عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 10-10-2006, 12:53 PM
الصورة الرمزية admin_01
admin_01 admin_01 غير متواجد حالياً
إدارة المنتديات
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 425
افتراضي خطاب الواحد بخطاب الاثنين - د . فاروق مواسي

خطاب الواحد بخطاب الاثنين

*د . فاروق مواسي

نادرة هي اللغات التي تخصص للمثنى صيغًا خاصة في تراكيبها *، وخاصة في الأفعال .

*وقد جعلت العربية الضمير – الألف مشتركًا للمذكر والمؤنث* ، ففي قولنا* ( اِذهبا ) فإننا* نوجه الأمر للاثنين* وكذلك للاثنتـين ، بالإضافة إلى أن كلا من* الضميرين – ( هما ) و (أنتما ) مشتركان ، ويلاحظ أن الألف هي دلالة التثنية في الضمائر [1] . ويظل هذا الاشتراك كذلك في المضارع والماضي مع الحفاظ على علامة التأنيث -* التاء - للمؤنث ، فهما تذهبان وقد* نجحتـا .

ولما أن* كانت اللهجة المحكية قد* ألغت هذه الصيغة واعتبرت الاثنين جماعة ، فمحمد وأحمد* "سافروا "، و " سألتهم " :* " تعبتو ؟ "... وأنتم ( للاثنين )* : تفضلوا ! فإن هذا التأثير أخذ يتسرب للفصيحة في السرد والحوار* في روايات مختلفة* ، وكذلك في ما اصطلح عليه " لغة المثقفين " . وهي – من نافلة القول* - لا تتوجه للمفرد بأمر المثنى* - على غرار ما ورد في نصوص عربية قديمة ، كأن نخاطب رجلاً ونقول له : اسمعا ! وهذه* المسألة هي من الغرابة بمكان ، لذا ارتأيت أن تكون هي – بالذات -* موضوع الدراسة* الذي أتناوله .

******************* ***************** *************************************** *

من الظواهر التي لا نجد لها تفسيرًا* لغويًا-* *هذه الظاهرة التي يؤمر فيها الواحد بأمر الاثنين ، كقول الحجاج : " يا حرَسيّ ! اضرب رأسه* ! "[2] ، وثـَم استشهاد شعري يتردد في هذا الباب* ، وهو

*لسويد بن كراع العكلي :

** فإن تزجراني يا ابن عفان أزدجر*********************** وإن تتركاني أحم عرضًا ممنـّعـا[3]

يقول ابن سلام : " وقوله تزجراني ، وتتركاني ، وإنما يريد واحدًا ، وقد تفعل هذا العرب ...."[4]

فهل هذا الأسلوب جاء لتحسين الكلام من جهة المعنى* ، أو أنه جاء لتحسينه من ناحية اللفظ ؟

هل هو مجرد جنوح عن الأصل ، أو بلغة النقاد* المحدثين* ( اِنزياح )* أو* ( انحراف ) ؟[5]

هل* الألف هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة – كما ذهب بعضهم في شرح " قفا نبك .. ) [6]؟

وقبل أن* ندخل الموضوع أؤكد أن هناك من يرى* أن الخطاب لاثنين* ، وليس لواحد* ، وفي كل نموذج أو مثال سأورده ثمة أكثر من تفسير ، ولكن همنا هنا أن نقف عند هذا الرأي السائد لدى كثير من أهل اللغة* ، وهو أن الخطاب جاء لواحد فقط* ، ويدل على ذلك السياق* ، فبعد ( قفا نبك ... ) ورد بيت آخر في المعلقة* يبدأ* بخطاب ( أصاح ترى برقًا أريك وميضه .... ) بدليل أن* المخاطب هو واحد .

********* ورد في* *العقد الفريد *:" وقال أهل التفسير في قول الله عز وجل – ( ألقيا في جهنم كل كفّار عنيد )

إنه إنما أراد واحدًا فثناه ، وكذلك قول معاوية للجلواز الذي وكّله برَوح بن زنباع* لما اعتذر إليه رَوح واستعطفه : خليا عنه ! " [7].

