عرض مشاركة واحدة
  #1  
قديم 04-18-2022, 12:44 AM
الصورة الرمزية مجدي جعفر
مجدي جعفر مجدي جعفر غير متواجد حالياً
عضو منتسب
 
تاريخ التسجيل: Jun 2021
المشاركات: 22
افتراضي قراءة في مسرحية " حريم البهلوان " لحزين عمر بقلم / مجدي جعفر

قراءة في مسرحية ( حريم البهلوان ) لحزين عمر
بقلم / مجدي جعفر
..............................
يرى الدكتور محمد مندور في كتابه ( المسرح النثري ) أن كاتبنا المعاصر الكبير توفيق الحكيم ( هو أول من قد نجح في أن يربط الأدب النثري بالمسرح على نحو ما نجح أحمد شوقي في أن يربط الأدب الشعري به ) ص 36 – دار نهضة مصر للطبع والنشر.
واحتفاء شيخ النقاد محمد مندور وغيره من النقاد الأكاديميين بتوفيق الحكيم كأول من قدم مسرحية نثرية أدبية فنية مكتملة الأركان في الأدب العربي، كانت البداية الحقيقية للمسرح النثري الأدبي، وأما كتابات الكُتّاب قبله، كانت مجرد محاولات لم تصل بعد إلى مرحلة النضج الفني، وصار توفيق الحكيم هو القريب والمحبب إلى النقاد لأنه التزم بالنظرية الأدبية الدرامية التي صكها " أرسطو " في كتابه " فن الشعر " والتي تعزل النص الأدبي عن الجمهور، باعتباره نصا قائما بذاته، والجمهور عند أرسطو ربما لا يستحق حتى الفرجة، وعُرف توفيق الحكيم هو الآخر بأنه يكتب من برجه العاجي، ورغم أن كُتّاب المسرح في كل أنحاء العالم قد تمردوا على النظرية الأرسطية التي تعزل النص عن العرض، وقد توقف كُتّاب تاريخ المسرح كثيرا عند شكسبير الذي أعلن تمرده منذ بدايات عصر النهضة على النظرية الكلاسيكية التي صكها أرسطو، واعتبر النص جزء من منظومة متكاملة ولا يمكن اغفال الموسيقى والاضاءة والديكور والإخراج والممثلين ... إلخ، وأن النص كُتب ليُعرض، ويكتسب حياة أخرى بعد عرضه، وتمرد على تلك النظرية الكثيرين من بعده مثل بيراندللو، وبرشت، وموليير، وغيرهم، ومن تمرد من كُتابنا المصريين من الأجيال التالية لتوفيق الحكيم لم يأخذوا ما يستحقونه من الدرس الأكاديمي مثل سعد الدين وهبة ونجيب سرور ونعمان عاشور والفريد فرج وغيرهم!.
وأنا لا أسعى هنا للحديث عن تاريخ المسرح وتطوره، ولكني أريد أن أؤكد على وجود مدارس جديدة كثيرة ومتنوعة ظهرت في أنحاء العالم كله، أثرت فن المسرح بعيدا عن النظرية الأرسطية التي عششت في أمخاخ النقاد الأكاديميين المصريين والعرب، ولم تزل تقف عثر حجرة في طريق المبدعين المسرحيين من المصريين والعرب، ومنهم حزين عمر الذي كتب نص مسرحية " حريم البهلوان " وتم انتاجها من خلال مسرح الغد ( البيت الفني للمسرح )، من إخراج حمدي أبو العلا، وبطولة : د. عادل هاشم، ومحيي الدين عبدالمحسن، ومعتز السويفي، وعبير عادل، وبدور، وعزة الحسيني، وأمينة سالم، ولم تنل ما تستحقه من الدرس والنقد والتحليل.
والنص بالتأكيد قد اكتسب بعد عرضه حياة أخرى جديدة، ومتجددة، فكل يوم يتم عرضة يكتسب فيه حياة أخرى، وسار الكاتب على نهج شكسبير الذي كان لا يهتم بنشر أعماله قدر اهتمامه بعرضها على خشبة المسرح، ومعظم أعمال شكسبير نُشرت بعد عرضها وربما نُشرت أغلبها بعد وفاته، ومسرحية " حريم البهلوان " نُشرت هي الأخرى بعد عرضها في كتاب عن الهيئة المصرية العامة للكتاب – سلسلة الإبداع المسرحي – العدد رقم ( 51 ) عام 2021م.
وقبل مقاربة المسرحية نقديا، نُعرف في عجالة سيرة ومسيرة الكاتب الإبداعية.
السيرة الإبداعية :
فهذه هي المسرحية الرابعة لحزين عمر، فصدر له من قبل : بنات للبيع ( الهيئة المصرية العامة للكتاب 2002م )، أبطال قهوة جداليا ( الهيئة المصرية العامة للكتاب 2005م )، وسارة وأخواتها ( الهيئة العامة لقصور الثقافة – 2005 م ).
وعُرف حزين عمر شاعرا كبيرا، صدر له ستة دواوين شعرية : فصل من التاريخ الخاص، الميلاد غدا، مذكرات فلاح، وهج، أنت رائحة الغناء، حالات البنت المجنونة.
ونشر أيضا ملحمة شعرية بعنوان : اليوم العاشر، كما نشر سيرة شعرية بعنوان : المطرود منك آب إليك، وضرب بسهم ناجز وناجع عندما أصدر أول رواية شعرية بعنوان : آخر أخبار الجنة، وفي فن السيرة كتب ( الأغا .. سيرة ذاتية محرفة ) في عدة أجزاء وصدر منها الجزء الأول، وله أكثر من تسعة كُتب في الدراسات الأدبية والفكرية: مع الضاحكين، ديوان القاهرة، المغترب .. غالي شكري، حديث النساء، قُراء القرآن ونوادرهم، حسن نصر الله، الحرية في الإسلام، ملوك الضحك وحرافيش السخرية، أزمة وطن .. تجريف الإنسان.
وعمل حزين عمر ابن محافظة الفيوم، وهو طالب بكلية الألسن بالصحافة المصرية، وتعين عقب تخرجه بدار التحرير للطبع والنشر التي تُصدر جريدتي الجمهورية والمساء، واختار الصحافة الثقافية، وحقق فيها نجاحات كبيرة، وأسس جماعة الجيل الجديد، وصالون المساء الأدبي، وقدم عشرات الأسماء الواعدة، واحتضن شباب الأدباء الذين يبدعون في صمت يائس وحزين وخاصة الذين يعيشون في أقاليم مصر، بعيدا عن شللية النشر وغطرسة الاحتكار في القاهرة، من أسوان الدافئة السمراء إلى الإسكندرية عروس البحر، ومن مرسى مطروح إلى دمياط وبور سعيد، مرورا بكل أقاليم مصر، وله مواقف وطنية مشرقة ومشرفة ونبيلة، ووقفاته الجريئة ضد الفاسدين والمفسدين في حياتنا الثقافية والسياسية تحتاج إلى مجلدات ومجلدات.
