الموضوع: مقامات القرني
عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 01-25-2007, 01:49 PM
الصورة الرمزية ladmed
ladmed ladmed غير متواجد حالياً
عضو منتسب
 
تاريخ التسجيل: Jun 2006
المشاركات: 276
افتراضي _MD_RE: مقامات القرني

مقـامَــــة الـهـمّــــة
 وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ 
أمطري لؤلؤاً سماء سرنديب
أنا إن عشت لست أعدم خبزاً
همتى همة الملوك ونفسي
وفيضي آبار تكرور تِبرا
وإذا مت لست أعدم قبرا
نفس حرٍ ترى المذلة كفرا

السلام على أهل الهمم ، فهم صفوة الأمم ، وأهل المجد والكرم ، طارت بهم أرواحهم إلى مراقي الصعود ، ومطالع السعود ، ومراتب الخلود ، ومن أراد المعالي هان عليه كل همّ ، لأنه لولا المشقة ساد الناس كلهم ، ونصوص الوحي تناديك ، سارع ولا تلبث بناديك ، وسابق ولا تمكث بواديك ، أُمية بن خلف ، لما جلس مع الخلف ، أدركه التلف ، ولما سمع بلال بن رباح ، حي على الفلاح ، أصبح من أهل الصلاح .
اطلب الأعلى دائماً وما عليك ، فإن موسى لما اختصه الله بالكلام ، قال :  رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ  ، المجد ما يأتي هبة ، لكنه يحصل بالمناهبة ، لمَّا تعلمت الصيد الكلاب ، أبيح صيدها بنص الكتاب ، ولما حمل الهدهد الرسالة ، ذكر في سورة النمل بالبسالة ، نجحت النملة بالمثابرة ، وطول المصابرة ، تريد المجد ولا تَجِدّ ؟ تخطب المعالي ، وتنام الليالي ، ترجو الجنة ، وتفرط في السنّة .
قام رسولنا  حتى تفطّرت قدماه ، وربط الحجر على بطنه من الجوع وهو العبد الأوّاه ، وأدميت عقباه بالحجارة ، وخاض بنفسه كل غارة .
يُدعى أبو بكر من الأبواب الثمانية ، لأن قلبه معلق بربه كل ثانية ، صرف للدين أقواله ، وأصلح بالهدى أفعاله ، وأقام بالحق أحواله ، وأنفق في سبيل الله أمواله ، وهاجر وترك عياله .
لبس عمر المرقّع ، وتأوّه من ذكر الموت وتوجّع ، وأخذ الحيطة لدينه وتوقّع ، عدل وصدق وتهجد ، وسأل الله أن يستشهد ، فرزقه الله الشهادة في المسجد .
عليك الجِد إن الأمر جَد
وبادر فالليالي مسرعات
وليست كما ظننت ولا وهمتا
وأنت بمقلة الحدثان نمتا

اخرج من سرداب الأماني ، يا أسير الأغاني ، انفض غبار الكسل ، واهجر من عذل ، فكل من سار على الدرب وصل ، نسيت الآيات ، وأخّرت الصلوات ، وأذهبت عمرك السهرات ، وتريد الجنات ؟!
ويلك والله ما شبع النمل حتى جدّ في الطلب ، وما ساد الأسد حتى افترس ووثب ، وما أصاب السهم حتى خرج من القوس ، وما قطع السيف حتى صار أحدّ من الموس .
الحمامة تبني عشها ، والحمّرة تنقل قشها ، والعنكبوت ، يهندس البيوت ، والضب يحفر مغاره ، والجرادة تبني عمارة ، وأنت لك مدة ، ورأسك على المخدة ، في الحديث : (( احرص على ما ينفعك )) ، لأن ما ينفعك يرفعك ، (( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف )) ، بالقوة يبنى القصر المنيف ، وينادل المجد الشريف .
همة تنطح الثريا وعزم
نبوي يزعزع الأجبالا

صاحب الهمة ما يهمه الحرّ ، ولا يخيفه القرّ ، ولا يزعجه الضرّ ، ولا يقلقه المرّ ، لأنه تدرع بالصبر .
صاحب الهمة ، يسبق الأمة ، إلى القمة ،  وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ  ، لأنهم على الصالحات مدربون ، وللبر مجربون .
الثعلب يرضى بالجيفة ، فكتب في آخر الصحيفة ، لو أسرع الحمار مثل الحصان ، لكان من الهوان يُصان ، الشمس تجري ، والقمر يسري ، وأنت نائم لا تدري ، أنت أكول شروب ، لعوب طروب ، صاحب ذنوب .
لا يدرك المجد إلا سيد فطن
لولا المشقة ساد الناس كلهم
لما يشق على السادات فعّال
الجود يفقر والإقدام قتال

لما تجرع الأحنف غصص الغضب ، صار حليم العرب ، ولما بذل روحه للموت عنترة ، شبهوه بقسورة ، ولمّا بذل حاتم ، طعامه لكل قادم ، وأنفق أمواله في المواسم ، صار مضرب المثل في الجود ، وقصة الكرم في السهول والنجود .
لما طار القمري قعد فوق الأغصان ، ولما مشى الجعلان بقي مع الديدان ، سافر العود من الهند ، فسُمي بالند ، وأقام بأرضه الخشب ، فسماه الناس الحطب .
اديسون مكتشف الكهرباء ، قضى عمره في اختراعه حتى أذهل به الحكماء ، فلا نامت أعين الأغبياء .
مكتشف الذرة ، أجرى عليها التجربة عشرة آلاف مره .
عمي بعض المحدِّثين من كثرة الرواية ، فما كلَّ ولا ملَّ حتى بلغ النهاية ، مشى أحمد ابن حنبل من بغداد إلى صنعاء ، وأنت تفتر في حفظ دعاء ، سافر أحدهم إلى مصر ، غدوّه شهر ، ورواحه شهر ، في طلب حديث واحد ، ليدرك به المجد الخالد ، لولا المحنة ، ما دعي أحمد إمام السنة ، وصل بالجَلْد إلى المجد ، ووضع ابن تيميه في الزنزانة ، فبز بالعلم زمانه . واعلم أن الماء الراكد ، فاسد ، لأنه لم يسافر ويجاهد ، ولما جرى الماء ، صار مطلب الأحياء ، بقيت على سطح البحر الجيفة ، لأنها خفيفة ، وسافر الدر إلى قاع البحر، فوضع من التكريم على النحر .
فكن رجلاً رجله في الثرى
وهامة همته في الثريا

يا كثير الرقاد ، أما لنومك نفاد ، سوف تدفع الثمن ، يا من غلبه الوسن ، تظن الحياة جلسة وكبسة ، ولبسةٌ وخلسة ، بل الحياة شرعة ودمعة ، وركعة ومحاربة بدعة .
الله أمرنا بالعمل لينظر عملنا ، وقال :  وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا  ، فالحياة عقيدة وجهاد ، وصبر وجلاد ، ونضال وكفاح ، وبر وفلاح، لا مكان في الحياة للأكول الكسول ، ولا مقعد في حافلة الدنيا للمخذول .
علو في الحياة وفي الممات
بحق أنت إحدى المعجزات

ابدأ في طلب الأجر من الفجر ، قراءة وذكر ، أو دعاء وشكر، لأنها لحظة انطلاق الطير من وكورها ، ولا تنس : (( بارك الله لأمتي في بكورها )) .
العالم في حركة ، كأنه شركة ، وقلبك خربة ، كأنك خشبة ، الطير يغرّد ، والقمري ينشد ، والماء يتمتم ، والهواء يهمهم ،والأسود تصول ، والبهائم تجول ، وأنت جثة على الفراش ، لا في أمر عبادة ولا معاش ، نائم هائم ، طروب لعوب ، كسول أكول .
استيقظ على نبرات الخطاب الشرعي ، ودعنا من وساوس الهاجس البدعي ، لأن الشريعة ، تدعو للهمة البديعة ، تقول لأتباعها : فما وهنوا لما أصابهم ، لأنهم حملوا كتابهم، وألقوا للعالم خطابهم ، فهداهم ربهم صوابهم .
وأهل السوالف ، رضوا بأن يكونوا مع الخوالف ، لأن لهم في الضلالة سوابق ، فهم يتصيدون كل مارق ، عن الحق آبق ، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ، فهبوا وتركوا مضجعهم ، ولو أراد الله بهم خيراً لأغاثهم ، ولكن كره الله انبعاثهم .
الفرس بهمته يعض لجامه ويلوك ، فركبه الملوك ، والحمار آثر المقام في الرباط ، فضرب بالسياط :
سوف ترى إذا انجلى الغبار
أفرس تحتك أو حمار