ويستعرض البغدادي في مجمل حديثه عن ( قفا نبك ) أن فيها أقوالا ، يذكر منها : " أحدها *لأكثر أهل اللغة *أنه خطاب لرفيق واحد ، قالوا لأن العرب تخاطب الواحد بخطاب الاثنين ، قال الله تعالى مخاطبًا لمالك : ( ألقيا في جهنم ...) [8].........والعلة فيه أن أقل أعوان الرجل في إبله وماله اثنان* .... فجرى كلام الرجل على ما ألف من خطابه لصاحبيه* " .[9]

وثمة قول آخر أورده البغدادي على أنه للمبرد* إذ* " قال : التثنية تأكيد الفعل ، والأصل ( قف* قف )

، فلما كان الفعل لا يثنى ثُـنّي ضميره " .

ولا يغفل البغدادي عن الرأي الذي يرى أن خطاب المثنى هو للمثنى حقيقة* ، ويقول إنه رأي الزجّاج .

ذكرت آنفًا ما قاله* *العقد الفريد *عن أهل التفسير** في مجرى كلامهم عن الآية { *ألقيا في جهنم ..}* فهذا القرطبي يستشهد بما قاله الخليل والأخفش – " إن هذا كلام العرب الفصيح أن تخاطب الواحد بلفظ الاثنين ، فتقول ": " ويلك ارحلاها وازجراها ، وخذاه وأطلقاه للواحد ، وقال الفراء : تقول للواحد قوما عني* "[10]

ونحن نلحظ رأي المفسر – القرطبي* الموافق* ضمنًا لهذه الظاهرة اللغوية - من خلال وصفه ذلك –معتمدًا على الخليل* والأخفش* بالفصيح* ( وهو بذلك* يرى ما رآه* ابن جني[11] من أن ذلك فصيح ، وما ارتآه البغدادي بأنه لأكثر أهل اللغة* )** ، و نلحظ هذه* " الموافقة " من خلال استطراده في* تقديم الأمثلة .

ثم أن* أسلوب المبالغة قد يكون في اللغة متمثلا باستخدام صور التثنية أو الجمع* ، فابن سلام الجمحي ينبهنا* إلى نماذج وردت في الشعر القديم* ، يقول : " وقد تفعل هذا* العرب " ،* ويستشهد بأبيات فيها* صيغة المثنى* للدلالة على المفرد -* "* قال الفرزدق :

عشية سال المِربدان كلاهما*************************** عجاجةَ موت بالسيوف الصوارم

.......................

وقال أبو ذؤيب :

وحتى يؤوب القارظان كلاهما************************ ويُنشر في القتلى كليبٌ لوائل

وهو رجل واحد* من عنـزة* ، ذهب* ( أن )* يجتني القَرَظ ، فلم يثبُت أنه رجع* .

............وقال العجاج :* " لا تحسبنّ الخندقيـن والحَفَر " وهو خندق واحد " [12]

ونحن لا نستبعد ذلك* ، إذ* ورد في الذكر الحكيم* { رب المشرقين ورب المغربين } ( الرحمن 17 ) ، كما ورد في آية أخرى** { رب السماوات وما بيـنهما ورب* المشارق } ( الصافات 5 ) ،* وليس هناك* أكثر من مشرق واحد ، إذا أردنا تعميم الدلالة .

، ولكن المفسرين يجعلون* كل درجة في طلوع الشمس وكأنه مشرق واحد ، فاختلاف مطالع الشمس لديهم هو* مشارق* ، وكذلك جعلوا المشرقين أقصى مطلع تطلع منه الشمس في الأيام الطوال ، وأقصر يوم في القصار [13] .* وهذا بالطبع لا ينفي أن يكون هناك مشرق* واحد* بدليل الآيات الواردة في ستة مواقع أخرى [14]

إن* مثل هذه الأساليب* اللغوية التي تعدل عن الأصل المتعارف عليه من شأنها أن تثير التساؤل* ، وتترك فسحة* لمعاودة النص واستنباط معنى* قد تؤديه صورة اللفظة الجديدة .