وأزعم بعد هذه التقدمة أن حزين عمر أكثر من ظُلم نقديا، قياسا على جودة إبداعه، وقياسا على كثرة إنتاجه الأدبي والنقدي والفكري وتنوعه، ومحاولته الجادة والمخلصة أن يبدع وينتج ويجدد في بعض المجالات التي يرى أن بها شحا وضحالة وفقرا في منتجنا العربي الفكري والأدبي والنقدي، ولعل من السخف أن نجد بعض المتشاعرين والمتشاعرات والمتأدبين والمتأدبات، يتم دراسة إبداعاتهم الهزيلة في الجامعات المصرية، في رسائل الماجستير والدكتوراه، وتقيم لهم بعض المؤسسات الثقافية، الرسمية والخاصة، الندوات والمؤتمرات، ويتم تسويقهم وتسويق منتجهم على أنه المنتج " النموذج " و " المثال "، وهذا من أخطر أنواع الفساد، الذي استشرى في المجتمع المصري، وكأن ثمة محاولات مستميتة لضرب القوى الناعمة لهذا البلد، بإعتبارها دولة عظمى ثقافيا وحضاريا، وعلى آية حال نشكر الكاتبين نبيل أبو السعود والدكتور عبدالقادر الهواري اللذين اعدا كتابا عن حزين عمر تحت عنوان : ( حزين عمر بين العشق والتصوف والوطنية )، وتحت عنوان آخر ( حزين عمر .. ثلاثة عقود من التواصل والإبداع ) أعدا عبدالقادر الهواري ومحمد زهران كتابا آخر.
...................................
( 1 )
جاء في المعجم الوسيط أن البهلوان هو البارع في المشي على الحبال، والكلمة مُعربة وأصلها فارسي، والبهلوان يقدم ألعابا غريبة، مثل الرقص والمشي على الحبال والدوائر ببراعة فائقة، ويستطيع أن يدهش الناس بوسائله الغريبة والطريفة، ويُبقي نفسه متوازنا في كل الألعاب.
وأما كلمة " حريم " كما جاءت في معاجم اللغة، ومنها المعجم الوسيط: الحريم : ما حُرم فلا يُنتهك، والحرمة تأتي أحيانا بمعنى المرأة، والحرمة حرم الرجل وأهله، وتأتي أيضا بمعنى المهابة، وتأخذ معنى المكان، ومكان حريم أي مقدس ويُحرم انتهاكه، ودخلت النساء للحريم : أي موضع إقامة النساء في قصور الملوك والأمراء.
وإذا كان العنوان عتبة النص كما يقول السيميائيين، فهل لهؤلاء الحريم حرمة لدي البهلوان؟ وما دلالة الأسماء التي اختارها الكاتب ووردت بالنص، إن منظري ونقاد السيميائية يعنون ويهتمون بالأسماء ودلالتها، فالاسم عندهم قد يُدخل المتلقي / المتفرج إلى عالم الكاتب وقد يمد اسم الشخصية المتلقي ببعض المعلومات عن الشخصية، ومن قراءة النص نستطيع أن نتخيل الأثر الذي تتركه مثل هذه الكلمات على المتلقي / المتفرج : ثورة يوليو 1952م، الضباط الأحرار، ماركس .. إلخ، ودلالة هذه الكلمات وغيرها، وما تشير إليه.
وثمة أسماء تشير إلى المكانة الاجتماعية، فأسماء الطبقة الارستقراطية تختلف عن أسماء الطبقة الدنيا، فماتيوس باشا وهو يستعرض أسماء المدعوون في حفل عيد ميلاد ابنته، يستنكر دعوتها لبعض أسماء تدل على مكانتهم الاجتماعية الوضيعة، ويدعم اختياراتها لبعض الأسماء التي تشي بأن أصحابها ينتمون للطبقة الراقية، ويمتدحها ويغبطها على حُسن اختيارها، إذا كانت هناك أسماء تشير إلى المكانة الاجتماعية، فهناك أسماء أيضا تشير إلى السمات الشخصية، والأسماء قد تتغير من عصر إلى عصر، فالأسماء قبل ثورة يوليواختلفت عن الأسماء بعدها، ففي زمن الانفتاح مثلا نجد أسماء أولاد الباشوات الجُدد ( خلوصي ) : ( أبويا مخلص جمركي .. واسمي خلوصي ).
ونتساءل من البداية : هل ثمة علاقة بين الاسم والشخصية؟، وهل فعلا كل لديه من اسمه نصيب؟ ولماذا أوصانا رسولنا الكريم أن نُحسن أسماء أولادنا؟ وما سر التناقض الذي يجمع بين بعض الأسماء التي وردت بالنص، وما هذا التناقض العجيب في تركيبة اسم مثل " أنور البهلوان " وغيره من الأسماء التي وردت بالنص؟.
" أنور البهلوان " يمثل اليسار المصري في المسرحية ، ويرقص ويمشي على كل الحبال، ولا حُرمة للمرأة لديه، فهن من أهم أدواته، ويعرف كيف يتسلل إليهن ليحقق أغراضه النفعية، ويستثمر هذا البهلوان مقولات اليسار التقدمية لصالحه هو، ويتاجر بها مثل : الطبقة العاملة، وقوى الشعب، وصراع الطبقات .....إلخ.
ومن خلال هذه المقولات التقدمية يجتذب بنات البشوات اللاتي يعشن في ترف ورغد من العيش، مثل " فيفي " التي تأسرها هذه الشعارات، وتمول الجريدة التي يصدرها حزب ( اليسار الصاعد ) الذي يتراسه أنور البهلوان، ومن لاتنخدع بهذه المقولات، يتسلل إليها باسم الحب، والحب عنده يمثل الجنس، وصار هو رمزا دالا عنده على الفحولة، ويشهد على فحولته نساء " نادي القمر "!!
تقول فيفي : ( هو أنا كان إيه ناقصني؟
مال وجمال ونفوذ ودلال .. ورغم ده كله فضل أنور البهلوان يخدعني ويضحك علىّ ويوهمني بحبه، زي ما كان بيوهمني بأفكاره الإشتراكية وأنا أدفع وهو يقبض، أدفع وهو يقبض، أخلع وهو يي.. قصدي أخلع نفسي من طبقتي الأرستقراطية وهو يلم الفلوس والنفوذ ) ص 12
وفي بوح نساء ( نادي القمر ) لبعضهن، نكتشف خسته ونذالته، وانتهازيته، والوصول إليهن، أما عن طريق شعارات اليسار البراقة والخادعة لأبناء هذه الطبقة التي تعاني من الخواء الثقافي والفكري، أو عن طريق جرهن والإيقاع بهن في بحور اللذة فيغرقن فيها، وينتشين بها، وفي السر وفي العلن يُعلنّ عن فحولته التي حباه الله بها :
( سوسو : يا عين أمك يا ناني، فعلا عنست، أقصد عشت راهبة في محراب العشق.
فيفي : عشق! عشق إيه اللي بتقولي عليه .. قولي إنها عاشت غرقانة في بحر اللذة.
ناني : أنا ما عشقتوش، كل اللي بينا كان التزام حزبي بحتمية الحل الاشتراكي .. أنا – وأعوذ بالله من قولة أنا – تجوزت قضية التقدم ونصرة قوى الشعب العاملة ضد رجعية الملك والتيارات الفاسدة اللي كانت بتسانده ) ص ص :17 – 18
وربما أراد أن يقول الكاتب بأن هذا هو حال المرأة ووضعها ومكانتها عند انتهازي ومُستغل، حتى لو كان يمثل اليسار.
ومواقفه التي تدل على انتهازيته كثيرة، نذكر منها :
( البهلوان :
دا عبء .. عبء كبير .. لازم جريدة اليسار الصاعد تصدر في موعدها .. رغم أن إمدادات الرفاق ما وصلتش من موسكو من حوالي شهر .. ليه أدفع أنا من جيبي؟! دي شغلانة خسرانة! ولحد امتى هافضل في حالة التقشف دي .. دا حتى أنا بعد العزبة الأخيرة اللي اشتريتها في الفيوم ما اشتريتش غير عشر فدادين. ) ص 45
ويعري الكاتب أنور البهلوان تماما، من خلال هذه الأغنية التي يغنيها البهلوان، بعد أن أوقع ببنت الباشا في شباكه :
( وقعت فيفي في المصيدة
عصفورة حلوة مأطأطة
بنت البهوات، بنت الباشوات
ووراها ثروة متلتلة
قول كنز كبير .. قول لؤلؤة
هاتخلي أيامي هنا
وليالي بيضة مظأططة!