يقدم لك ابن جرير ، كتاب التفسير ، محققاً منقحا ، مدبّجا مصحّحا ، ثم لا تصطفيه ، ولا تقرأ فيه .
ألَّف ابن حجر فتح الباري في ثلاثين سنة ، فلله دره ما أجمل كتابه وأحسنه ، ثم تهمله في الرف ، كأنه دف ، مع الأسف .
 وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَظُنُّونَ  .
ولو كان في قلب المحب صبابة
لسار على الأقدام في الشوك والحفى

هذا الكافر مثابر ، كل يوم مغامر ، سيَّر في الأرض السيارة ، وأطار في السماء الطيارة ، جعل لغذاءك ثلاجة ، ولماءك زجاجة ، ومالك عمل إلا أن تأكل وتشرب ، وتلهو وتلعب .
ولا تقل الصبا فيه مجال
تفر من الهجير وتتقيه
وفكركم صبي قد دفنتا
فهلاَّ من جهنم قد فررتا

أنت تفتر والملائكة لا يفترون ، وتسأم العمل والمقربون لا يسأمون ، بم تدخل الجنة، هل طعنت في ذات الله بالأسنة ، هل أوذيت في نصر السنة ، انفض عنك غبار الخمول ، يا كسول ، فبلال العزيمة أذّن في أذنك فهل تسمع ، وداعي الخير دعاك فلماذا لا تسرع .  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ 
ولابد للهمم الملتهبة أن تنال مطلوبها ، ولابد للعزائم المتوثبة أن تدرك مرغوبها ، سنة لا تتبدّل ، وقضية لا تتحوّل .
جزى الله المسير إليك خيراً
وإن ترك المطايا كالمـزادِ

واعلم أن الهمة توقد القلب ، واستسهال الصعب ، وركوب الخطب ، فالعذاب بالهمة عذب . ومن عنده همة عارمة ، وعزيمة صارمة ، اقتحم بها أسوار المعالي ، وصار تاريخه قصة الليالي .
فقل للمتخلفين اقعدوا مع الخالفين ، لأن المنازل العالية ، والأماني الغالية ، تحتاج إلى همم موّاره ، وفتكات جبارة ، لينال المجد بجدارة .
وقل للكسول النائم ، والثقيل الهائم ، امسح النوم من عينيك ، واطرد الكرى من جفنيك ، فلن تنال من ماء العزة قطرة ، ولن ترى من نور العلا خطرة ، حتى تثب مع من وثب ، وتفعل ما يجب ، وتأتي بالسبب .
أقسمت أن أوردها حرة
إما فتى نال المنى فاشتفى
إذا سألت الله في كل ما
بهمة تخرج ماء الصفا
وقاحة تحت غلام وقاحْ
أو فارس زار الردى فاستراحْ
أملته نلت المنى والنجاحْ
وعزمةٍ ما شابها قول آحْ

ألا فليهنأ أرباب الهمم ، بوصول القمم ، وليخسأ العاكفون على غفلاتهم في الحضيض ، فلن يشفع لهم عند ملكوت الفضل نومهم العريض ، وقل لهؤلاء الراقدين  إنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ  فهُـبّـوا إلى درجات الكمال نساءً ورجالا ، ودربوا على الفضيلة أطفالا ، وانفروا خفافاً وثقالا .


مقـامَــــة الـبخــلاء
 وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ 
إني نزلت بكذابين ضيفهم
جود الرجال من الأيدي وجودهموا
عن القرى وعن الترحال مردود
من اللسان فلا كانوا ولا الجود

البخيل نذل ، والبخل خلق رذل ، وحسبك أن الرسول  استعاذ من البخل ، وليت البخيل إذا علا مات ، لأن له على بخله علامات ، فمنها أن يفقد الصواب ، إذا طُرق الباب ، ويُكثر السباب ، عند رؤية الأجناب ، وإذا رأى الضيف ضاق صدره ، والتبس عليه أمره ، فتعلوه قشعريرة ، ويقع في حيرة ، ومنها أن يكثر الأعذار ، ليخرج نفسه من هذه الأخطار ، وإذا قام بضيافة ، نوّه بها وهوّ لها كأنه تولى الخلافة .
يذم الأجواد ، ويمدح الاقتصاد ، يتفجع إذا رأى طعامه يغرف من القدر ، تفجع الخنساء على أخيها صخر ، أوصى بخيل ولده ، وقد قطع بالإنفاق كبده ، فقال يا بني ما هذا الإسراف ، يا أيها المتلاف ، أما تخشى أما تخاف ، ما تؤثر فيك النصائح ، ولا تخاف الفضائح ، أين من كان يقتصد ، ويحفظ ماله ويجتهد ، كان أحدهم رحمه الله يضع ماله في صُره ، لِئلا يؤخذ على غِرّة ، ثم يُخرج الصرّة ، في كل سنة مرّة ، فيقرَأُ عليها المعوذات ، وأعوذ بكلمات الله التامات ، كان الرغيف يسد رمقه من الصباح إلى الليل ، لأنه يعلم أن الدهر أبو الويل ، فخلف من بعدهم خلف ، فيهم كل مسرف جلف ، يأكل في اليوم ثلاث وجبات ، ولا يتفكر في مصارع الأموات ، ليرتدع من هذه الزلات.
أما أخبار البخلاء ، فقد جمعها بعض الأدباء .
فمنها أن بخيلاً دخل بيته ونسي أن يغلق الباب ، فدخل على إثره فقير ممزق الثياب، فناوله البخيل قطعة خبزة ، ثم أخذ حبلاً وربطه وحزّة ، وقال والله لا أتركك تخيف مسلماً هذه الليلة ، أو تروع مؤمناً بكل حيلة .
وقدّم بخيل الطعام لضيوفه ، ثم جلس مهموماً محسورا ، وقال : إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا ، وطرق فقير باب بخيل ، وقد أظلم الليل ، فلم يفتح البخيل بابه ، ولم يرفع حجابه ، فصاح الفقير بصوت كسير : أين من كانوا يفرحون إذا رأوا أضيافا ، فرد البخيل بقوله : ماتوا مع الذين لا يسألون الناس إلحافا .
وأعطى أحد الوزراء بخيلاً مائة ألف دينار ، حتى أصبح بها من الأغنياء الكبار ، فقال له جيرانه ، هنيئاً لك المبلغ الكبير ، فقال : والله ما هو بكثير ، وعندي زوجة وطفل صغير ، فإذا أراد أن يخرج منها دينارا ، قبَّله مرارا ، وقال : بأبي أنت وأمِّي ، ما أطيبك حيّا ، وما أطيبك ميتا .
وقال فقير لبخيل أعطني درهماً فقط ، فقال هذا غلط ، وجور وشطط ، لأن الدرهم مع الدرهم ، مائة درهم ، ثم يزيد إلى ألف ، ثم إلى مائة ألف ، فتريد أن تهدم مالي ، وتجوع عيالي بسؤالي ، وافرض أنني أعطيت درهما ، فلن ألبث حتى أصير مثلك معدما ، فأنت تريد أن تغشنا فارحل عنا ، ومن غشّنا فليس مِنّا .
ودخل رجل أكول على بخيل فقدم له غداءه ، وجلس حذاءه ، وقال له يوصيه ، اجعل ثلث بطنك للغذاء ، وثلثاً للماء ، وثلثاً للهواء ، قال الأكول : بل كلها للطعام ، يا سيد الكرام ، لأن الماء سوف ينش ، والهواء سوف يفش ، فقال البخيل : أنا منذر محذر ، ومن أنذر فقد أعذر .
واعلم أن البخيل كثير الأعذار ، دائم الإنذار ، فإن جئته مبكراً قال : مالك تقدمت، وإن أبطأت قليلاً قال : هداك الله تأخرت ، إذا حل به ضيف نسي الترحيب ، وقال : هذا يوم عصيب ، وإن طرق بيته طارق ، رآه كأنه سارق ، وإذا دخل عليه الضيف قلل الكلام ، وأكثر على أهله السب والخصام ، ولا يسأل الضيف عن أخباره ، بل تراه كثير القيام والقعود بداره ، وتراه لا يترك في البيت صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فهو يعرف ما له علاقة بالنفقة قد ضبطها ووعاها ، إذا نقص دينه ذكر المعاذير ، وأن الإنسان لا يسلم من التقصير ، فإذا أراد أحد التعرض لشيء من ماله ، أنكر بقلبه ويده ولسانِه ، وأظهر الحمية والأخذ بالثأر ولو من إخوانه ، قد هيأ العذر لكل حاجه ، وإلاّ لَمْ يَجِدْ استعمل الغضب واللجاجة ، فإن أتاه طالب ، ووفد إليه راغب ، قال الحقوق كثيره ، والحاجات كبيرة ، ويعيد عليك متن خير الناس ، من لا يحتاج إلى الناس ، وأفضلهم من كف عنه الباس .
ومن وصايا البخيل : عليكم يا إخوان بحفظ المال ، فإنه لا يعلم أحد بتغير الأحوال، والدنيا من حال إلى حال ، ولن ينفعك إلا مالك ، ولن يقف معك أعمامك وأخوالك ، واذكروا يا إخوان تقلب الزمان ، وقلة الأعوان ، فرحم الله من أمسك ديناره، وأغلق داره، ولم تخدعه الدنيا الغراره ، فعليكم بالاقتصاد ، فإنه مذهب الأجواد ، فقد أدركنا أقواماً من الصالحين ، كانوا يكيلون الطحين ، ويقتصدون حتى في شرب الماء، لِئلا تذهب أقوالهم هباء ، ومنهم من كان يفترش التراب ، وينام على الأخشاب ، ومنهم من كان يكتفي بوجبة ، في اليوم واحدة ، ليغيظ بجمع المال حاسده ، ثم يقول : وقد أدركت قوماً من الأولياء ، ينامون بلا عشاء ، ويكتفون بالفطور عن الغداء ،وكان أحدهم إذا حدثته نفسُه الأمارة بالسُّوء بشراء طعام ، لامها أشد الملام ، وخطمها عن شهواتها بخطام ، وزمّها عن رغباتها بزمام ، ولقد أدركت عبداً من الأبرار ، وولياً من الأخيار ، حدثته نفسه الأمارة ، بشراء خيارة ، فرجع على نفسه بالتوبيخ ، وأقسم لها لن يعطيها هواها ولو أرادت قطعة من البطيخ ، لأن القوم لما صحت منهم العقول ، تركوا الفضول ، وحفظوا أموالهم من كل مسرف جهول ، ولقد أدركنا مريم العابدة ، المقتصدة الزاهدة ، وكانت تبيع الفصفص ، ولها في ذلك علم وتخصص ، فإذا اجتمع لها ريال ، وضعتها وراء الأقفال ، وأقسمت بالله لا يزال حتى تزول الجبال ، وكانت رحمها الله ، إذا ظمأ الحمار ، ابطأت عليه بالماء ولو كان الماء في الدار ، لتعوّده التحمل والاصطبار ، وكانت تأخذ النخالة من الشعير ، فتجعلها كالخبز الفطير ، وكانت تمشي بين القرى ، تجمع قطع الفرى، وكلما وجدت عوداً أخذته ، وإذا مرت بحب جمعته ، فلا يأتي المساء ، إلا وقد أدركها الإعياء ، لكن يهون التعب ، ويذهب النصب ، إذا تذكرت صروف الأيام ، وطول الأعوام ، قال : وقد أدركت شيخاً كبيرا ، كان بالأيام بصيرا ، بقي عليه ثوبه عشرين عاما ، حتى أصبح الثوب ألواناً وأقساما ، فكلما انخرق الثوب خاطه برقعة، حتى صار مائة بقعة ، ثم جاء قوم من المبذرين ، لا يحبّون المنذرين ، يفني أحدهم ثوباً كل عام ، ولا يخاف العذاب والملام ، قال : ولقد أدركت حامد المقتصد ، وكان في حفظ المال يجتهد ، بقيت معه حذاؤه عشر سنوات ، وكان يمشي حافياً في الفلوات ، وربما حمل حذاءه بيده الكريمة ، خوفاً من العواقب الوخيمة ، فإذا نام جعلها تحت رأسه ، حرصاً عليها من غدر السارق وبأسه ، فانظر حرصهم رحمهم الله على حفظ المال ، وعدم اغترارهم بلوم الرجال ، فأين حالنا من حالهم ، ولذلك لا يقارن مالنا بمالهم ، ثم بكى حتى كادت أضلاعه تختلف ، وأخذ يقول ما أحسن أخبار من سلف، وما أكثر إسراف هؤلاء الخلف .


