عرض مشاركة واحدة
  #11  
قديم 08-13-2014, 06:54 PM
الصورة الرمزية ahmed_allaithy
ahmed_allaithy ahmed_allaithy غير متواجد حالياً
عضو مؤسس_أستاذ جامعي
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 3,770
افتراضي

قال تعالى: ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ
* ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ قيل معناه الشكرُ لله خالصاً دون سائر ما يُعبَد من دونه، و ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو الثناءُ على الله بصفاتِ الكمالِ له، وعظيمِ الأفعالِ الصادرةِ منه سبحانَه، و﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ هو الثناء على الله بالوصف الجميل على وجه التعظيم والتبجيل والمحبة.[1]
* ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أفضلُ ما ينبغي أن يُحمدَ به اللهُ، وليس لفظٌ يوازيه في المعنى. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحمدُ للهِ تملأُ الميزانَ." فقد بلغت هذه الكلمةُ الغايةَ في الأجرِ والثوابِ حتى ملأتِ الميزانَ.[2]
* الحمدُ هو المدحُ والوصف بالجميل، فالحمدُ والمدحُ أَخَوَان،[3] أي أنهما مترادفان في المعنى، وقيل بين الحمد والمدح فروق وهي من وجوهٍ:
الأولُ
حصول المدح للحيِّ وغيرِ الحيِّ، ويكون على الوصفِ الاختياريِّ والاضطراريِّ، فالمرءُ يمتدِحُ البستانَ الجميلَ، فيقول: مدحتُه. ولا يقول: حمدتُه ألبتة، كما يُمدَحُ الإنسانُ على جمالِ وجهِهِ، أو القمرُ على صفاءِ لونِه، وهما ليسَا من أفعالِهما، ويُمْدَحُ المرءُ على إحسانِه وكَرَمِه وحُسْنِ خُلِقِه ومعاملتِه وتَدَيُّنِهِ وإغاثتِه للملهوف، وشجاعتِه، وهذا كلُّه وأمثالُه من عملِه الاختياري. والمدحُ ثناءٌ وتكرارُه مَرَّةً بعد مَرَّةٍ مثلُ ذلك.

والثاني أنَّ الحمدَ يتعلقُ بالإشارةِ إلى إحسانِ المحمودِ عندَك فيكونُ على الجميلِ الاختياريِّ كما يُـحْمَدُ اللهُ تعالى على لطفِه ورحمتِه وإحسانِه، وهذا ما لا يتضمنه لفظ المدح.[4]
والثالث: أن المدح قد يكون بحق أو بغير حق ولهذا نهي عن كثير منه، بخلاف الحمد فإنه لم يأتِ في الشرع إلا وله معنى لائق ودلالة صحيحة.
*قال الجوهري رحمه الله: الحمد نظير الذم، والحمدُ أعمُّ من الشكر.
وأما الفرقُ بين الحمدِ والشكرِ، فإن معنى الشكرِ فيه قصورٌ عن معنى الحمد؛ لأن الشكرَ لا يكونُ إلا لأجلِ إحسانٍ وصل إليكَ أنتَ بشخصِك، بخلاف الحمدِ الذي هو ثناءٌ على الممدوحِ بصفاتِه من غير سبقِ إحسانٍ، فهو شكرٌ عامٌّ وَصَلَ إليكَ أو وَصَلَ إِلَى غَيْرِك. فالشكرُ "الثناءُ باللسانِ على الْمُنْعِمِ بما أَوْلَى من النِّعَمِ والإِحْسَانِ، فهو أخصُّ من الحمدِ موردًا؛ إذ موردُه النعمةُ فقط، وَأَعَمُّ مُتَعَلَّقاً إذ متعلقُه القلبُ واللسانُ والجوارحُ، لقول القائل:
أَفَادَتْكَ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثلاثةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضميرَ الْمُحَجَّبَا"[5]
وقيل إن الحمدَ يعمُّ المدحَ والشكرَ لحديث " الحَمدُ رأسُ الشُّكرِ."[6]
* جاءت ﴿ٱلْحَمْدُ﴾ مُعَرَّفَـةً بِالْأَلِفِ وَاللَّام لِاسْتِغْرَاقِ الْجِنْسِ، فَـتَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ جَمِيع أَجْنَاسِ الْحَمْد وَصُنُوفه لِلَّهِ تَعَالَى، إذ معناها (كُل)، أو (جميع)، أي: جميع المحامد، وكل المحامد.[7]
*وقيل قولُه تعالى ﴿ٱلْحَمْدُ﴾ بالتعريفُ بالألف واللام هو "تعريف الجنس؛ لأنَّ المصدرَ هنا في الأصل عِوَضٌ عن الفعل، فلا جرم أن يكون الدالُّ على الفعلِ والسَّادُ مَسَدَّهُ دَالًّا على الجنسِ، فإذا دخل عليه اللام فهو لتعريف مدلوله؛ لأن اللام تدل على التعريف للمُسَمَّى، فإذا كان المسمى جنسًا فاللام تدل على تعريفه ... وليست لامُ التعريف هنا للاستغراق لَمَّا عَلِمْتَ أنها لامُ الجنس؛ ولذلك قال صاحب الكشاف: "والاستغراقُ الذي تَوَهَّـمَـهُ كثيرٌ من الناس وَهْمٌ منهم، غير أن معنى الاستغراقِ حاصلٌ هنا بالمثال، لأنَّ الحكمَ باختصاصِ جنسِ الحمدِ به تعالى لوجود لام تعريف الجنس في قوله ﴿ٱلْحَمْدُ﴾، ولام الاختصاص في قوله ﴿لِلَّهِ﴾ يستلزم انحصار أفراد الحمد في التعلق باسم الله تعالى لأنه إذا اختصَّ الجنسُ اختصتِ الأفرادُ؛ إذ لو تحققَّ فردٌ من أفرادِ الحمدِ لغيرِ اللهِ تعالى لتحققَّ الجنسُ في ضمنِه فلا يتمُّ معنى اختصاصِ الجنسِ المستفادِ من لامِ الاختصاصِ الداخلةِ على اسمِ الجلالةِ، ثم هذا الاختصاصُ اختصاصٌ ادعائيٌّ فهو بمنزلة القصرِ الادعائيِّ للمبالغةِ."[8]
* ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جملةٌ اسميةٌ تفيدٌ الأمرَ؛ يقول الشنقيطي: "وهو ثناءٌ أثنى به تعالى على نفسِه وفي ضمنِه أَمَرَ عبادَه أن يثنوا عليه به."[9] أي أن اللفظَ خبرٌ، ومعناه الإنشاءُ، فهذا لونٌ بديعٌ من ألوانِ الفصاحةِ والبلاغة، هو تلوينُ الخطاب صيغته الخبر ومعناه الأمر، فكأنه قال: "قولوا: الحمدُ للهِ."
* ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جملة اسمية، تدل على الاستمرار والدوام، أي استمرار الحمد لله في كل آن، وهذا هو عين الصواب والحكمة؛ فإن مقتضى الحكمة أن يظل الخالقُ سبحانه محموداً، وأن يظل العبدُ حامداً شاكراً.
* ﴿ٱلْحَمْدُ﴾ بالرفع، ولم يقل: الحمدَ بالنصب، وفرَّق سيبويهُ بين الاثنين، فقال: "إن الذي يرفعُ الحمدَ؛ يُخبرُ أن الحمدَ منه ومن جميع الخلق، وأن الذي ينصبُ يُخبر أن الحمدَ منه وحده لله تعالى." [10] فكأنه قال (أَحْمَدُ الحمدَ).