بنت الباشوات دخلت عبي
من عند أبوها ياما نعبي
أطيان .. عمارات .. والمتخبي
في بنوك الدنيا ما تحسبشي
بنت الباشوات .. بنت الباشوات
هانعيش في تبات .. هانعيش في نبات
من غير ما نخلف ونربي! ) ص 4
.....................
( 2 )
يبدأ حزين عمر بإدهاش المتلقي / المتفرج، بتقسيمه المسرح إلى مستويين :
المستوى الأعلى : ما قبل ثورة يوليو 1952م.
المستوى الثاني : الوقت الحاضر.
لماذا اختار ثورة يوليو كخط فاصل بين زمنين؟. ربما لأنها نقطة تحول في حياة المجتمع المصري؟ فحولته مائة وثمانون درجة، من نظام إقطاعي رأسمالي إلى نظام اشتراكي.
وما العلاقة بين الزمنين – زمن ما قبل ثورة يوليو 1952م والوقت الحاضر؟
العلاقة ببساطة أن الرأسمالية قد عادت لتُطل من جديد بوجه أكثر بشاعة وأكثر وحشية وأكثر قتامة مما كانت عليه قبل ثورة يوليو.
وهل نجحت ثورتيّ المصريين في يناير 2011م و30 يونيو 2014م في ضبط المعادلة التي اختل توازنها؟.
يحاول الكاتب أن يقارب بين زمنين، وهما على وجه التقريب زمن الأربعينات من القرن الماضي والذي ينتهي بحريق القاهرة، وزمن ما بعد ثورتي المصريين في يناير ويونيو، وبذلك يكون قد اختار بذكاء وبوعي شديدين العشر سنوات ما قبل ثورة يوليو ليضعها في مواجهة ومقابلة مع العشر سنوات التي تلت ثورة يناير، ولا نستطيع أن نقول بأن الفترة الزمنية من 1952م حتى يناير 2011م مسكوت عنها، ولكنها حاضرة وبقوة من خلال حوارات الشخصيات، أو من خلال الصراع أو انتقاء بعض المواقف ذات الإشارات القوية والدالة على الانحراف الخطير عن ثورة يوليو والذي تمثل في قرارين خطرين، وهما :
1 – قرار الصلح مع العدو الصهيوني.
2 – قرار الانفتاح الاقتصادي المتعجل وغير المدروس، انفتاح ( السداح مداح ) بتعبير الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين.
وربما لم يذكر هذين القرارين صراحة، ولكنه آثر أن يرينا الآثار المقيتة والمدمرة التي ترتبت عليهما، والتي أوصلتنا في النهاية إلى هذا الحال المزري، الذي أدى في النهاية إلى ثورتين، ولم يحققا بعد الشعارات التي طالب بها الثوار.
( شاب 1 : ثورة يوليو إيه اللي بتقولوا عليها يا جداتنا! إحنا ما نعرفش عنها حاجة.
شاب 2 : يا أخي تعرف .. انت ما قراتش في كتاب التاريخ في المدرسة عن الظباط المنضبطين .. قصدي الوطنيين؟!
شاب 1 : تقصد الأحرار.
شاب 2 : أيوا .. هما دول.
فتاة 1 : دول كلهم ماتوا .. ومات كمان الباشوات اللي بيتكلموا عنهم ) ص 107
وموت ثورة يوليو هنا، معناه الفشل في تحقيق أهدافها التي قامت من أجلها، بالانحراف عن مبادئها، وإعادة الباشوات / الرأسمالية من جديد، ولكن هذه المرة بوجه اكثر بشاعة وأكثر وحشية مما كانت عليه :
( شاب 1 : آه .. نسيت أعرفكم بينا .. احنا دلوقتي الباشوات والبهوات .. فأنا مثلا أبويا مخلص جمركي، واسمي أحمد متولي خلوصي )
وهنا اسقاط على زمن الانفتاح الذي أعاد لنا الباشوات والبهوات الجُدد الذين تاجروا في المستورد والمغشوش والمضروب والسلع الاستهلاكية والقضاء على الصناعة الوطنية التي أقامتها ثورة يوليو، وظهور طبقة جديدة من رجال نهب المال، تاجروا في الخردة والعملة واستيراد الملابس الحريمي.
وبالنص إشارات كثيرة إلى الملك وإلى ضرورة نسيان " فلسطين "! فلسطين التي كانت أهم الشرارات التي أطلقت ثورة يوليو، ومن ثم كان لابد من التحايل والالتفاف على الثورة للقضاء على أهدافها وتفريغها من محتواها، وتم تفريغها تماما بقراري الصلح مع الصهاينة المحتلين لفلسطين، والانفتاح غير المدروس، والكاتب لا يغفل في نصه الإشارات إلى القوى الخارجية، التي ترفض قيام هذه البلاد، ونهوضها، فتمتد آياديها غير البريئة إلى العبث بمقدراتها وبناسها من خلال غزو فكري وثقافي ومحاولة إحلال أفكار وأيدولوجيات جديدة وغريبة عن ناس تلك البلاد، ومحاولة تغريبهم وتشظيهم وتشرذمهم، محاولتهم ضرب وطمس الهُوية، وقد تحقق للأسف لهم ما أرادوا!.
...............................
( 3 )
الصراح في المسرحية، يأتي بين أفكار وأيدولوجيات، بين الفكر اليساري والذي يمثله ( أنور البهلوان ) رئيس حزب ( اليسار الصاعد ) والفكر الديني الرجعي الذي يمثله ( مأمون الغريب ) رئيس حزب الهداية، والنظرة إلى المرأة ووضعها ومكانتها عند حزب الهداية تكاد تنحصر أيضا في جسدها وأنها وعاء للجنس، وماخُلقت إلا للمتعة والإنجاب، وضرورة حبسها خلف النقاب وفي البيت.
ومن حوار فيفي مع الشيخ مأمون الغريب :
( فيفي : كل اللف والدوران بتاعك ده علشان تدخلها الحظيرة .. الأول تلبس الحجاب، ولو أمكن بعد كده تلبس النقاب .. وترتفع عندك درجة الهداية لحد ما تدخلها عش الزوجية.
مأمون : ما أحلاه من عش!.
فيفي : ما هيّ في النهاية بتلاقي نفسها في عش دبابير مش عش زوجية .. قدامها تلات زوجات على ذمتك و ( 15 ) زوجة مطلقين! ) ص 36
وفي القاعة الفخمة بقصر " ماتيوس " باشا، لا يخفي الشيخ مأمون حقده على البهلوان الذي يراقص فتاتين جميلتين معا!.
وفي لقطة دالة ومعبرة، تُسلط الأضواء على الشيخ مأمون :
( وقد ارتدى عباءته فوق بذلته .. وضم بداخلها " دوللي " التي يبدو رأسها مُطلا من العباءة، وينسحب مأمون خارجا بها ) ص 44
وبعيدا عن وضع ومكانة المرأة في حزب الهداية، فجريدة ( اليسار الصاعد ) عندهم هي لسان حال الملاحدة والكفار، فالمدعو أنور البهلوان يهاجم الدين وأهله تحت مسمى السلفية والتخلف والرجعية والإرهاب، فضلا عن صدور الجريدة وهي مليئة بصور لنساء عاريات وتنحاز الجريدة إلى بنات الليل وتدعوهم إلى ضرورة الانتظام في توقيع الكشف الطبي عليهن قبل ممارسة مهنتهن، فهي تدعو إلى الرذيلة والفسق والفجور، وحزب الهداية يكاد يمثل أخطر جماعة ظهرت في عشرينات القرن الماضي، عقب سقوط دولة الخلافة في تركيا، وتتخذ الدين سبيلا للوصول إلى سدة الحكم، وإعادة دولة الخلافة من جديد، فهم يعلنون الكثير من الشعارات البراقة :
( دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية وفكرة اجتماعية )
ومن شعاراتهم التي رفعوها أيضا:
( الله غايتنا، والرسول قدوتنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا. ) ..