مقـامَــــة الـسـعـادة
 مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ 
دع الأيام تفعل ما تشاء
ولا تجزع لحادثة الليالي
وطب نفساً إذا حكم القضاء
فما لحوادث الدنيا بقاء

قال الراوي : جاءنا رجل مهموم ، قد أنهكته الغموم ، فهو من الحزن مكظوم ، فقال : أيها الناس ، حل بنا البأس ، وذهب منا السرور والإيناس ، وتفرد بنا الشيطان ، فأسقانا حميم الأحزان ، فهل منكم رجل رشيد ، رأيه سديد ، يصرف عنا هذا العذاب الشديد ، فقام شيخ منا ، ينوب عنا ، وهو أكبرنا سنا ، فقال : أيها الرجل الغريب ، شأنك عجيب ، تشكوا الهم والوصب ، والغم والنصب ، وأراك لم يبق منك إلا العصب، أما تدعوا الرحمن ، أما تقرأ القرآن ، فإنه يذهب الأحزان ، ويطرد الوحشة عن الإنسان ، ثم اعلم وافهم ، لتسعد وتسلم ، إن من أعظم الأمور ، في جلب السرور ، الرضا بالمقدور ، واجتناب المحذور ، فلا تأسف على ما فات ، فقد مات ، ولو أنه كنوز من الذهب والجنيهات ، واترك المستقبل حتى يقبل ، ولا تحمل همه وتنقل ، ولا تهتم بكلام الحساد ، فلا يحسد إلا من ساد ، وحظي بالإسعاد ، وعليك بالأذكار ، فيها تحفظ الأعمار ، وتدفع الأشرار ، وهي أُنس الأبرار ، وبهجة الأخيار ، وعليك بالقناعة ، فإنها أربح بضاعة ، واملأ قلبك بالصدق ، واشغل نفسك بالحق ، وإلا شغلتك بالباطل ، وأصبحت كالعاطل ، وفكر في نعم الله عليك ، وكيف ساقها إليك ، من صحة في بدن ، وأمن في وطن ، وراحة في سكن ، ومواهب وفطن ، مع ما صرف من المحن ، وسلم من الفتن ، واسأل نفسك في النعم التي بين يديك ، هل تريد كنوز الدنيا في عينيك ؟ أو أموال قارون في يديك ؟ أو قصور الزهراء في رجليك ؟ أو حدائق دمشق في أذنيك ؟ وهل تشتري ملك كسرى بأنفك ولسانك وفيك ، مع نعمة الإسلام،ومعرفتك للحلال والحرام ، وطاعتك للملك العلام ، ثم أعطاك مالاً ممدودا ، وبنين شهودا ، ومهّد لك تمهيدا ، وقد كنت وحيدا فريدا . واذكر نعمة الغذاء والماء والهواء ، والدواء والكساء ، والضياء والهناء مع صرف البلاء ، ودفع الشقاء .
ثم افرح بما جرى عليك من أقدار ، فأنت لا تعرف ما فيها من الأسرار ، فقابل النعمة بالشكر ، وقابل البلية بالصبر ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، واغفر لكل من قصّر في حقك وأساء ، واغسل قلبك سبعاً من الأضغان ، وعفّره الثامنة بالغفران ، وانهمك في العمل ، فإنه يطرد الملل ، واحمد ربك على العافية ، والعيشة الكافية ، والساعة الصافية ، فكم في الأرض من وحيد وشريد ، وطريد وفقيد ، وكم في الأرض من رجل غلب ، ومال سلب ، وملكه نهب ، وكم من مسجون ، ومغبون ومديون ، ومفتون ومجنون ، وكم من سقيم ، وعقيم ويتيم ، ومن يلازمه الغريم ، والمرض الأليم
واعلم أن الحياة غرفة بمفتاح ، تصفقها الرياح ، لا صخب فيها ولا صياح ، وهي كما قال ابن فارس :
ماء وخبز وظل
كفرت نعمة ربي
ذاك النعيم الأجل
إن قلت إني مقل

واعلم أن لكل باب من الهم مفتاح من السرور ، للذنب رب غفور ، والفلك يدور ، وأنت لا تدري بعواقب الأمور ، وملك كسرى تغني عنه كسرة ، ويكفي من البحر قطرة ، فلا تذهب نفسك على الدنيا حسرة ، ولا تتوقع الحوادث ، ولا تنتظر الكوارث ، ولا تحرم نفسك لتجمع للوارث ، ويغنيك عن الدنيا مصحف شريف ، وبيت لطيف ، ومتاع خفيف ، وكوز ماء ورغيف ، وثوب نظيف .
والعزلة مملكة الأفكار ، والدواء كل الدواء في صيدلية الأذكار ، وإذا أصبحت طائعاً لربك ، وغناك في قلبك ، وأنت آمن في سربك ، راضٍ بكسبك ، فقد حصلت على السعادة ، ونلت الزيادة ، وبلغت السيادة .
واعلم أن الدنيا خداعة ، لا تساوي همّ ساعة ، فاجعلها طاعة .
فلما انتهى من وعظه ، أعجب بلفظه ، وحسن لحظه ، وقال له : جزاك الله عني أفضل الجزاء ، فقد صار كلامك عندي أشرف العزاء .


