عرض مشاركة واحدة
  #205  
قديم 08-02-2015, 01:01 AM
الصورة الرمزية سيد منازع
سيد منازع سيد منازع غير متواجد حالياً
عضو منتسب
 
تاريخ التسجيل: Dec 2010
المشاركات: 153
افتراضي

توراه :
ذكر من قبل أن الكلمات السامية ( عروبية ) في أساسها منها ما ينسب مباشرة إلى الجذر والاستعمال العربيين ، ومنها ما أهمل في الفصحى ولم يهمل في أخواتها الساميات ، ومنها ما تطور وتغيَّر في لغته الشقيقة وصار ذا شخصية مستقلة ، وعليه يمكننا قبول إرجاع (توراة) إلى أصل عربي .
ولكننا بداية سنجدها أساسية في العبرية وهي من الكلمات التي وردت أكثر من سبعين مرة في التوراة . وله دلالة في العبرية لأن لفظ توراة يعني في العبرية الشريعة والقانون والتعليم .
ونظر بعضهم إلى التوراة من حيث إنه في العبرية : תּורָה tōrā – على أنه مرتبط بجبل الطور فهو " طورا بمعنى الهُدى ، والظاهر أنه اسم للألواح التي فيها الكلمات العشر التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل طور ؛ لأنها أصل الشريعة التي جاءت في كتب موسى عليه السلام ، فأطلق ذلك الاسم على جميع كتب موسى ، واليهود يقولون إسْفِر طورا .
وقدم الدارسون عدة ألفاظ اختلفوا حولها ما بين ( طورا وتورا وأوريتا ) العبرية الآرامية ، وتورا وتورة ) العبرية ، فيرى أحد الباحثين أن هذه الألفاظ المذكورة بوصفها أصولا للفظ توراة لا يمكن ترجيح إحداها على الألفاظ الأخرى لأن احتمال كون أحد هذه الألفاظ هو الأصل وارد بشكل متساو في جميع الألفاظ .
ورفض بعضهم رأي القدماء في اشتقاق التوراة حيث قد تكُلف اشتقاقه من الورى فقيل هو من الفِعْل التفعلة " . واستند في هذا الرأي على رأي برجشتراسر في أنه معرّب من لفظين : أحدهما عبري ( تورا ) أي سُنّة أو شريعة ، والآخر آرامي ( أوريتا ) . ويظهر أن اللفظين الأعجميين قد أثرا في تشكل ( توراه ) المعرب حيث إن أول التوراه قد أخذ من العبرية وآخرها من الآرامية .
وكان برجشتراسر قد ذهب إلى تداخل التأثير في الكلمة بين العبرية والآرامية حيث يظهر أن العبرية نفسها أثرت في العربية أيضا مع الآرامية ، فهي في الآرامية : ōrayȶȃ ʼ ، وفي العبرية : tōrā . فيظهر أن أولها أخذ من العبرية ، وآخرها من الآرامية . ويوافق رسمها في القرآن بالياء لفظها الآرامي .
و ننطلق من تحليلنا للفظة من رأي أستاذنا الدكتور رمضان عبد التواب الذي رأى أن " أصل الكلمة תֻּירָה على وزن ( تُفْعال ) حدث فيها ما حدث في كلمة מושָׁב ( mَŝāv ) ؛ إذ قلبت الياء واوا في جميع التصاريف لضمة ما قبلها .
وعلينا قبل أن نقول بصواب هذا الرأي من عدمه أن ننظر إلى الفعل الذي أخذت منه كلمة (توراة) وفعلها : יָרָה ( yārāh ) ( عَلِم ) غير مستعمل في العبرية ، وهو يقابل الفعل العربي ( رَوَى ) من الرواية مع القلب المكاني بين الراء والواو ، والمستعمل منه في العبرية هو المزيد بالهاء : הורָה hَrāh ( علّم – أعلم ) واسم الفاعل منه : מוׄרֶה (mَréh) ( معلّم ) .
فالفعل هنا ( عبريا ) مثال يائي قلبت ياؤه واوا في البناء لضمة ما قبلها ، ولم يفسر لنا الدكتور رمضان عبد التواب طبيعة هذا البناء : תֻּירָה ، ( toyrāh ) هل هو اسم أم مصدر أم وصف ... إلخ ؛ دل على عدم تحديد مدلوله تفسيره بعدة كلمات : ( شريعة / قانون / تعليم ) .
وإذا كان هذا الرأي قد ذهب إلى اشتقاق التوراة العبرية من الفعل ( ي ر هـ ) الدال على التعليم ، فقد ربطها آخرون بفعل آخر ، هذا الفعل واوي أيضا مثلما ذهب القدماء ، وهو ( ورى ) ويحمل معنى الإشعال وما ارتبط به من النور أو الحرارة ، أشار إلى هذا الفعل جزينيوس فهو : אוׄר: َr أنار وأضاء ولمع ، في الآرامية : ܐܘܪ ( أور) ومنه : אוׄרָה (أوراه ) ( اسم مؤنث ، ضوء ) ، والجمع : אורות .( ʼَrَt) .
والأوار : ʼuwār : في العربية شدة حر الشمس ، وفي الأشورية 'urru : ، بمعنى ضوء . وفي الآرامية : " ورور warwar ، ومثله : وَرَّ ( (warrالقشُّ ( الحطب ) أي : اشتعل والتهب ، وــــ النار : اشتّد ضرامها وتطاير شررُها ، وهو من : ܘܪܘܪܐ ( وروارا ) شرارة النار ... وفي فصيح العربية الأَرُّ : إيقاد النار ، والإرة ( بالكسر ) : النار ، والأُوار: حرّ النار ، و ورور نظره : أَحدّه ، وفي الكلام : أسرع ، يقال ما في كلامه إلا ورورة إذا كان يستعجل فيه ... ، وعامة البغدادين يقولون : فلان يورور وهو ورواري أي يتكلم كثيرا ويغضب بسرعة .