وقالوا :
( الإسلام عقيدة وعبادة، ووطن وجنسية، وروحانية وعمل، ومصحف وسيف. )
وهدف الجماعة كما يدعون : اصلاح سياسي واقتصادي واجتماعي شامل من منظور إسلامي، وفي سبيل تحقيق هذا الإصلاح تسعى الجماعة إلى تكوين الفرد المسلم، والأسرة المسلمة، والمجتمع المسلم ثم الحكومة الإسلامية فالدولة فأستاذية العالم وفقا للأسس الحضارية الإسلامية.
والكاتب يرى أن هذه الشعارات مثل الشعارات البراقة التي يرفعها اليسار، وحتى لا تكون خطب منبرية زاعقة، نراها تتسلل إلى القارئ / المتفرج بيسر ونعومة وبعيدا عن المباشرة الفجة، من خلال حوارات مأمون الغريب مع أتباعه، ويوقفنا على أفكار الجماعة ويهتم أكثر برصد سلوكيات المنتمين إليها، من خلال أفعالهم، وممارسة الحياة، ومنها:
1 – السمع والطاعة :
ويرى مأمون الغريب أن الملحد والكافر أنور البهلوان، يعطلهم بجريدته عن تحقيق الهدف، فيصدر الأمر بحرق المطبعة :
( مأمون : فلنحرق مطبعة الكفرة، ولنتهم الشرطة فيها .. فيهاجم البهلوان الشرطة .. وسيشكو وزير الداخلية للملك هجوم البهلوان عليهم .. فتفسد العلاقة بين الملك والبهلوان ..
الجميع : سمعنا وأطعنا ) ص 62
2 – استخدام التقية، والقدرة على المناورة والخداع
فعن علاقتهم بالملك يقول مأمون الغريب لأتباعه:
( معه .. وعليه .. نصالحه ونعارضه ..
ونحل مشاكلنا معاه، ونعمل مراجعات ظاهرية إذا اقتضى الأمر .. ) ص 61
ويواصل حديثه لأتباعه :
( لحد ما نقدر إن شاء الله .. )
فهم يعدون أنفسهم للحظة ( التمكين ) اللحظة التي يتمكنون فيها من الحكم.
( يا أولادي ..
لسه ربنا ما أردش ..
لم يأت وقت التمكين بعد ..
قدامنا دلوقت من المهام ما هو أكبر وأخطر ..
قدامنا إنقاذ الأرض من الفساد والمفسدين
وإقامة دولتنا على صحيح الدين ).
3 – الإشارة إلى التنظيم السري وممارسة القتل والحرق ( حرق مطبعة جريدة اليسار الصاعد )
عن مهاجمة البهلوان لهم :
( تابع 1 : يامولانا – بارك الله فيك – ألا يحل دمه بسبب مقولة من المقولات دي؟
مأمون : يحل .. يحل .. لكن ما جاش وقت العقاب .. ) ص 60
( تابع 1 : لو عايز نقتله .. قتلناه .. ولو عايز تاسره .. أسرناه .. ولو عايز تخرسه أخرسناه .. ) ص
وعندما يأتي الشيخ مأمون خبر القبض على من نفذ الأمر بحرق المطبعة، يصرخ في أتباعه بسرعة قتله قبل أن يقر ويعترف عليهم!.
4 – توظيف الدين لخدمة أغراضهم ولتحقيق أهدافهم ولي عنق النصوص القرآنية لها ما يبررها عندهم، فعندهم " الغاية تبرر الوسيلة " كما عند ( ماركس ).
وتأتي لقطة الذقون المستعارة لقطة بديعة وذات دلالة عميقة وكاشفة عن استخدام تلك الجماعة الدين كقناع : ( اخلع ذقنك ) استرح!.
لحظة اكتشاف فارقة من القارئ / المتفرج لهذه الجماعة التي تصك الشعارات الكبرى باسم الدين وهم أبعد ما يكونون عن الدين، وبالتأكيد صورة هؤلاء بعد خلع الذقن اختلفت عنها قبل الخلع مائة وثمانون درجة! لقطة بارعة ستظل تخايل القارئ / المتفرج وتناوشه في صحوه ومنامه، ويبدأ في محاكمة هذه الجماعة وكم سيأسف لخداعها له ولغيره بهذه الشعارات التي تُصك ببراعة، وتبدو الشعارات في واد والممارسة والسلوك في واد آخر!
.................................................. .............

( 4 )
يحاول الكاتب أن يثري نصه المسرحي برؤى جديدة من الواقعية السحرية، ففي استهلاله للموقف الأول، نرى حركة تمرد الكراسي في قصر " ماتيوس باشا اشيكيان "! فمسعود الخادم كلما وضع كرسيا في مكانه، نجده يتحرك فور أن يتركه، ويكرر مسعود ترتيب الكراسي عدة مرات وهي متمردة عليه، ونتابع رد فعل مسعود نحو الكراسي المتمردة :
( مسعود :
زربونة .. مجنونة
مجنونة .. زربونة
ما تكن ف أماكنها
وكأنك طراطير
وتطير وتحط ... مكان ما تحط
وأرص الكرسي .. ينط ينط
عفاريت أو جن .. من غير ما تكن
زربونة .. مجنونة
وكأن كراسي ماتيوس ياشا
تعرف أن الليلة سهرة
سهرة طويلة .. وفيها الناس أشكال وألوان
من باشا وعمدة وبك
وصحفي ورقاص
وحتى كمنجاتي وسياسي
منهم ياما قاسيت
وبأقاسي
ولا حاسين بي ولا بناسي ) ص ص : 23 - 24
وكلمات مسعود الموقعة تلك، اختزلت عبر رمزيتها بعض ألوان الصراع وأسبابه، وكشفت ولو من طرف خفي عن أسباب تمرد الكراسي، فالكراسي تضيق ذرعا بضيوف " ماتيوس " باشا، وكأنها لا تريد لهم أن يجلسوا عليها، فتعلن عن تمردها.
ويعلن مسعود في أغنيته عن رأيه في " ماتيوس " باشا وضيوفه، فكم يعاني منهم ومن أفعالهم المزرية.
ومسعود وأمثاله من الفقراء في رأي " ماتيوس " باشا :
( أنتو الرعية والسفلة والدهماء كده .. دايما تحقدوا على أولياء نعمتكم ) ص 25
وكأنهم ما خُلقوا إلا لخدمة هؤلاء الباشوات، وتنفيذ ما يطلبونه منهم بدون اعتراض أو تذمر، حتى " العطس " ينكرونه عليهم.
( ماتيوس :
انت بتعطس قدامي ؟!
يا ملعون لما تحب تعطس اعطس لجوه مش لبره ..لأ .. لأ .. ولا حتى لجوه .. انت تسكت خالص .. تسمع بس .. تشتغل بس ) ص 27
ويقدم لنا الكاتب من مشاهده الأولى الشخصيات ونحاول أن نتلمس طريقها ونتعرف أفكارها :
1 – مسعود وناتلي يمثلان الطبقة الفقيرة الكادحة، ومسعود من أهالي النوبة وناتلي كما يبدو من اسمها ولكنتها من أصول يونانية، وكان لهما دورا موضوعيا وفنيا مهما في المسرحية، وحركتهما على خشبة المسرح في معظم المشاهد موظفة توظيفا فنيا رائعا، ونجح البهلوان في تجنيدهما في قصر ماتيوس باشا لينقلا له أخبار ماتيوس والأثرياء الأرمن والأجانب والمصريين الذين يتوافدون على القصر للاستمتاع بالرقص والغناء التي تقدمه بمبه ابنته وفرقتها، وكان لمسعود دوره في توزيع المنشورات والتجسس أيضا على حزب الهداية من خلال تردده على مسجدهم بداعي الصلاة.