قال صاحب التحوير والتنوير: "ومن شأن بلغاء العرب أنهم لا يعدلون عن الأصل إلا وهم يرمون إلى غرض عدلوا لأجله ، والعدول عن النصب هنا إلى الرفع ليتأتى لهم الدلالة على الدوام والثبات بمصير الجملة اسمية؛ والدلالة على العموم المستفاد في المقام من (أل) الجنسية، والدلالة على الاهتمام المستفاد من التقديم. وليس واحد من هذه الثلاثة بممكن الاستفادة لو بقي المصدر منصوبا؛ إذ النصب يدل على الفعل المقدَّرِ، والمقدَّرُ كالملفوظِ فلا تكون الجملةُ اسميةً إذ الاسم فيها نائب عن الفعل، فهو ينادي على تقدير الفعل فلا يحصل الدوام. ولأنه لا يصح معه اعتبار التقديم فلا يحصل الاهتمام، ولأنه وإن صح اجتماع الألف واللام مع النصب -كما قرئ بذلك وهي لغة تميم- كما قال سيبويه فالتعريف حينئذ لا يكون دالا على عموم المحامد؛ لأنه إن قَدَّرَ الفعلَ (أَحْمَدُ) بهمزة المتكلم، فلا يعم إلا تحميدات المتكلم دون تحميدات جميع الناسِ، وإن قَدَّرَ الفعلَ (نَـحْمَدُ) وأُرِيدَ بالنون جميع المؤمنين بقرينة ﴿ٱهْدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ﴾ وبقرينة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فإنما يَعُمُّ محامدَ المؤمنين أو محامدَ الموحدين كلهم. كيف، وقد حمد أهلُ الكتاب اللهَ تعالى وحمده العربُ في الجاهلية؟! قال ابن أبي الصلت: الحمدُ للهِ حمداً لا انقطاعَ له *** فليس إحسانُه عنا بمقطوعِ
أما إذا صار الحمدُ غيرَ جَارٍ على فعلٍ، فإنه يصيرُ الإخبارُ عن جنس الحمدِ بأنه ثابتٌ للهِ، فَيَعُمُّ كلَّ حَمْدٍ."[11]
* ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ بالرفع أبلغ من أن يقالَ (الحمدَ) بالنصب؛ لأن الرفع دالٌّ على الدوام والثبات. وكذلك فإن (الحمدَ) بالنصب والتعريف أبلغُ من قولنا (حمدًا لله) بالتنكير. قال الزمخشري: "إن العدولَ عن النصبِ إلى الرفعِ [إنما هو] للدلالة على ثبات المعنى واستقراره."[12] أي أن المعنى الحمدُ لله حمدًا دائمًا ثابتًا مستقرًّا لا زوالَ له أبداً؛ فللرفع مزية على النصب لأنه إخبارٌ عن ثابتٍ، وفيه تناسي معنى الفعلِ، والنصبُ تجديدُ ما لم يكن لأنه تذكيرٌ بالجملة الفعلية، الدالة على التجدد. ومنه قوله تعالى ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ﴾ (هود:69) رفع (السلامَ) الثاني للدلالة على أن خليلَ الله إبراهيم عليه السلام حيَّا زائريه من الملائكة بتحيةٍ أحسنَ من تحيتهم،[13] إذِ استعملوا هم النصبَ، واستعمل هو الرفعَ فكان أقوى وأبلغ وأفضل وأدوم وأثبت.
* يقول ابن عاشور في قوله تعالى ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ "وقع الاهتمامُ بالحمدِ مع أنَّ ذكرَ اسمِ الله تعالى أهمُّ فكان الشأن تقديمَ اسم الله تعالى وإبقاء الحمدِ غير مُهْتَمٍّ به حتى لا يلجأ إلى تغييره عن النصب إلى الرفع لأجل هذا الاهتمام. قلتُ: قَدَّمِ الحمدَ لأن المقامَ هنا مقامُ الحمدِ؛ إذ هو ابتداءُ أُولَى النعمِ بالحمدِ وهي نعمةُ تنزيلِ القرآنِ الذي فيه نجاحُ الداريْن، فتلك المنةُ من أكبرِ ما يُـحْمَدُ اللهُ عليه من جلائل صفات الكمال لا سيما وقد اشتمل القرآن على كمال المعنى واللفظ والغاية فكان خطوره عند ابتداء سماع إنزاله وابتداء تلاوته مُذكِّرًا بما لمنزله تعالى من الصفات الجميلة، وذلك يُذَكِّرُ بوجوب حمده وأن لا يُغْفَلَ عنه، فكان المقام مقام الحمد لا محالة، فلذلك قُدِّمَ وأزيل عنه ما يؤذِن بتأخره لمنافاته الاهتمام. ثم إنَّ ذلك الاهتمام تَأَتَّى به اعتبارُ الاهتمام بتقديمه أيضا على ذكر الله تعالى اعتدادًا بأهمية الحمدِ العارضةِ في المقام وإنْ كان ذكرُ الله أهمُّ في نفسِه؛ لأنَّ الأهميةَ العارضةَ تُقَدَّمُ على الأهميةِ الأصليةِ؛ لأنها أمرٌ يقتضيه المقامُ والحالُ، والآخرُ يقتضيه الواقعُ، والبلاغةُ هي المطابقةُ لمقتضى الحال والمقام، ولأن ما كان الاهتمامُ به لِعَارِضٍ هو المحتاجُ للتنبيهِ على عَارِضِهِ إذ قد يَـخْفَى، بخلاف الأمرِ المعروفِ الْمُقَرَّرِ فلا فائدة في التنبيه عليه بل ولا يفيته التنبيه على غيره."[14]
* دل لفظ ﴿ٱلْحَمْدُ﴾ على ثلاثة أشياء:
الأول
: أن كلَّ حمدٍ هو لله وليس حمداً دون حمد.