وعلى ذلك* ، فقد اعتبر ابن جني هذا " الانـزياح " اللغوي أمرًا عاديًا* وهو " ليس بقاطع دليل على* ضعف لغته ، ولا قصوره عن اختياره الوجه الناطق بفصاحته "[15]

********** ********** ************************************************* *

إزاء ما ذكرنا أعلاه من ضروب الاجتهاد فإن صورة التأكيد تظل هي الراجحة[16] ، فكأن الواحد هو اثنان، ونحن نلحظ ذلك أكثر ما نلحظ في خطاب المفرد الذي يكون له مساعد* ، أو في موقف يكون المفرد فيه* في موقف تأثيري*** { ألقيا في جهنم ...} قفا نبك* ، اضربا عنقه !* ، خليا عنه ! ، فإن تزجراني يا ابن عفان ... ... إلخ ) .

****** ثم إن عدم المطابقة اللغوية كان لكسر آلية ما هو متعارف عليه ، فنحن نرى آية " فمن ربكما يا موسى "* ( طه 49 ) فقد سأل " من ربكما* " وخاطب واحدًا* - موسى* ( وكأن هارون مفهوم ضمنًا* أنه معه ) أو قوله تعالى " قال قد أجيبت دعوتكما ... " ( يونس 89 ) والخطاب مرة أخرى لموسى وحده ؛ ومثل ذلك* آية " ... فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى* "* ( طه 16 )* - بدلا من ( فتشقيان ) .

إنها أساليب تحفز على تدبرها والنظر فيها* ،* وقد تضاف هي و الأضداد والمشترك والعدول* وغيرها* إلى مجمل المثير* للنظر* ، وهنا لا يكون تحديد الدلالة* - عامة* - هدفًا* ، بل إن هذا منوط بمراجعة النص وفهم السياق .

المصادر

القرآن الكريم

ابن جني : *الخصائـص* ، *ج 2 ، (تحقيق محمد علي النجار) ، دار الهدى ، بيروت – 1952 .

ابن عبد ربه ، أحمد : العقد الفريد *( ج 5 ) ، دار الكتاب العربي ، بيروت – 1965 .

ابن فارس : *الصاحبي ( تحقيق مصطفى الشومي ) ، مؤسسة بدران ، بيروت – 1964 .

ابن قتيبة : *الشعر والشعراء *، ج 2 ، ( تحقيق أحمد محمد شاكر ) ، دار المعارف بمصر – 1967 .

البغدادي ، عبد القادر : خزانة الأدب *، ج 6* ، 11 ، ( تحقيق عبد السلام هارون ) ، مكتبة الخانجي ،

************************* القاهرة – 1983 .

التبريزي ، الخطيب : *شرح القصائد العشر *( تحقيق فخر الدين قباوة ) ، دار الآفاق ، بيروت –

1980.

الجمحي ، ابن سلام : *طبقات فحول الشعراء* ، ج 1 ( تحقيق محمود شاكر ) ، دار المدني ، د . ت.

الزركشي ، برهان الدين : *البرهان في علوم القرآن ، *ج2 ، دار التراث ، القاهرة* ، د . ت .

الزوزني* : شرح المعلقات السبع ، دار الجيل ، بيروت – د . ت .

القرطبي : *الجامع لأحكام القرآن *، ج 15 ،* ج 17 ، دار الكتب العلمية ، بيروت – 2000 .



[1] *- مما يسترعي الانتباه أننا نجد مقابل* ( هم ) للجمع المذكر ( هما ) للتثنية ؛ ومقابل ( أنتم )* نجد ( أنتما ) للتثنية أي بزيادة ألف* ، ولكنا لا نجد في ضمير المتكلم ( نحن ) ما يقابلها* بحيث يخص المثنى – كأن نقول ( نحنما ) ، ولعل ذلك يعود إلى اعتبار المتكلمَـينِ الاثنين جماعة بسبب* الفخر ومتطلباته التي تدع العربي المتكلم وكأنه جماعة ، فكم بالحري إذا كان هناك من يقف معه*. [2] -* -ابن فارس : *الصاحبي ، ص* 219* قد ذكر العبارة محقق الكتاب* مصطفى الشومي نقلا عن السبكي في كتابه *عروس الأفراح على شرح تلخيص المفتاح .* وقد وردت الجملة كذلك على أنها قول لأحد الفصحاء ( خزانة الأدب ، ج 6 ، ص 148 )[3] *- الجمحي ، ابن سلام : *طبقات فحول الشعراء* ، ج 1 ، ص*** 178* ، وقد ورد البيت* في *الصاحبي *( م . س ) بلفظة ( أنزجر ) بدلا من ( أزدجر )* ولفظة (* تدعاني ) بدل ( تتركاني ) . كما ورد في *الشعر والشعراء *( أنزجر ) ، ج 2* ، ص 635 .