2 – أنور البهلوان يمثل التيار اليساري، حزب ( اليسار الصاعد ).
3 – مأمون الغريب يمثل التيار الإسلامي ( حزب الهداية ).
4 – نساء سيدات ( نادي القمر ) وهن :
= داليا حسين عرقوب ( دوللي ) وهي من عامة الشعب، مدرسة، تقربت من أنور البهلوان، ولما فشلت بالظفر بقلبه، فتحولت مائة وثمانون درجة إلى الشيخ مأمون، وتزوجته، وصارت زوجة بدلا من رفيقة!، وعُرفت بالشيخة " دولي " وأصبحت ثورة يوليو في رأيها انقلابا!.
= نادية عبدالستار حسين ( ناني )، محامية، عشقت أنور البهلوان، وعلى استعداد لفعل أي شيء من أجل ارضائه، والظفر به، فتقول له عقب حريق المطبعة :
( .. أنا معاك في كل الحلول .. ها جمع لك تبرعات لشراء مطبعة جديدة .. ها بيع مكتب المحاماه بتاعي .. ها بيع حتى ذهبي وملابسي .. ولو اقتضى الأمر أفعد قدام السيدة والحسين أشحت لك اللي أنت تحتاجه من المال! ) ص 70
= سوسن محمود عبدالجواد ( سوسو ) بنت عمدة أوسيم، صحفية وطنية، انحازت لثورة يوليو، وتزجت الصحفي الوطني منصور شوقي، ودافعت معه عن قضايا الوطن الحقيقية، بعيدا عن اليمين وبعيدا عن اليسار.
= فوقية عباس باشا إسماعيل ( فيفي )، أصدرت مجلة " فتيات النيل " وقامت بعمل حملات لجمع التبرعات لتوفير الأحذية لعامة الشعب من الحفاة، وعشقت البهلوان وأغرقها مثل غيرها من سيدات " نادي القمر " في بحور اللذة :
( ناني : فيفي هي اللي ذكرتنا بالماضي .. واتهمتني ظلما بعشق أنور البهلوان .. وكأنها هي نفسها ما كانتش عشيقة له .. وبتموت فيه.
دولي : حرام عليك يا نادية .. فيفي كانت إمرأة محصنة .. كانت متزوجة.
ناني : فعلا كانت متزوجة، لكن مش راجل .. كان مجرد دلدول، تابع من أتباع أنور البهلوان .. حطينه ستارة يغطي على ... ) ص ص ك 18 - 19
= بمبه ماتيوس بنت ماتيوس باشا وهي مهتمة بالفن وخاصة الغناء والرقص، وكونت فرقة فنية، وفرقتها قاصرة على الطبقة الارستقراطية، حصلت على الشهادة المتوسطة، وتعلمت مع لغتها الأرمينية الفرنسية والألمانية والإيطالية.
5- منصور شوقي صحفي محايد وغير منتم لليمين ولا اليسار، ويمثل حزب ( المستقلين ) وهو حزب الأغلبية من المصريين، ومعه محمود عبدالجواد عمدة أوسيم.
( منصور شوقي : الحزب اللي باقصده هو حزب الصامدين من آلاف السنين في عز الشمس والبرد علشان يبنوا لنا حياتنا ويخلدوا وطنا ) ص 35
6 – ماتيوس باشا من أصل أرمني ويمثل الرأسمالية النفعية.
ومن مصلحة ماتيوس باشا ممثل الراسمالية، إحداث التوازن بين التيار اليساري والتيار الديني، والحرص على عدم تمكين تيار على حساب الآخر، فلو طغى التيار اليساري مثلا على التيار الديني واستفحل أمره لابتلع التيار الديني ومعه التيار الرأسمالي، والعكس صحيح أيضا، ولذا كان حريصا على ابقاء الوضع تحت سيطرته، ويظل هو القاسم المشترك الأعظم بين التيارين ومعهما ايضا تيار المستقلين، وإذا رأى كفة تيار ترجح على كفة تيار آخر، بادر بدعمه ماديا ومعنويا، ليعيد الأمور إلى نصابها.
ولأن اليسار على عكس التيار الديني يعاني من الشح المالي، فكان يدعمه ماديا باستمرار، ليظل واقفا على قدميه، صلبا في مواجهة التيار الديني :
البهلوان لماتيوس باشا :
( أنا عمري ما أنسى دعمك لإصدار جريدتنا وتغطية بعض النفقات الحزيبة .. ) ص 48
ويعرف البهلوان حاجة ماتيوس إليه، ليقف في وجه التيار الديني، فيقوم بابتزازه :
( .. وبالمناسبة يا باشا .. ياريت تبعت لنا إعلان بحجم صفحة عن مصانع الغزل بتاعتك .. والافضل إنكم تبعتوا تمنه بمجرد نشره الأسبوع ده .. أنت عارف الأعباء المُلقاة على عاتقنا .. ) ص 48
والسبب الرئيس لتمويل الباشا لحزب اليسار :
( بمبه : .. باحمل لك رسالة من بابي .. بأنه مش هيسيبك وحدك في أزمتك ) ص 71 تقصد أزمة إحراق المطبعة، وتضيف :
( لأنك لما تعيد إصدار جريدتك هتتصدى للناس الحقدة اللي بيهاجموا نفوذنا كأرمن ومصريين برضه في المصالح الحكومية، وخاصة الجمارك والبنوك والتجارة والصناعة مش كده والا إيه يا أستاذ أنور؟ ) ص 71
.........
وهنا نتكشف أن الصراع على أشده بين التيار اليساري والتيار الديني وكل منهما يريد أن ينفي الآخر، فاليسار في نظر حزب الهداية هو حزب الفسق والفجور، حزب الملاحدة والكفار، وحزب الهداية في نظر اليسار هو حزب الرجعية والتخلف ويشد البلاد والعباد إلى الخلف.
ويتصارعان أيضا على جذب المستقلين :
( سوسو : أنا ها سلم على الأستاذ منصور شوقي .. دا كاتبي المفضل .. لا يمين ولا يسار .. هو مع الناس وبس.
مأمون : لازم يكون مع الله .. مش مع الناس وخلاص.
أنور البهلوان : لأ .. مع التقدم والاشتراكية وقوى الشعب العاملة ) ص 22
وعن سؤال خطير ومهم تسأله ( سوسو ) لمنصور، وبالتأكيد كان القارئ يسأله لنفسه، فتسأله سوسو عن سبب عدم انضمامه إلى حزب ( اليسار الصاعد ) وهو أقرب إليه؟
( منصور : .. أنا عارف مثالية حزب اليسار الصاعد، والبُعد الإنساني اللي قامت عليه مبادئه .. وفيه من أعضائه نماذج وطنية حقيقية، دفعت ثمن كبير دفاعا عن الشعب وحقوقه وتقدمه .. لكن .. لكن البهلوان مش من الناس دول.
سوسو : هو زعيم الحزب.
منصور : لكن مش أفضل أعضائه .. وظاهره غير باطنه وأنا إن كنت باعتبر نفسي رجل تقدمي فده أمر طبيعي .. لأن كل مثقف تقدمي بالفكرة والانتماء .. لكن ده ما يعنيش ضرورة عضويته في حزب من الأحزاب .. إنما البهلوان أخذ من اسمه كل شيء ) ص 40
ولذلك جاء البهلوان كحالة استثنائية، ويجب ألا يُقاس عليه.
وثمة مشكلة أخرى وهي أن البهلوان اختار اليسار الماركسي، ومن الصعب نقله إلى البيئة المصرية كما هو في موسكو مثلا، وقد تكون هذه واحدة من الرسائل المهمة التي أرادت أن تنقلها المسرحية للمتلقي.