مقـامَــة الفــرج بعـد الشــدة
 سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا 
عسى فرج يكون عسى

نعلل أنفسنا بعسى

فلا تجزع إذا حملت هماً يقطع النفسا

فأقرب ما يكون المرء من فرج إذا يئسا


إذا ضاق الأمر اتسع ، وإذا اشتد الحبل انقطع ، وإذا اشتد الظلام بدا الفجر وسطع ، سنة ماضية ، وحكمة قاضية ، فلتكن نفسك راضية ، بعد الظمأ ماء وظل ، وبعد القحط غيث وطل ، يا من بكى من ألمه ، ومرضه وكدّه ،يا من بالغت الشدائد في رده وصده ، عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمـر من عنده :
دع المقادير تجري في أعنتها
ما بين غمضة عين وانتباهتها
ولا تبيتن إلا خالـي البالـي
يغيّر الله من حال إلى حالي

ما عرفنا لكثرة حزنك عذرك ، سهِّل أمرك ، وأرح فكرك ، أما قرأت ألم نشرح لك صدرك ، ألا تفرح ، وفي عالم الأمل تسرح ، وفي دنيا اليسر تمرح ، وأنت تسمع ألم نشرح ، يامن شكا الخطوب ، وعاش وهو منكوب ، ودمعه من الحزن مسكوب ، في قميص يوسف دواء عيني يعقوب ، وفي المغتسل البارد شفاء لمرض أيوب .
الغمرات ثم ينجلينا
ثمت يذهبنا ولا يجينا

للمرض شفاء ، وللعلة دواء ، وللظمأ ماء ، وللشدة رخاء ، وبعد الضراء سراء ، وبعد الظلام ضياء ، نار الخليل تصبح باليسر كالظل الظليل ، والبحر أمام موسى يفتح السبيل ، ويونس بن متى يخرج من الظلمات الثلاث بلطف الجليل .
المختار في الغار ، أحاط به الكفار ، فقال الصِدِّيق هم على مسافة أشبار ، ونخشى من الدمار ، فقال الواثق بالقهار ، إن الله معنا ، وهو يسمعنا ، ويحمينا كما جمعنا .
هي الأيـام والغيــر
أتيـأس أن ترى فرجاً
وأمر الله ينتظــر
فأيـن الله والقـدر

قل لمن في حضيض اليأس سقطوا ، وعلى الشؤم هبطوا،وفي مسألة القدر غلطوا ، اعلموا أنه ينـزل الغيث من بعد ما قنطوا ، كان بلال يسحب على الرمضاء ، ثم رفع على الكعبة لرفع النداء ، وإسماع الأرض صوت السماء .كان يوسف مسجوناً في الدهليز، ثم ملك مصر بعد العزيز ، كان عمر يرعى الغنم في مكة ، ثم نشر بالعدل مُلكه ، وطبعت باسمه السَّكة ، وهو الذي قطع حبل الجور وفكَّه ، وسحق صرح الطغيان ودكَّه .
يا من داهمته الأحزان ، وأصبح وهو حيران ، وبات وهو سهران ، ألم تعلم أنه في كل يوم له شأن ، يا من هده الهم وأضناه ، وأقلقه الكرب وأشقاه ، وزلزله الخطب وأبكاه ، أنسيت من يجيب المضطر إذا دعاه .
إذا اشتملت على اليأس القلوب
وأوطنت المكـاره واطمـأنت
ولم تر لانكشـاف الضر نفعاً
أتـاك على قنـوط منك غوث
وكل الحـادثات وإن تناهـت
وضاق بما به الصدر الرحيب
وأرست في أماكنها الخطـوب
وما أجـدى بحيـلتـه الأريب
يمن بـه اللطيـف المستجيـب
فموصــول بها فرج قريـب

سيجعل الله بعد عسر يسراً ، ولا تدري لعلّ الله يحدث بعد ذلك أمراً .
سينكسر قيد المحبوسين ، في زنزانات المتجبرين ، وسيسقط سوق الجلادين ، الذي قطعوا به جلود المعذبين ، وسيمسح دمع اليتامى ، وتهدأ أنات الأيامى ، وتسكن صرخات الثكالى . هل رأيت فقيراً في الفقر أبداً ، هل أبصرت محبوساً في القيد سرمداً ، لن يدوم الضر لأن هناك أحداً فرداً صمداً .
من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا ، ومن كل همٍّ فرجا،بلا حول ولا قوة إلا بالله تحمل الأثقال ، وتسهل الأهوال ، وتصلح الأحوال ، ويشرح البال ويرضى ذو الجلال . بشر الليل بصبح صادق يطارده على رؤوس الجبال ، وبشر القحط بماء زلال ، يلاحقه في أعماق الرمال ، وبشر الفقير بمال ، يزيل عنه الإملاق والأمحال :
لا تيأس عند النــوب
واصبر إذا ما ناب خطب
وترج من روح الإله
من فرجة تجلو الكرب
فالزمان أبو العجـب
لطـائفـاً لا تحتـسب

واعلم أن لكل شدة ، مدة ، وإن على قدر المؤونة ، تنـزّل المعونة ، وإن الله يستخرج البلاء ، بصادق الدعاء ، وخالص الرجاء .
واعلم أن في الشدائد إذابة الكبر ، واستدرار الذكر ، وجلب الشكر ، وتنبيه الفكر.
فارحل بقلبك إذا الهم برك ، واشرح صدرك عند ضيق المعترك ، ولا تأسف على ما مضى ومن هلك ، فليس بالهموم عليما درك ، واعلم أنه لا يدوم شيء مع دوران الفلك ، وعسى أن تكون الشدة أرفق بك ، والمصيبة خير لك . فإذا ضاقت بك السبل ، وانقطعت بك الحيل ، فالجأ إلى الله عز وجل .
واعلم أن الشدائد ليست مستديمة ، ولا تبقى برحابك مقيمة، ولعل الله ينظر إليك نظرة رحيمة ، والدنيا أحوال ، وألوان وأشكال ، ولن تدوم عليك الأهوال ، فسوف تفتح الأقفال ، وتوضع عنك الأغلال ، واصبر وانتظر من الله الفرج ، فكأنك بليل الشدة قد انبلج :
لا تعجـلن فربمـا
فالعيش أحلاه يعـو
ولربما كره الفتـى
عجل الفتى فيما يضره
د على حـلاوته بمره
أمـراً عـواقبه تسره

واعلم أن الشدائد تفتح الأسماع والأبصار ، وتشحذ الأفكار ، وتجلب الاعتبار ، وتعلم التحمل والاصطبار ، وهي تذيب الخطايا ، وتعظم بها العطايا ، وهي للأجر مطايا .
فاطلب من الله الرعاية ، واسأله العناية ، فلكل مصيبة غاية ، ولكل بلية نهاية .كم من مرة خفنا ، فدعونا ربنا وهتفنا ، فأنقذنا وأسعفنا ، كم مرة جعنا ، ثم أطعمنا ربنا وأشبعنا ، كم مرة زارنا الهم ، وبرح بنا الغم ، ثم عاد سرورنا وتم ، كم مرة وقعنا في الشباك ، وأوشكنا على الهلاك ، ثم كان من الله الانطلاق والانفكاك ، أنت تعامل مع لطيف بعباده، معروف بإمداده ، جواد في إسعاده ، غالب على مراده ، فلُذ به وناده ، إذا داهمتك الشدائد السود ، وحلت بك القيود ، وأظلم أمامك الوجود ، فعليك بالسجود ، وناد يا معبود ، يا ذا الجود ، أنت الرحيم الودود ، لترى الفرج والنصر والسعود :
لطائف الله وإن طال المدى