أما الشاعر فهو أموي كان قد* هجا بني عبد الله بن دارم ، فاستعدوا عليه سعيد بن عثمان بن عفان ، فطلبه ، فهرب منه
*
[4]- **نحو* : خليلي قوما في عطالـة فانظرا** أنارًا ترى من ذي أبانينَ أم برقا* ، ونلاحظ قول الشاعر ( ترى ) بعد قوله ( خليلي َّ

وفي الهامش الذي شرح فيه محمود محمد شاكر* ( ص 178 ) يقول " إن الأنباري* في شرح السبع الطوال يقول : فقال خليليّ ، فثنى ، ثم قال : أنارًا* ، فوحد "*

5 - أورد الزركشي في *البرهان في علوم القرآن* *، ج 2* نحو أربعين وجهًا من* "وجوه المخاطبات والخطاب في القرآن " وذكر من بينها***** خطاب الاثنين بلفظ الواحد ، وخطاب الجمع بعد الواحد* ، وخطاب الواحد والجمع بلفظ الاثنين *( ص 239 ) ، وقال ابن فارس في أكثر من موضع – وهو يتناول ظواهر لغوية خارجة عن المألوف اللغوي* : " *من سنن العرب أن تفعل ذلك "

*( *الصاحبي ، *ص 211 – 213 ... ..).

[6] *-* يقول التبريزي : " أراد " قفنْ " بالنون ، فأبدل الألف من النون ، وأجرى الوصل مجرى الوقف . وأكثر ما يكون هذا في الوقف " ، انظر : *شرح القصائد العشر ، ص 20 ***وانظر كذلك - البغدادي :خزانة الأدب *، ج 11 ، ص 18 .

*- ابن عبد ربه : *العقد الفريد *، ج 5 ، ص 388 .[7]

*- سورة ق *آية 24* . ويورد كذلك بيت شعر آخر هو لمضرّس بن ربعي الفقعسي :

*وقلت لصاحبي لا تحبسانا* .........( خزانة الأدب *، ج 11 ، ص 17 )[8]

*- ن . م *، ويذكر البغدادي رأي ابن النحاس** " أن هذا شيء ينكره* حذاق البصريين* ، لأنه إذا خاطب الواحد مخاطبة الاثنين وقع [9]

الإشكال " ، ويضيف البغدادي نوعًا من الاعتراض* ، فيعقب على قول ابن النحاس* : " وفيه نظر* ، فإن القرينة تدفع اللبس " .

[10] - القرطبي : *الجامع لأحكام القرآن *، ص 12 ، ويسوق كذلك رأي المازني* المبرد أنها تثنية على التوكيد ***، ويضيف* القرطبي " ويجوز أن يكون " ألقيا " تثنية على خطاب الحقيقة* من قول الله تعالى يخاطب الملكين . وقيل : هو مخاطبة للسائق والحافظ " ويعني بذلك الآية " وجاءت كل نفس ومعها سائق وشهيد " ( ق ، 21* ) – أي الآية التي تسبق آية " ألقيا .... " بثلاث آيات* .

*-* يقول ابن جني : " إن *العربي الفصيح إذا قوي طبعه لم يبال أن يقع الشذوذ في شيء من كلامه " ، الخصائص *ج 2 ، ص 392 .[11]

*- الجمحي ، *طبقات فحول الشعراء *، ج 1 ، ص 180 .[12]

*- انظر مثلا – القرطبي : *الجامع لأحكام القرآن *، ج 15 ، ص 44 .[13]

*- انظر " ولله المشرق والمغرب ... "* ، البقرة* 115 ، 142 ، 177 ، 258* ، الشعراء 28 ، المزمل 9 .[14]

*- ابن جني : *الخصائص *، ج 2 ، ص 392 .[15]

*-* كأنه توكيد لفظي ، فبدلا من قوله* " ألقِ ألقِ* " مرتين قال ألقيا ( وكأن ذلك مثنى ) وعلى غرار ذلك فسرت الآية* " ...قال رب أرجعون " ( المؤمنون 99 )<span style="mso-spa

رد مع اقتباس