(البهلوان : شفت يارفيق ماركس؟! شفت؟! رموز التقدم بيعطلهم الأعداء في كل مكان .. مقالاتنا النارية مش هتعرف بعد كده طريقها للشعب، مش هانقدر نخاطب الرفاق في مصر وخارجها .. مين؟! ..مين اللي ورا الجريمة دي؟! الملك؟! طب ليه .. ده احنا بنحاول نكسب وده رغم رجعيته وعلاقته مع المحتل الإنجليزي؟! رجال البوليس؟! يمكن! حرصنا على إبراز حوادث الاعتصام والاضراب والاحتجاجات في المحلة الكبرى وشبرا الخيمة وقمع البوليس ليها .. لكن العنوان ده بيطعن في كفاءة البوليس ومصداقيته ..ولو كانوا عايزين يصادروا المطبعة كانوا صادروها مش حرقوها .. الأكيد أن الملك والبوليس والحكومة أعداء مؤقتون .. ممكن يتغيروا أو يغيروا أفكارهم .. لكن العدو الأيدولوجي والتاريخي والدائم لنا هو حزب الهداية .. ممكن يكون هو اللي عملها؟! ولوكانوا هما المجرمين ده مايعطيناش الحق في المعاملة بالمثل؟ّ! لكن هما ما عندهمش مطابع نحرقها .. عندهم مكاتب : سرية وعلنية، يارفيقي أنا في أزمة .. في حيرة .. إيه الحل؟! .. إيه الحل؟! .. ) ص ص : 67 – 68
عودة إلى العنوان :
هل أنور البهلوان رئيس حزب ( اليسار الصاعد ) هو فقط من أخذ من اسمه نصيب، إن ( البهلوانية ) السياسية من أخطر الممارسات التي يمارسها أمثال أنور البهلوان، وهي درجات ونسب، وعلى نفس الدرجة وبنفس النسبة يمارس مأمون غريب رئيس حزب الهداية ( البهلوانية ) و" ماتيوس باشا " ممثل الرأسمالية النفعية لا يقل ( بهلوانية ) عنهما، فالعنوان يلقي بظلاله على الشخصيات وعلى الأحداث وكل عناصر المسرحية.
..............................
( 5 )
عبر ست مواقف ومشهدي الافتتاح والختام قدم لنا الكاتب في كوميديا سوداء الصراع العنيف بين الفكر اليساري والفكر الديني، وفي الخلفية كانت الراسمالية هي التي تغذي هذا الصراع وتأججه لصالحها، ومن بعيد يظهر الملك والمحتل وفي كل المشاهد كان الحضور الطاغي لسيدات ( نادي القمر ) والحضور أيضا لمسعود وناتلي، والحضور المميز لممثل الأغلبية، فهو لا إلى اليمين ولا إلى اليسار، ممثل الصحافة الوطنية، والمنحاز إلى الأغلبية وإلى الوطن وهو الصحفي منصور شوقي، وهو أيضا نموذج للمثقف، ولكنه المثقف العضوي الفاعل الذي يختلف عن د. سخالين.
وفي حفل زفاف منصور شوقي وسوسن ( سوسو ) نكتشف :
1 – الصحفيين الأجراء المخبرين، فكل همهم كتابة التقارير عن المعارضين.
يكتبون في تقريرهم بأنهم طلبوا من منصور أن يعلق صورة الملك على رأسه ورأس عروسه فرفض وقال يطلع مين الملك ده؟
2 – توارد الهدايا على العروسين من ماتيوس باشا وغيره.
3 – محاولة استقطابه من قبل حزب الهداية :
( مأمون : أنا لسه ما كملتش المفاجأة .. لقد قررنا بعون الله – تعيين منصور شوقي رئيسا للتحرير ( يتجه إليه ) وده هو العقد اللي هيبقى بينا .. حط فيه أي أجر عايز تاخده .. وليك الحرية الكاملة فيما تكتبه ) ص ص : 84 - 85
إذن هي محاولة لشرائه.
ورد فعل البهلوان :
( البهلوان : " محتدا " دي مساومات مكشوفة .. عايزين يشتروك يا منصور .. خلي بالك .. دي طريقتهم في تجنيد الآخرين، وكسب ود الرافضين ليهم، أو على الأقل تحييدهم، اوعى تبلع الطعم .. أنت أقرب لينا منهم .. ولو محتاج أموال أنا تحت أمرك وكل حزبنا هايدعمك. ) ص 85
4 – لم تقف محاولة استقطابه من التيار الديني واليساري وماتيوس وغيرهم بل امتدت إلى الملك ذاته.
( يدخل رئيس الديوان، وخلفه خادمان يحملان علبتيّ قطيفة، تبدوعليهما الفخامة )
وفي موقف يشي بمثقف رائع ونبيل، يرفض هدية الملك، ونكتشف بأن هذا الصحفي على علاقة بالضباط الأحرار، ومنحاز إليهم وإلى مشروعهم الوطني، وضرورة جلاء المحتل والثورة على الملك، ويقبل على مضض العمل بجريدة ( الهداية ) ليكون الوسيط بين الضباط الأحرار وبين التيار الديني ولتنسيق المواقف بينهما، وهي تشير إلى علاقة ثورة يوليو بالجماعة.
.......
الصراع : صراع الأيدولوجيات
أما معنى كلمة أيديولوجيا في اللغة فهو اسم، وجمعها أيديولوجيات، وتستخدم للإشارة إلى مجموعة من الآراء أو المعتقدات أو الأفكار التي يقتنع بها الشخص أو الفلسفة التي يؤمن بها شخص واحد أو مجموعة من الناس أو شعب بأكمله أو أمة باكملها.
أما كلمة أيديولوجيا في المعجم العربي المعاصر، فهي تستخدم للإشارة إلى الآراء والفلسفات والمبادئ السياسية أو الاجتماعية التي تقول إن مجموعة من الناس وشعب كامل، وأمة بأكملها، يتبنى الحزب أو الطبقة الاجتماعية لأنه يشير إلى فلسفات ومعتقدات الفرد أو المجموعة. عالبا ما يشير إلى رفض التسوية والتسوية أثناء التعامل مع الطبقات الأخرى التي تتبنى وجهات نظر مختلفة عن آرائها، وهي مثال على الأيديولوجيا السياسية الشيوعية والرأسمالية.
إذن هي نظام فكري أو هي ذلك النسق من الأفكار التي تعتنقها مجموعة من البشر وتؤمن بها، ومن خلالها تحدد رؤية العالم، ومن خلالها أيضا ترسم الأسلوب التي تواجه به الحياة
والكاتب حزين عمر يميط اللثام عن بعض التناقضات التي تتضمن هذا النسق من الأفكار في هذه الأيدولوجية أو تلك، شيوعية كانت أو رأسمالية أو إسلامية، ويجعل القارئ / المتفرج يكتشف بنقسه تتناقضاتها التي كانت تخفي عليه، ويقدمونها له على أنها النموذج والمثال، وهي النظرية أو الأيدولوجيا التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها!، ولذا جاء الصراع في هذه المسرحية أقرب إلى الصراع كما هو عند " بريخت " صراع أيدولوجيات متنافرة، الهدف منه أن يستثير فكر المتفرج ويجعله يعاود التأمل، في محاولة جادة ومخلصة لاكتشاف التناقضات والخلل في هذه الأيدولوجية أو تلك، ومفهوم الصراع عند بريخت وحزين عمر يختلف عنه عند " أرسطو " حيث يدور الصراع عند أرسطو بين الإنسان والنظام الكوني وآثاره على النظام الاجتماعي والذي يؤدي في النهاية إلى هزيمة الإنسان ومن ثم توليد شحنة انفعالية يسميها يسميها أرسطو " التطهير " ويتحقق باستنزاف طاقة الثورة وامتصاصها لدي القارئ / المتفرج عن طريق ممارستها عن بُعد.