وانطلاقا من هذه الدلالة ربط مرمرجي الدومنكي الجذر الثلاثي ( ǒrāhy ومزيده hǒrāh) بإيقاد النار ، ومن ثم النور فإذا رددنا الثلاثي الناقص إلى ثنائي أمكننا القول إن أصلها من " أرّ ) العربي الدال على إيقاد النار ويقابله في العبرية : َr ، أي النار والنور ، وفي العربية تقلب الهمزة واوا ، فيأتي من ( أرّ ) اللفيف المفروق ( ورى ) ، فيقال ورت النار اتقدت .
ومن المعلوم أن ثنائية الجذور نظرية عامة قبل بها كثير من العلماء في اللغات السامية والحامية ( المصرية القديمة والأمازيغية ) ، ولقد حافظت اللغات الحامية على ثنائية البناء بينما تطورت الجذور السامية لتصبح ثلاثية البناء ... وإذا أمعنا النظر في الجذر ( ور ) ... يفضي بنا إلى اكتشاف وجود جذور أخرى مشتقة منه تدل كلها على ألفاظ ومعاني متقاربة : في الساميات ( أور ) هو ( النور والنار) ومنه في العربية ( أوار ) ... وفي الأكادية أور ( نور ونهار ) ، والأوغاريتية أور ( نور ونهار ) .
ويدلل مرمرجي الدومنكي على ذلك من الآرامية الكتابية نجد : Awri ( علّم ) ، وفي الحبشية الجَعْزية warawa : ألقى ، وفي الأكدية : Arū قاد ، tarū شريعة ، وفي العربية القرآنية : روى ، رأى ولكن هذه كلها صادرة عن الأصل القديم وهو الثنائي ( أر أو َr) الحاوي معنى النار والنور .
ثم ربط الدومنكي كل هذا بدلالة ( توراة ) على التعليم فمن النار يتولد النور ، والنور عينه يدل مجازا على العلم والتعليم والشريعة ، وفي هذا لم يطش سهم المعاجم العربية .
وإلى نفس هذا التحليل ذهب د.عبد الرحمن السليمان ، ولكنه رفض نسبة الجذر في ( توراة ) إلى الجذر العربي ( ورى ) بل يؤكد أنه من الجذر العبري ( ورى) الذي يدل على معنى التعليم لا النار ومشتقاتها ، يقول : " أما ( ورى / يرى ) العبري الذي اشتقت منه توراة فغير موجود في العربية بمعنى التعليم ، وعندي أنه مجانس لمعاني الأفعال المشتقة من ( ور ) في اللغات الجزيرية الشرقية والغربية ( المصرية القديمة والأمازيغية ) أي النور ؛ فالتعليم تنوير قبل كل شيء لذلك لا داعي إلى اشتقاقه من العربية طالما كان له اشتقاق في العبرية " .
ونحن نذهب إلى صدق رؤية البصريين في اشتقاق الكلمة من ( ورى ) وهو نفس الجذر العبري ( ירה ي ر ه ) ونفس الجذر السامي والحامي المشار إليه ، لكن في نفس الوقت أوافق رأي الفراء في أن الكلمة على وزن ( تفعلة ) وهي مصدر للفعل السامي الأصيل ، والتاء فيه تاء المصدر ، وليست من ( فوعلة ) البصرية .
وليست الواو في ( توراه ) إذن كما ذهب الدكتور رمضان عبد التواب من الياء لضمة ما قبلها فالتاء مفتوحة ضمت في العبرية لوجود الواو الأصلية وإلى قريب من هذا ذهب د.عبد الرحمن السليمان الذي لاحظ " أن الجذور الجزيرية التي فاءاتها واوات مثل ( ولد / وثب / وسع ... إلخ ) قد أصبحت كلها في العبرية والآرامية والسريانية من ذوات الياء ( يلد / يشب / يشع ... إلخ ) نعلم ذلك يقينا من خلال علم اللغة المقارن ومن خلال ظهور الواو في الأفعال العبرية المزيدة كما نلاحظ في הורׇה = hَrāh بمعنى ( علّم ) حيث ظهرت الواو الأصلية ، وهذا مثل ظهورها في أفعال عربية مثل دعوت وأوصل ، ذلك أن هذه الواو تسقط في تصاريف أخرى ( دعا ) وباطراد ( يصل ) .
وعليه نتفق مع د.عبد الرحمن السليمان في قوله " وتاء توراة في العبرية هي تاء المصدر فتوراة اسم مصدر في العبرية من الفعل المعتل ( ي رهـ ) " .
ونختم القول في توراة بأنها تنتهي بالتاء المربوطة التي نقف عليها بالهاء وتظهر تاء في حالة الإضافة ، يحدث ذلك في العربية ، بل وفي العبرية أيضا ، يدل على ذلك النص التالي : " من سفر المزامير من العهد القديم المزمور الأول :
בֶתוׄרַת יהוָה ( بتورَة يهواه betَrat yehwāh )= بتوراة الرب ... ، תוׄרַת وهي مفرد مؤنث في حالة إضافة إلى الظاهر ... وأصل الكلمة في حالة الإطلاق : תּוׄרָה . ( tَrāh ) .
رد مع اقتباس