كلمحة الطرف إذا الطرف سجى

كم فرج بعد إيـاس قد أتى

وكم سرور قـد أتى بعد الأسى

أيها الإنسان في آخر النفق مصباح ، ولِباب الهموم مفتاح ، وبعد الليل صباح ، وكم هبت للقانط من الفرج رياح .
أيها الظمآن وراء هذا الجبل ماء ، أيها المريض في هذه القارورة دواء ، أيها المسجون انظر إلى السماء ، أيها المتشائم امسك حبل الرجاء .
كن كالنملة في صعود وهبوط ، وعلو وسقوط ، ولا تعرف اليأس ولا القنوط ، ولا تعترف بالإحباط في كل شوط .
كن كالنحلة في طلب رزقها قائمة ، وفي حسن ظنها دائمة ، وعلى الزهور حائمة ، وفوق الروض عائمة وليست مع اليأس نائمة .
كن كالهدهد ، مع كل صباح ينشد ، ومع الربيع يتجدد ، وعلى بلقيس تردد ، وسليمان له تفقد ، فأسلم لربه ووحد ، وأنكر على من كفر وألحد ، فنال المجد المخلد ، والذكر المؤبد .
أيهـا المشتـكي ومـا بك داء

كيـف تغـدو إذا غدوت عليلا

أترى الشوك في الورود وتعمى

أن تـرى فوقـه الندى إكليـلا

والـذي نفسـه بغيـر جمـالٍ

لا يرى في الوجود شيئاً جميلا


على رؤوس الجبال شمس من الفرج شارقة ، وعلى مشارف التلال هالة من النور بارقة ، وعلى كل باب للحزن من السرور طارقة .
افتح عينيك ، ارفع يديك ، لا تساعد الهم عليك ، ولا تدعو اليأس إليك .
السمك والقرش ، والطيور والطرش ، كلها ترجو رب العرش ، فاتجه أنت إليه ، واشك الحال عليه ، فإن فرجه أسرع من البرق الخاطف ، وله في كل لحظة لطائف .
اللهم اصرف عنا المصائب ، ورد عنا النوائب ، وكُف عنا كَفّ المعائب .
اللهم سهّل الحزون ، وهوّن المنون ، وأشبع البطون ، وافتح للمضطهدين أبواب السجون ، واجعل الخائفين من أمنك في حصون ، اللهم احلل الحبال المعقدة ، وسهل الأمور المشددة ، واكشف السحب الملبّدة ، وأجب سهام الليل المسددة .
اللهم اجعل لليل همومنا صباح من الفرج يشرق ، ولظمأ أكبادنا نهر من الأمل يتدفق ، ولجراح مآسينا يد بالشفاء تترفق .
اللهم أغننا عن الناس ، وارزقنا مما في أيديهم اليأس ، ورد عنا البأس ، واجعل التقوى لنا أجمل لباس ، وأقوى أساس .
لك الحمد حتى يملأ طباق الغبراء ، وأجواء السماء ، ولك الثناء حتى تشدو به الأطيار ، وتميل به الأزهار ، ويحمله الليل والنهار .
ولك المجد يا ذا الجود ، ما قام الوجود ، وسال الماء في العود ، ونصب للحياة عمود
هل يرجى سواك ، هل يعبد إلا إيّاك ، هنيئاً لمن دعاك ، وطوبى لمن ناجاك .
والصلاة والسلام على عبدك ومصطفاك ، وحامل هداك .
وختامـاً :
اشتدي أزمة تنفرجي
قد آذن ليلك بالبلج







المقـامَــة الشبـابيّـــة
 إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى 
بكيتُ على الشباب بدمع عيني
فيا أسفاً أسفتُ على شبابٍ
عَريتُ من الشباب وكان غضا
ألا ليت الشبابَ يعود يوما
فما نفع البكاءُ ولا النَّحيبُ
نعاه الشيبُ والرأس الخضيبُ
كما يَعْرَى من الورق القضيبُ
فأخبره بما فعل المشيبُ

قال الراوي : دخلنا على جماعة من الشباب ، قد أسدلوا الشعر وأسبلوا الثياب ، ووقعوا في جدال وسباب ، فقام خطيبنا فقال وأصاب ، وأقسم بمن أنزل الكتاب ، وأجرى السحاب ، وهزم الأحزاب ، أن الشباب أمل الأمة المنشود ، وعلمها المعقود ، وسجلها المحمود ، ثم التفت إلى الشباب فقال ، وقد فاض دمعه وسال : ما لكم خالفتم السنة ، وهجرتم طريق الجنة ، تركتم هدي النبي ، وتشبهتم بالأجنبي ، قال أوسطهم طريقة ، وأعرفهم حقيقة : لماذا وجهت الكلام إلينا ، وماذا تنقم علينا ؟
قال الخطيب : سبحان الملك القدوس ، ما أغبى هذه النفوس!،أليست أوقاتكم في القيل والقال ، وإضاعة المال ، وهدر الساعات الطوال ، قصَّرتم في الطاعة ، وبالغتم في الإضاعة ، وفرطتم في صلاة الجماعة ، هجرتم القرآن ، وأطعتم الشيطان ، وغرّكم الشباب الفتّان ، ألستم أحفاد المهاجرين والأنصار ، وأبناء الأبرار ، وعليكم تعلق الآمال الكبار . فقام أصغرهم ، وهو في العين أحقرهم ، فقال : أيها الخطيب ، يكفي هذا التأنيب ، فإنهم قالوا : لا ينفع التهذيب في الذيب ، واعلم أنا في عصر الصبا ، كنبت الربى ، وكم من سيف نبا ، وضوء خبا ، وجواد كبا ، فلا تشمت بنا العِدا ، ولا تكثر المرا ، قال الخطيب : عجب ، أيها الخب ابن الخب ، أتيت بعذر أقبح من ذنب ، أتعتذر بالشبيبة ، لعمل كل خيبة ، فهذه مصيبة ، هؤلاء الصحابة ، كلٍّ حفظ شبابه ، وحمل كتابه ، وخاف حسابه ، وهل عندكم عهد وأمان ، من طروق الحدثان ، أم أنكم في لهوكم تلعبون ، ولهواكم تركبون ؟
قال قائل منهم ، وقد ناب عنهم ، يا عم : ما كان الرفق في شيء إلا زانه ، وما نزع الرفق من شيء إلا شانه . ونحن في مقتبل العمر ، وفي غفلة من الدهر ، فدعنا نبهج ابتهاج الزهر ، ونقبل على الدنيا إقبال القطر ، كما قال الشاعر :
أقبل على اللذات ويحك إنه

تطوى بك الأيام والساعاتُ

واترك مواعظ من يُخوِّف بالردى

قبل الردى يا صاحبي أوقاتُ

قال الخطيب والذي قرّت بحبه العيون ، وأزال بالعلم الظنون ، إنكم في غيّكم تلعبون ، ومن حتفكم تطربون ، أين العقول هل ذهبت ، أين البصائر هل سُلبت ، أما ترون أنه يُساق بكم إلى القبور ، وكل واحد منكم مغرور ، تغترون بالمُهلة ، وتظنون أن الأمور سهلة :
فلا تقل الصبا فيه امتهال
تفـر من الهجيـر وتتقيه
وفكر كـم صبيٍّ قد دفنتـا
فهلاّ من جهنم قد فررتـا