وإذا كان الحدث هو المراحل التي يحتدم فيها الصراع عبر أو نحو النهاية، فإنه - أي الحدث - لا يتحقق كاملا عند حزين عمر على خشبة المسرح، ولكنه يتحقق من خلال إدراك المتفرج ووعيه، من العلاقة الجدلية التي تنشأ بين الخشبة المسرحية والصالة، وقد لجأ الكاتب في سبيل تحقيق ذلك إلى حيل فنية كثيرة.
من الحيل الفنية التي لجأ إليها حزين عمر :
1 – يكاد يكون حزين عمر قد ألغى المسافة التي كانت قائمة بين عالم خشبة المسرح وواقع المتفرج في الصالة، وكسر ذلك الحاجز الوهمي، بنجاحه في توريط القارئ / المتفرج في الانغماس في النص من خلال المقابلة بين بعض المشاهد، مشهد يجري على المسرح في مقابل مشهد آخر يجري في الشارع أو على مقهى، وكأنه أراد أن يشرك القارئ / المتفرج في النص / العرض ومحاولة القارئ الربط بينهما واستقراء الدلالة، وسنشير إلى أربعة مشاهد :
المشهد الأول : الإضاءة تُسلط في قصر ماتيوس على المحتفين بعيد ميلاد بمبة هانم :
( تعلو الموسيقى وتدور الكئوس على الجميع، فيتناولونها – ثم تتشكل ثنائيات للرقص : سوسو مع منصور، بمبة مع محمود عبدالجواد، وفيفي مع أنور البهلوان، ......)
وتدور الحوارات الماجنة، ويكشف المشهد الحياة التي يعيشها علية القوم، وهم القلة القليلة، وتنتقل الإضاءة إلى الشارع لتسلط على الدكتور سخالين برأسه المنكوش، وملابسة الصارخة الألوان، وجلس على كرسي ويتحلق حولة عدد من الشباب، فالكاتب :
أ - استفاد من فن الكاريكاتور في رسم شخصية المثقف ( د . سخالين ).
ب – التفاوت الطبقي الرهيب بين قلة قليلة تملك وأغلبية ساحقة من الحُفاة العُراة.
ج – الهوة الواسعة بين المثقف وبين عامة الشعب الذي يعاني من أخطر آفتين وهما : الجهل والفقر.
د – استفاد من الفن التشكيلي وخاصة من ( التكعبيين ) باشراكه القارئ في المشهد.
و – التنبيه إلى أهمية قضية الوعي وبثها لدي الناس التي تم تغيبها عمدا، فمن صالحهم أن يسود الجهل والفقر، ليسهل لهم سياستهم وقيادتهم، والمثقف الواعي هو الذي يعرف الناس بحقوقهم المهدرة والمستلبة، وهذا المثقف الفاعل في نظرهم خطر كبير، ويغرونه بالمال، ويلجأون إلى كل الحيل والوسائل لكي ينضوي تحت لواءهم ويكون بوقا لهم، وإذا فشلوا معه يتم تصفيته معنويا أو جسديا إذا اقتضى الأمر.
ويلح الكاتب على هذه المعاني وغيرها في المقابلة بين المشاهد التي تجري في الشارع أو المقهى، ومشاهد أخرى موازية لها وتجري في بيت ماتيوس، أو في مكتب أنور البهلوان أو مكتب مأمون الغريب.
المشهد الثاني : تسلط الإضاءة على فتى وفتاة بملابسهما الممزقة، ينقبان في صندوق قمامة عن فتات طعام ( وكلما وقعت شبهة طعام في أيديهما تخطفاها وتشاجرا لأجلها )، ويدور حوار بينهما وبين ملتح :
( الملتحي : خسئتما من شابين حقيرين .. إيه اللي جابكم هنا وسمح لكم بهذه الخلوة غير الشرعية .. أأنتما زوجان؟! ) ص 73
( الملتحي : إذن انصرفا .. ولا تجتمعا معا أبدا .. أيها الفاسقان .. ) ص 73
( الملتحي : أنت بتاكل كمان من غير ما تسمي .. يا زنديق " يلتفت للفتاة في شهوة " وأنت يا حرمة .. استري عورتك .. ليه سايبه اللحم ده كده طالل من كل حتة .. من فوق " في سره " ما شاء الله، ومن تحت، ومن الوسط ) ص 73
والمشهد كاشف لأخلاق الملتحي، وكاشف أكثر للحال المزري لأغلبية الشعب الذي يعاني الجوع والفقر، وتكون الكوميديا السوداء إذا قاربنا بين ما يأكله أبناء الشعب من شبهة طعام من صندوق قمامة وبين ما يأكلة علية القوم في قصر ماتيوس، أو حتى بمقاربة هذا المشهد المزري بأغنية ( الفتة ) التي تغنيها سيدات ( نادي القمر ) للبهلوان، وهن يواسينه في حرق المطبعة، وعن طيب خاطر يوافقن على اطفاء ناره فيهن!!
المشهد الثالث : تركز الإضاءة على أحد المثقفين في مسامرة على مقهى شعبي مع بعض رواد المقهى من عامة الشعب، ويسير الحوار بين المثقف ورواد المقهى على منوال وطريقة حوار الدكتور سخالين مع العامة، ويُظهر لنا الكاتب الهوة الواسعة بين المثقف والعامة، ومحاولة المثقف أن يقوم بدوره في توعية الناس، واستنهاض همتهم للمطالبة بحقوقهم المسلوبة والمهدرة، الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية، ويكشف لهم المثقف فضائح الملك وإنفاقه لأموال الشعب على حاشيته والغواني وهدر تلك الأموال في الرحلات إلى أوربا ومعه المئات.
المشهد الرابع : مشهد الحُفاة، وهو مشهد يعكس بؤس وفقر عامة الشعب، وأمام قسوة الفقر والجوع يصبح الحذاء بالنسبة لهم ترفا.
..........
2 – لا يقدم الكاتب الواقع كما هو على خشبة المسرح، ولكنه يفتته إلى أجزاء متعددة، تتصادم وتتنافر وتتقابل وتتلاقى، ويربط كل هذه الأجزاء بالقارئ / المتفرج بحيث يصبح هذا القارئ / المتفرج أحد تلك الأجزاء التي لا تنفصل عن المسرحية، وكانه قد أصبح لبنة من لبناتها.
وبذلك يكون الكاتب قد نجح في إشراك جميع العناصر الموجودة في المسرح من شخصيات تم رسمها بعناية، وممثلين يقومون بتمثيل هذه الشخصيات، والمؤلف نفسه، والمخرج، والمتفرجين، ..... إلخ ويحقق كل امكانات التنوع الممكنة من الصراع، وكأنه أراد أن يقيم صراعا بين محاكاة الحياة على خشبة المسرح وأحداث الحياة خارجه، وكأنه صدام وصراع بين الفن من جانب والواقع من جانب آخر، وكأنه أراد أن يوصل رسالة أخرى فحواها بأنه يجب ألا نكتفي بمحاكاة الواقع، بل يجب أن يكون للنص المسرحي الذي يؤدى على خشبة المسرح له حياته الخاصة وعالمه الخاص.
...........................
3 – يتوسل الكاتب بكل الوسائل الممكنة لإثراء نصه لا باللغة والكلمات وحسب، ولكنه يهتم بالموسيقى والأغاني وحتى الرقصات وكل ما من شأنه أن يحرك أعصاب القارئ / المتفرج، ولا يغفل اللون والضوء والأزياء وكل ما هو مسرحي.