الثاني
: أن هذا الحمدَ مستمرٌ لا ينقطع ألبتة.
الثالث
: أن هذا الحمد يجب أن يكون من كل مخلوق.

* ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ساوى الله عز وجل بهاتين الكلمتين "بين البشر جميعا، فلو أنه ترك الحمد بلا تحديد، لتفاوتت درجات الحمد بين الناس بتفاوت قدراتهم على التعبير. فهذا أمي لا يقرأ ولا يكتب لا يستطيع أن يجد الكلمات التي يحمد بها الله. وهذا عالِـم له قدرة على التعبير يستطيع ان يأتي بصيغة الحمد بما أوتي من علم وبلاغة. وهكذا تتفاوت درجات البشر في الحمد طبقا لقدرتهم في منازل الدنيا. ولكن الحق تبارك وتعالى شاء عدله أن يسوي بين عباده جميعا في صيغة الحمد له. فيعلمنا في أول كلماته في القرآن الكريم أن نقول ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ليعطي الفرصة المتساوية لكل عبيده بحيث يستوي المتعلم وغير المتعلم في عطاء الحمد ومن أوتي البلاغة ومن لا يحسن الكلام. ولذلك فإننا نحمد الله سبحانه وتعالى على أنه علمنا كيف نحمده وليظل العبد دائما حامدا. ويظل الله دائما محمودا."[15]
* وقيل ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناءٌ من الله عَزَّ وَجَلَّ على نفسِه، فإنه سبحانه يحبُّ الثناء، ولذلك أثنى على نفسه، كما أخبر بذلك نبيُّه صلى الله عليه وسلم ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ."[16]
فمعنى ﴿ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَـٰلَمِينَ﴾ أي: سبق الحمدُ مِنِّي لنفسي قبل أن يحمدَني أحدٌ من العالمين، وحمدي لنفسي في الأزل لم يكن بِعِلَّةٍ، وحمدي الخلق مشوب بالعلل، قال علماؤنا: فَيُسْتَقْبَحُ من المخلوقِ الذي لم يُعْطَ الكمالَ أن يحمدَ نفسَه ليستجلبَ لها المنافعَ ويدفعَ عنها الْمَضَارَّ. وقيل: لَمَّا عَلِمَ سبحانه عَجْزَ عبادِه عن حمدِه، حَمِدَ نفسَه لِنَفْسِهِ في الْأَزَلِ... ألا ترى سيدَ الْمُرْسَلِينَ كيف أظهرَ الْعَجْزَ بقوله: "لا أُحْصِي ثَنَاءً عليك". وقيل: حمد نفسه في الأزل لما علم من كثرةِ نعمه على عبادِه وعجزِهم عن القيام بواجب حمدِه فحمد نفسَه عنهم لتكون النعمةُ أهنأَ لديهم حيث أسقطَ عنهم به ثِقَلَ الْمِنَّةِ. [17]
__________________
د. أحـمـد اللَّيثـي
رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.

فَعِشْ لِلْخَيْرِ، إِنَّ الْخَيْرَ أَبْقَى ... وَذِكْرُ اللهِ أَدْعَى بِانْشِغَالِـي

رد مع اقتباس