يا قوم : الأنفاس تكتب عليكم ، والمنايا تزف إليكم ، فقال أحدهم : فماذا نفعل أيها الواعظ ؟ فإني أراك تنتقد وتلوم وتلاحظ ، هل ترانا في حياتنا أخطأنا ، وعن مناد الصلاح أبطأنا ؟ قال الخطيب : أين نور الهداية ، وحسن البداية ، والاستعداد للنهاية ، المساجد منكم مهجورة ، والمقاهي بكم معمورة ،كل منكم ركب لهوه وطيشه،وأقبل على الدخان والشيشة ، تسبلون الإزار ، وتطيلون الأظفار ، وتقلّدون الكفار ، تضيّعون الصلوات ، وتقعون في الشهوات ، وتسهرون الساعات ، وتزجون الأوقات ، لم تفلحوا في دنيا ولا دين ، وأراكم في غيّكم قاعدين ، لستم في صلاح ولا طاعة ، ولا سنة ولا جماعة ، ولا صناعة ، ولا زراعة ، ولا جلب بضاعة .
شباب الغرب في المصانع عاكفون ، وإلى العمل منصرفون ، وفي التجارة محترفون ، وبالجد والمثابرة متصفون ، المهندس منهم في صناعته ، والفلاح في زراعته ، والتاجـر في متابعة بضاعته ، والطبيب في عيادته .
وأنتم ماذا فعلتم ، وأروني ماذا عملتم ؟
أحدكم في الليل جيفة ، وفي النهار ريشة خفيفة ، فَصَلْتم من الجامعة ، وهجرتم القراءة والمطالعة ، وجلستم على القارعة ، كل منكم قد أزعج شارعه، شغلتكم الأغاني والأماني عن المثاني ، للرياضة تشجعون ، وللمنتخب تتابعون ، وللملاعب تسارعون ، وفي اللهو واللغو بارعون ، حياتكم فوضة ، تتابعون آخر موضة ، كأنكم أطفال الروضة.
متى عهدكم بالقرآن ، هل حفظتم شيئاً من سنة ولد عدنان ، لا تعرفون المؤلفين والمكتشفين ، والمخترعين والبارعين ، ولا تذكرون أحداً من العلماء والحكماء ، والأدباء، والأولياء ، حفظتم عن ظهر قلب أسماء المغنيّين ، واللاعبين ، واللاّهين، والمسرحيّين ، والممثلين ، عققتم الأوطان ، وأطعتم الشيطان .
هَمُّ أحدكم حذاء وساعة ، وميدالية لمّاعة ، كأنه شمّاعة .
ما لكم أهداف سامية ، ولا همم عالية ، ولا أخلاق غالية ، ما عندكم عزائم ، أصبتم بإحباطاتٍ وهزائم ، مقصد أحدكم الأفراح والولائم .
ألستم أحفاد الراشدين ، وأبناء المجاهدين ، وسلالة العابدين .
صار همّ أحدكم ثياب فاخرة ، وجلسات ساخرة ، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة . كأنكم أطفال يفرح أحدكم بركوب السيارة ، ومشاهدة الطيارة ، ومعايشة السيجارة ، تحفظون أسماء اللاعبين ، وتغفلون عن أسماء العلماء العاملين ، اتركوا الشوارع، واخرجوا إلى الجوامع ، اذهبوا إلى المصانع ، هبوا إلى المزارع ، هيّا إلى الحدادة والنجارة ، هيّا إلى الصناعة والعمارة ، هيّا إلى البيع والتجارة ، هيّا إلى الورشة والنشارة .
نريد منكم علماء وحكماء وأطباء وأدباء .
شباب الحق للإسلام عودوا
وأنتم سرّ نهضتـه قديـماً
فأنتم مجده وبكم يســود
وأنتم فجره الباهي الجديد

فقال أحدهم وقد تسربل بالخجل ، وتكنفه الوجل ، فتكلم على عجل ، فقال : لسنا سبب الضياع ، وإنما آباؤنا الرعاع ، أهملونا من زمن الرضاع ، ما أعطونا من ماء التربة ولو قطرة ، وفي الحديث كل مولود يولد على الفطرة .
ما كانوا يسألون عنّا ، كأنا لسنا منهم وليسوا منّا ، ربّونا تربية الدواب، وعلمونا تعليم الأعراب ، فنفوسنا من الآداب خراب .
أشغلونا بالتلفزيون ، والتلفون ، وسيّـبونا في السكك مع شباب يهمزون ويغمزون ، ما أخذونا إلى المساجد ، ما عرّفونا على عالم واحد ، ما حفّظونا الآيات البيّنات ، ما علّمونا الأحاديث النبويّات ، أهملونا للمجلاّت الخليعات ، والأفلام المائعات، والسهرات الضائعات . غرسوا فينا حب الرذيلة ، وكراهية الفضيلة ، علّمونا سوء الأدب ، وكثرة الضحك من غير سبب ، وسرعة الغضب ، وإضاعة الطلب .
فقال الخطيب : قد سمعت ما قلت ، وأنت بالحق نطقت ، وبررت فيما قلت وصدقت ، ولكن ما عذركم الآن ، وقد وضح لكم الربح من الخسران ، والتوفيق من الخذلان ، وقد قال شاعر أصفهان :
هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها

ما بال أشيب يستهويه شيطان

فليس لكم عذر في الآباء ، ولا تزر وازرة وزر أخرى ، أيها الأبناء ،جددوا التوبة، وأصلحوا الأوبة ، وارقعوا بيد الصلاح ما تمزق من ثوب الأعمار،واغسلوا بدمع الندم ما تركته الذنوب من غبار ، واتركوا مصاحبة الفجّار ، ومصادقة الأشرار ، ومرافقة الشطار ، والتشبه بالكفار ، أقبلوا على الحياة السعيدة ، واعكفوا على الكتب المفيدة ، وتخلّقوا بالأخلاق الحميدة ، واحملوا الآداب الرشيدة ، حافظوا على تكبيرة الإحرام ، واجتنبوا الحرام ، وتوبوا من العشق والغرام ، وارتفعوا إلى منازل الكرام ، تذكّروا الموت وسكرته ، والقبر وظلمته ، والحساب ودقته ، والصراط ومزلته ، تفكروا في البعث والنشور ، يوم يبعثر ما في القبور ، ويحصّل ما في الصدور ، وينفخ في الصور ، ويعضُّ على كفه المثبور ، وتقصم الظهور .
والله لو عاش الفتى في عمره

ألفاً من الأعـوام مالك أمره

ما كان ذلك كله في أن يفي

فيها بأول ليـلة فـي قبـره

فلما سمعوا كلامه ، وشاهدوا مقامه ، غلبتهم الحسرة والندامة ، ووضع كل منهم على وجهه أكمامه ، وبكوا بكاء من عاين القيامة ، وتذكر لياليه وأيامه .
فرفع الخطيب يديه ، واجتمعوا عليه ، ودنوا إليه ، فقال: اللهم يا قويّ الأسباب ، يا كريم الجناب ، افتح لعبادك الأبواب ، وتب على من تاب ، وارحم هؤلاء الشباب ، فإنك تقيل العثرات ، وتغفر الزلات ، وتعفو عن السيئات ، وتتجاوز عن الخطيئات ، اللهم أصلح قلوبهم ، واستر عيوبهم ، واحفظ غيوبهم ، واغفر ذنوبهم .
ثم قال الخطيب : هيّا بنا إلى المسجد ، لنركع ونسجد ، ونصلي ونتعبد ، ونعود إلى الله فالعود أحمد ، ونقتدي بالرسول محمّد .
فسمعوا نداءه ، وأجابوا دعاءه ، وذهبوا وراءه ، فأصلح الله لهم البال ، ووفقهم لأحسن الأعمال ، وأزكى الأقوال ، وأشرف الأحوال ، فصاروا كالنجوم الزاهرة ، والبدور الباهرة ، بقلوب طاهرة ، وأعمال بالخير ظاهرة .