أ - الرقصات : رقصة العجائز الكاريكاتورية، وفي هذه الرقصة تحديدا بدا لنا حزين عمر كأنه مصمم رقصات بارع، فالعجائز يرقصن على خلفية أغنية " ادلع وارقص يا عزال ) ص 22 وتأكدت براعته في رقصتي البهلوان على خلفية أغنيتين معبرتين ص 43، ص 52، رقصة بمبة على خلفية أغنية ( قلبي سهران يحدثني ) ص 43 وهي أغنية بديعة تعبر طبقتها التي تنتمي إليها.
ب – الأشعار والأغاني :
كان للشعر حضوره في هذه المسرحية، موزّع ما بين قصيدة الشعر، قصيدة النثر، والأغنية، والموال، ويمكن أن نشير إليها في الصفحات التالية : ص 22، ص ص : 23 – 24، ص 30، ص 43، ص 43، ص 52، ص 77، ص 83، ص 108، ص ص : 111 - 113
.................
5 – الخلط الماتع والمزج البديع بين الأزمنة والأمكنة والشخصيات وقد أعطت هذه الخلطة السحرية للقارئ / المتفرج الدلالة العامة على فوضى الواقع.
............................
6 – يحرص الكاتب على استخدام لغة الشخصية، فلغة بنت الباشا اختلفت عن لغة بنت الطبقة الدنيا، فانظر إلى لغة بنت الباشا :
( تنطق مثلا كلمة عظيم " عزيم " وكلمة قديم " كديم " ، الطمع " التمع " ...إلخ )
وأحيانا تتناثر كلمات أجنبية في حديثها :
( فنتاستك " ظريف "، سوفاج ( غبي ) ... إلخ )
ويمكن للقارئ / المتفرج أن يتوقف عند لغة " ناتلي " ذات الأصول اليونانية والتي تخدم في بيت " ماتيوس " وهو من أصل أرمني!.
ولغة " مأمون الغريب " زعيم حزب الهداية اختلفت عن لغة " أنور البهلوان " ممثل اليسار الصاعد, واللغة نفسها بألفاظها وتراكيبها اختلفت في إشاراتها ومدلولاتها من زمن إلى زمن، فهي قبل ثورة يوليو غيرها بعدها، وجاءت أكثر انفصاما وتشظيا وتباعدا بعد ثورتي يناير و30 يونيو.
..................................
7 – استطاع الكاتب في مسرحيته أن يجيد البناء وأن يتقن الحوار المترابط الخالي من الاستطراد والحشو والثرثرة، وجاء الحوار متوترا في المشهد الختامي وخاصة اللوحة الأخير، وهذا التوتر ينتقل بالضرورة إلى القارئ / المتفرج، فيوتر أعصابه، ويثير خياله، وكأن الكاتب أراد في نهاية مسرحيته أن يلجأ إلى أسلوب الصدمة.
......
8 - الجمع بين الخيال الفانتازي والعبث :
آثر حزين عمر أن ينهي مسرحيته بمشهد عبقري جمع فيه بين الخيال الفنتازي والعبث، فالحوار بين الجدات العجائز ( سيدات نادي القمر ) وشباب اليوم يشي بانفصام تام بين الجيلين، والمسافة بينهما هي المسافة بين الشرق والغرب، وليس بينهما نقطة التقاء، ولا يمكن أن يلتقيا أبدا، فالوطن أُستلب، وأصبح الشباب بلا هوية، وبلا انتماء، وبلا وعي، وبطلت عنده كل المقولات التي كان يتشدق بها أنور البهلون ومأمون الغريب وأضاعوا الشباب، وأضاعوا الوطن، الشباب الذي قام بثورتين في يناير و30 يونيو ولم يحققا ما طالبوا به من عيش وحرية وكرامة إنسانية وعدالة اجتماعية، إنه الإحساس بالانكسار، واليأس والاحباط، واللاجدوى، وهذا هو العبث بعينه، فكانت الرؤية غير التقليدية لتناول هذا الواقع المأساوي، في صورة " فانتازيا "، حوارات متداخلة، بلا معنى، وكان من الطبيعي أن يأتي الحوار في هذا المشهد مفككا، والأفكار غير مترابطة، فلا منطق ولا عقل يمكن استخدامه هنا، فتم الغاء المنطق والعقل، وهي رسالة تحذير قوية لأولي الأمر بضرورة تحقيق مطالب ثورتي يناير و30 يونيو وإلا الفوضى العارمة!، والتحذير من عودة أنور البهلوان والذي يظهرهذه المرة تحت اسم حزبه الجديد " اليسار الجديد " بدلا من " اليسار الصاعد " والتحذير من عودة مأمون غريب مرة أخرى، فهو يتنافس مع البهلوان على رئاسة نادي القمر!.
............................................
9 - سبيل الخروج :
وسبيل الخروج عند حزين عمر في رفض التيارين اليساري والديني معا وفي رفض راسمالية " ماتيوس " النفعية أيضا، وفي لحظة تألق روح وصفاء نفس، تصرخ فيفي :
( أنا بحلم يا شيخ مأمون
كتير بحلم يا سي أنور
بناس غيركم
وياما حلمت بالجنة
ما بين ناسي
حلمت بيوم ما فيه مظلوم
ولا ظالم
ولا قاسي
حلمت بطفل
يعيش في خضرة الأيام
ويسقوه الحليب في الصبح
ويسقوه الحنان بالليل
ويرضع من حنان الأرض
تكون قوته
يكون قوتها
فهل حلمي يا ناس
ده حرام؟!
وهل حلمي يا ناس
أوهام؟!
سؤال مشنوق على الأبواب
فهل حلمي يا ناس أوهام ) ص ص : 112 – 113
وفي مشهد بديع يدعو فيه الكاتب إلى أهمية العودة إلى الجذور، وإلى نبع الحضارة الصافي، فينقل لنا صوت النيل وصوت المصريين الحقيقيين :
( المشهد على شاطئ النيل في مكان يظهر من بعيد جبل وصحراء )
( صوت : كإنا ناس بلا صاحب
صوت : تتوه السكة قدامنا
يضيع اليوم ورا اليوم
صوت : ولا حدش يحس بهمنا المكتوم
صوت : ما يوم سألوا : أنا تعبان
مايوم سألوا : أنا عطشان.
صوت : ونسقي الدنيا من شهد التاريخ ألوان ..
صوت : ويفضل حلمنا مشتاق
صوت : ليوم نصحا بدون تعذيب ولا تأنيب
صوت : ولا سجان ولا مساجين
وطال الليل وراه الليل
صوت : وأنا قاعد هنا وحدي
بغني للجمال والنور
برمم خاطر المكسور
صوت : بدرنا حضارة الدنيا
صوت : وحرية لكل الناس
صوت : ما قلنا يوم أنا مؤمن ولا كافر.
صوت : ولا أبيض ولا أسود.
صوت : جميع الخلق قدامنا سواء بسواء
صوت : بتشرق شمسنا فيهم
صوت : ويطلع فجرنا فيهم
سواء بسواء
وييجي الظلم يجتاحنا
صوت : ونصمد له .. يدوب فينا
ويصبح خير وأغنية على الشطين
صوت : فين الإسكندر الغازي
صوت : وفين جيشه وأيامه
صوت : بقى عابد في محرابنا
صوت : بيروح ظالم وييجي طغاه
وكأنه ما جه ولا شفناه
كأنه غمامه منسية
على الوادي
وأنا راضي
صوت : وأنا مليان بصب الخير على الفاضي
صوت : وأنا راضي
صوت : باصب الخير على الفاضي. ) ص ص 65 - 66
( ورقة نقدية لمناقشة المسرحية بقصر ثقافة ديرب نجم – محافظة الشرقية يوم الخميس الموافق 21 / 4 / 2022م )
رد مع اقتباس