح ... لا يتوقع أن يؤدي إلى خير. بل الثابت بالدليل أن نتيجته سيئة. وهذا السوء على درجات أيضًا. فعلى افتراض ثبات جميع العناصر الأخرى من يشرب كأس خمر ليس كمن يشرب قارورة خمر. وإذا قبلنا بالمتغيرات لأنها أمر واقع فقد يكون تأثير رشفة خمر على شخص يعادل تأثير قارورة كاملة على مدمن مثلاً. فتلك الرشفة الواحدة لذاك الشخص إفراطٌ.
ومن يقامر بنصف ماله يفقد نصفه، ومن يقامر به كله يشحذ.
وهكذا الحب والعشق.
وعلينا التفرقة بين ما هو حلال وحرام.
فأبو بكر الصديق رضي الله عنه تصدق بماله كله ذات يوم، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله عما تركه لأهل بيته، قال "تركت لهم الله ورسوله". وهذه درجة إيمانية عالية وإيثار منقطع النظير. هو قد أحب الله ورسوله حتى لم يبق بين جنبيه موضع لغيرهما، فهانت عنده كل زخارف الدنيا ومتاعها. وأمثال هذا لا يضيعون حقوق العباد، لأن حب الله ورسوله يستلزم الامتثال لأوامرهما. والله عز وجل حين يرى في المرء صدق حبه له، وعمله لطاعته لا يضيِّعه وأهل بيته وذويه. فالرجل يوم القيامة يشفع عمله الصالح له ولأهله ولكثير ممن يعرفهم. ومن ثم فالحب في الطاعة أمر محبذ. وكما قال رمز الكرم "ليس في الخير سرف".
أما أغلب الناس فلهم ميزان آخر إن شاؤوا استندوا إليه؛ فقد جاء في الحديث الشريف "لئن تترك ورثتك أغنياء خير من أن تتركهم فقراء يتكففون الناس". فالطريق الوسط هو الأفضل. وفي الوصية لا يجوز للمرء أن يوصي بأكثر من ثلث ماله "والثلث كثير"؛ لأن للورثة حقوق لا يمكن التعدي عليها. وهي حقوق فرضها الله عز وجل.
وحين يحب الإنسان فعليه ألا يسرف في الحب؛ لأن كفة الضرر الناتج عن الإسراف أكثر رجحانًا من الكفة الأخرى. والقاعدة هي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فماذا عما يسمونه "العشق الإلهي"؟
يقول الله عز وجل "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه". فلم يستخدم القرآن كلمة العشق لأن غلبة المفسدة كائنة.
أما الحب فالأغلب عدم المفسدة لأنه شعور طبيعي غير مسرف. ومع هذا فقد يحب الإنسان شيئاً حرامًا، ولكنه لا يسرف فيه. فيكون الحرام حرامًا بقدر المعصية. ولست أدري لماذا يحب البعض الرقص على الحبل، أو الحوم حول الحما! وهو لا يأمن ما قد يقع فيه. ولكن يبدو أن كثيرين لا يهتمون لاستبراء دينهم وعرضهم.


وورود كلمة العشق في الشعر في أغلبها مبالغة لفظية، الهدف منها تعبير المحب عن عِظَم الحب لمحبوبه في قلبه. وليس شرطًا أن يكون القصد هو دعارة الحب، إلا أن يكون التصريح فينصرف المعنى إلى ذلك الوجه.

ومن قالوا بحرمة العشق كانوا يتحدثون عن أضراره لرجحان كفتها، وما قد يتبعه من مفاسد ونزوع إلى ارتكاب المعاصي والموبقات بل والكبائر أيضًا.

أما من يحاولون لَيَّ عنق اللغة، والتصيد في الماء العكر، والقول بحرمة كل شيء على إطلاقه فهم إنما يفعلون ذلك للتعمية والتضليل، ويخرجون الكلام عن سياقه، ويستحمقون القارئ، رغم أن القضية واضحة. ويتناسون أن الأصل في الأشياء الأباحة إلا ما نزل الشرع بتحريمه. فشرب الماء مباح، ولكن إذا شربت الماء وأنت تعلم أنك لو شربته هلكت، فلا يجوز لك أن تشربه. والخمر في الأصل مباحة، أما حرمتها فهي لأن الشرع نزل بتحريمها. والنكاح مباح ولكن إن نكحت أكثر من أربعة صار حرامًا. وهكذا الحب، إن أفرطت فيه (فصار عشقًا) حتى أصابتك لوثته، أو نزع بك إلى ارتكاب حرام، أو منعك عن أداء ما أنت مكلف به صار حرامًا.

دمت في طاعة الله.
__________________
د. أحـمـد اللَّيثـي
رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.

فَعِشْ لِلْخَيْرِ، إِنَّ الْخَيْرَ أَبْقَى ... وَذِكْرُ اللهِ أَدْعَى بِانْشِغَالِـي

رد مع اقتباس