المقـامَــة السيـاســيّــة
(( كل بطـاّح من الناس له يــوم بطـوح ))

من مخبر القوم شطت دارهم ونأت
عفت السياسة حتى ما ألم بها
لأنَّها جَشَّمِتني كلَّ نائبةٍ
أني رجعت إلى كتبي وأوراقي
وقد رددت إليها كل ميثاقِ
وأنّها كلفتني غير أخلاقي

مالك في ديار السياسة تجوس ، اهرب من ساس يسوس ، أما علمت أن وجهها منحوس ، ورأسها منكوس ، وهي التي قطعت الرؤوس ، وأزهقت النفوس ، وضيّعت الفلوس ، وحملت الناس على اليمين الغموس ، طريقها معكوس ، وعلى جبينها عبوس ، سودت الطروس ، وكسرت التروس ، وخلعت الضروس ، كسفت من أجلها شموس ، وفتحت بظلمها حبوس ، وقطعت بجورها غروس ، كانت الدنيا قبلها عروس ، وهي التي عطلت الناموس ، وأباحت المحرمات للمجوس .
لا تل الأحكام وإن هموا سألوا

إن نصف الناس أعداء لمن ولي الأحكام وهذا إن عدل

عقرت هارون الرشيد في طرطوس ، وقتلت محمد بن حميد في طوس ، واجتاح بها ديار الإسلام أهل البوق والناقوس ، إذا أقبلت تدوس ، وإذا أدبرت تحوس ، بذريعتها لعب الأمريكان في العالم والرُّوس ، تدبّ في القلوب كالسوس ، وتختفي في العقول كالجاسوس ، عاشقها يتخبطه الشيطان كأنه ممسوس ، أشار إليها الحسين فخطفت رأسه، ومازحها الحجاج فخلعت أضراسه ، وداعبها أبو مسلم فأحرقت لباسَه،وزارها مصعب فقتلته وحراسه ، وأحبها يزيد فقطعت أنفاسه ، وصافحها المختار فمزقت أحلاسه ، وأحبها المهلب فاقتلعت أساسه ، وعشقها المتوكل فسلطت عليه جُلاّسه ،وشربها القاهر فكسرت عليه كأسه ، وعانقها ابن الزيات فأحرقت قرطاسه ، وجالسها ابن المقفع فأبطلت قياسه ، كم من ذكي ضيعت مراسه ، وكم من غبي أخرجت وسواسه ، السياسة بالنفاق نجاسة ، وبالغباء تياسة ، وبالغدر تعاسة ، وبالجور خساسة ، وبالظلم شراسة ، اجتنبها أهل الكياسة ، ومات في حبها أهل الرياسة ، بذلوا في حبها الدين والحماسة ، وما حصلوا إلا على التعاسة ، تقاتلوا عليها حسداً ونفاسة ، قُتل البرامكة لأجلها بحجة عباس وعباسة ، فأصبحوا بعد الملك خبراً في كراسة ، وبعد الوزارة دفتراً على ماصة ، هي الوسواسة ، الخناسة ، تذهب بالنجابة والكياسة ، وكم من شجاع أذهبت باسه ، وعقرت أفراسه ، أهلها يُسمّون ساسة ، كل منهم قد حمل على أخيه فاسه .
سعيد النورسي ، بالسياسة نسي ، لينين واستالين ، قتلوا بالسياسة الملايين، فكتبوا في تاريخ الملاعين ، هولاكو الغازي ، وهتلر النازي ، قتلوا باسم السياسة الإنسانية فأصبحوا في الخانة المنسية .
الكلب أكرم عشرة
من معشر طلبوا الرئاسة
وهو النهاية في الخساسه
قبل تحقيق الرئاسه

كسر كسرى بالسياسة ظهور أهل فارس ، فقيل له :لم فعلت ذلك ؟ فقال: ساس يسوس فهو سائس ، وقصّر قيصر بالسياسة أعناق الروم ، فقيل له لم هذا الصنيع يا محروم ؟ فقال : أردت إصلاح البلاد ، ورحمة العباد .
كدعواك كل يدعي صحة العقل
ومن الذي يدري بما فيه من جهل

بقنابل سياسة العميان ، دمرت اليابان ، وقتل الصرب الألبان ، واحتل الروس الأفغان ، وجلد المستضعفين شاه إيران ، واعتدى الألمان على الجيران . لكن ذكر كل كافر بربه ، آية :  فَكُلاَّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ  .
وكل ما سبق حديثٌ عن السياسة الفاجرة الكافرة ، الساحرة الساخرة .
وهي السياسة البدعيّة ، القائمة على ظلم الرعيّة ، وإهدار الحقوق المرعيّة ، من رأسمالية ، وبعثية ، ونازية ، وشيوعية ، وصان الله من ذلك السياسة الشرعية، لأن السياسة الشرعية رحمة بالبشر ، واتباع للأثر ، ومحاربة من كفر ، وردع من فجر، وهي التي على دستور عمر ، إمام السياسة الشرعية الرسول ، أعدل العدول ، وأفقه الناس في المنقول والمعقول ، وصاحبه الصديق ، بالأمة رفيق ، له عهد مع العدل وثيق ، وقلب من التقى رقيق ، وتلميذه عمر الذي كان وهو خليفة يئن من الجوع ، ويلبس المرقوع ، وتغلبه الدموع ، أولئك هم الناس ، وبهم يضرب القياس ، ويحل الأمن ويدفع الباس .
وليس لمن خالفهم إلا الإفلاس ، والابتئاس ، والاتعاس ، ليت السيوف الحداد ، لا تعاون أهل الفساد ، في ظلم العباد ، فبسياسة الجور والعناد ، قتل الحسين بسيف ابن زياد . بأيّ سياسة يُكرم جهلة الأنباط ، وتدفع الجوائز لأهل الانحطاط، ويُجلد أحمد بن حنبل بالسياط ، على البلاط :
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
ويا نفس جدِّي إن دهرك هازل

بأْيّ سياسة يتولى الوليد بن يزيد ، وهو الرعديد ، البليد ، المريد ، وهو الذي فتح المصحف فوجد فيه : واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ، غنته الجارية وهو في السكر ، والنكر ، شارد الفكر ، ذاهب الذكر ، تارك الشكر ، فقال من الطرب : إلى أين أطير ، قال العلماء : طر إلى السعير يا عير .  فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ 
بأي سياسة يصبح الحجاج الوزير ، صاحب الدف والزير ، ليقتل ابن الزبير ، بلا قصاص ولا تعزير .
بأي سياسة يُذبح سعيد بن جبير ، العالم النحرير ، والمحدث الشهير ، وتعطى الجوائز لزرياب ، وتخلع عليه الثياب ، والعلماء يُدفعون عند الأبواب . لو أن المأمون فقه سنة الرسول الأمين ، ولو أن المعتصم درس سنة المعصوم ، لما عذبوا أحمد بن حنبل ، سمّي أحمد النبي المبجل ، لأن أحمد بن أبي دؤاد ، أشغلهم عن الإسناد ، بأقوال أهل الفساد ، وبنقولات فلاسفة بغداد ، وجهلة السواد .
يا لها من سياسة خربانة ، تكرم الزنديق وأعوانه ، وتضع ابن تيمية في زنزانة ، وتحجب عنه إخوانه ، بالسياسة تغزو العالم المزدكية ، وتحكم بغداد الأسرة البرمكية ، ويقتل ذو النفس الزكيّة ، بأي سياسة خرج التتار ، بكل بتار ، فخربوا الديار ، وقتلوا الصالحين الأبرار ، وهدموا كل مسجد ودار، براءة من الله ورسوله إلى سياد بري، لأنه على الدماء جري ، شنق علماء المالكية ، والشنق عند مالك حرام بالكليّة .
دستم من رستم ، مع هليا مريام منجستم ، يا كم تنجستم ، وغرتكم الأماني وتربصتم . بأي سياسة سمى الشيوعيون أنفسهم بالرفاق ، وهم أهل النفاق ، والشقاق ، وسوء الأخلاق . كنىّ أبو جعفر الخراساني أبا مسلم ، فلما ذبحه قال : مت يا أبا مجرم .
أبو مسلم تبختر ، وتكبر ، وتجبر ، فبقر بطنه أبو جعفر ، بالخنجر ، فسحب بعد الملك في السلك وجرجر ، ما شاء الله يجلس الخليفة في بغداد ، على الوساد،ويصفق له العباد ، ويحرسه الأجناد ، فتغنيه الجارية بصوت جميل ، وشَعْرها يميل :
قفا نبكي من ذكـرى حبيب ومنـزلِ

فيقع الخليفة في الطرب ، فيصب على الجارية الذهب ، وأحمد بن حنبل مسجون في الحق بلا سبب . يجلس الخليفة العباسي ، على الكرسي ، ويقول : يا ناس قبّلوا رأسي ، وامسحوا مداسي ، وقربوا قرطاسي .
فيقوم شاعر طرطور ، منافق مدحور ، فيقول : ما خلق الله مثلك أيها الخليفة ، فأنت صاحب الأخلاق الشريفة ، والمعاني اللطيفة ، والأمجاد المنيفة ، فيقول الخليفة : يا غلام : أعطه ألف دينار ، واكتبوه من خدم الدار ، فشِعْره تاج الأشعار ، هذا وسفيان الثوري عالم الديار ، وزاهد الأمصار ، لا يجد كسرة خبز طيلة النهار .
بأي سياسة يشرد الشعب المسلم من فلسطين على الفور ، بوعد بلفور ، وقلوبه على الظلم تفور ، والعالم الإسلامي بارد جامد هامد ، جاحد شارد خامد ، لا يثور كأنه مغمور أو مغرور ، أو مسحور ، ويحتل فلسطين اليهود ، إخوان القرود ، بلا حدود ، ولا قيود ، ولا شهود :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم
لا يسألون أخاهم حين يندبهم
بنوا اللقيطة من ذهل ابن شيبانا
طاروا إليه زرافات ووحدانا
في النائبات على ما قال برهانا




المقـامَــة المكـيّــة
 لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ 
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
وهل أردن يوماً مياه مجنة
بوادٍ وحولي إذخر وجليل
وهل تبدون لي شامة وطفيل

قال الراوي : قد أظهرت لنا يقين الحديث وشكّهْ ، فحدثنا عن مكّة ، قلنا : مكة هي المهبط والمسقط والمربط والأوسط ، فهي مهبط القرآن ، ومسقط ميلاد سيد ولد عدنان ، ومربط خيول أهل الإيمان ، وأوسط البلدان.
مكة قلب المعمورة ، على الحسن مقصورة ، وفي حجال المجد مستورة ، أذن بها الخليل ، وسُحق بها أصحاب الفيل ، بالطير الأبابيل ، اختارها علام الغيوب ، فهي مهوى القلوب ، وملتقى الدروب ، وقبلة الشعوب ، هي أرض ميلاد الرسالة والرسول ، كان لجبريل بها صعود ونزول ، منها ارتفع الإعلان والأذان والقرآن والبيان ، أذّن منها بلال بن رباح، وسُلت فيها السيوف ، وامتشقت الرماح ، وأُعلن فيها التوحيد ، وهو حق الله على العبيد ، وهي أول أرض استقبلت الإسلام ، وحطمت الأصنام .
بها بيت الملك الأجل ، والكعبة التي طاف بها الرسل ، سوادها من سواد المقل ، وهي أرض السلام ، وقبلة الأنام ، يفد إليها المحبون ، على رواحلهم يخبون . ويتجه إليها المصلون ، ويقصدها المهلّون ، فهي قبلة القلوب ، وأمنية الشعوب ، وراحة الأرواح ومنطلق الإصلاح ، على ثراها نزلت الهداية ، ومن رباها كانت البداية ، على رمالها مزقت الطغاة ، وعلى ترابها سحقت البغاة ، ومن جبالها هبت نسائم الحريّة ، ومن وهادها كان فجر الإنسانية .
تمنيت الحجاز أعيش فيها
سقى الله الحجاز وساكنيها
فأعطى الله قلبي ما تمنى
وأمطر كل رابية ومغنى

على بساط مكة ولد العرفان ، وأكرم الضيفان ، ومن مغانيها رضع الشجعان ، وفي بطحائها هاشم وابن جدعان …
لا ينكتون الأرض عند سؤالهم

لتطلب الأعذار بالعيدانِ

بل يشرقون وجوههم فترى لها

عند السؤال كأحسن الألوانِ

وإذا الغريب أقام وسط رحالهم

ردّوه رب صواهل وقيانِ

وإذا دعا الداعي ليوم كريهة

سدوا شعاع الشمس بالفرسان

في مكة تثور شجون الحب ، وتضج بلابل القلب ، فيها التأريخ يتكلم ، والدهر يتبسم ، والذكريات تتداعى ، والأمنيات تقبل تباعاً ، هنا غمغمات السيول ، وصهيل الخيول ، وتنحنح السادات ، وتزاحم القادات ، إقبال وفود ، وانطلاق جنود ، وتزاحم حشود ، وارتفاع بنود ، هدى وضلالة ، علم وجهالة ، وهنا كرم وبسالة ، وحي ورسالة ، عالم يمور بالعبر ، ديوان يزخر بالسير ، دفتر للعظماء ، سجل للشرفاء :
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيـس ولـم يسمر بمكة سـامرُ

بلى نحـن كنـا أهلهـا فأبادنــا

صروف الليالي والجدود العواثرُ

في مكة رؤوس بالأنفة متزاحمة ، وجيوش للثأر متلاطمة ، أفكار وحضارات ، ونواد ومحاضرات ، سير وسمر ، في ضوء القمر ، أنباء وأخبار ، قصص وأشعار، حتى كان النبأ العظيم ، وهو الرسول الكريم ، فيصغر بعده كل خبر ، وينسى من جاء ومن غبر ، فهو أعظم أثر ، جاءت به السير .
نسخت كل دواويـن المكـارم ما
مـا
خط الأنام برسم اللوح والقلمِ

فالشمس والقمر المنشق قد خضعت

لنور وجهك من حسـن ومن كـرمِ

يوم بعث استدار له الزمان ، وأنصَت له الثقلان ، وتشاغلت به الأقلام ، ورحبت به الأيام ، وأنصت له الأنام ، فهو ابن مكة البار ، وبطلها المغوار ، ورسولها المختار .
إذا أقبلت على البلد الحرام ، فتذكر ذاك الإمام ، عليه الصلاة والسلام .
مكة تذكرك البأساء والنعماء ، والنور والظلماء ، والسعادة والشقاء .
مكة كتاب مفتوح ، وسِفْر مشروح ، يجمع بين أحاديث النجاة والخسران ، والكفر والإيمان ، والعدل والطغيان ، تذكرك مكة الشرك الكالح ، والجهل الفاضح ، والوهج اللافح ، يوم كانت الأوثان تُقدَّس ، والأصنام تأسس ، تسجد لها النفوس الخاوية ، والعقول الجافية ، يوم غاب الرشد ، وأفل السعد ، وغرب الميثاق والعهد ، يوم كان الإنسان كالبهيمة ، بلا قيمة ، والقلب في شباك الجريمة ، وفي ظلمات وخيمة :
فقل للعيـون الرمـد للشمـس أعيـنٌ

تراها بحق في مغيـب ومطلعِ


وسامح الله عيوناً أطفأ الله نورها

بأهوائها لا تستفيـق ولا تعي

وتذكرك مكة يوم انفجر الفجر ، وارتفع الذكر ، ومحق الكفر، يوم أنصتت الدنيا بأُذن سميعة ، وأقبل الدهر بخطاً سريعة ، وانتفض الكون للكلمة الخالدة ، واهتز العالم بالدعوة الراشدة ، لا إله إلا الله ، لا معبود بحق سوى الله ، لا بقاء إلا لله ، وتذكرك مكة بالوحي وهو يتنـزّل ، والقرآن وهو يرتّل ، وجبريل الروح ، يغدو ويروح ، وباب الرحمة المفتوح ، والعطاء الرباني الممنوح ، فيالها من ذكريات يهتز لها الجسم ذرة ذرة ، ويقوم لها الرأس شعرة شعرة ، ويا لها من صيحة دوّت في العالم فاستيقظ بها كل نائم ، واهتدى بها كل هائم ، ويا له من خبر طرق الكون فصحا ، ومحق الشرك ومحا .
توقف الزمان منصتاً ، وسُلَّ سيف الجهاد مصلتاً .
هنا الأماني هنا الأمجاد قد رفعت

هنا المعالي هنا القربى هنا الرحمُ

هنا القلـوب استفاقت من معاقلها

هنا النفـوس أتت للحق تزدحـمُ

هنا رواء هنـا فجـر هنـا أمل

هنا كتـاب هنا لـوح هنا قلـمُ


التعبير يخون ، والنفس فيها شجون ، والذاكرة بالصور موّارة ، ونور الحديث قد نصب في القلب منارة ، إذا ذكرت مكة ذكر غار حراء ، والشريعة الغراء ، والوحي والإسراء ، فكأن التأريخ حضر ، وكأن الزمان اختصر ، وكأن الدنيا كلها في مكة محصورة ، وكأن الأيام في أجفان مكة مقصورة .
مكة ملاعب الصبا والشباب ، لصاحب السنة والكتاب ، فيها مسقط رأسه ، وفضاء أنفاسه ، فيها مراتعه ، ومرابعه ، ومهاجعة .
هذي بلادي وهذي منتهى أملي

هذا التـراب الذي أهديته زجلي

هذا المكان بـه ميـلاد قدوتنا

هذا رياض الهدى والسادة الأُوَلِ

كيف نعبر عن أشواقنا ، وقد سافر حبه في أعماقنا ، لأنه صلى الله عليه وسلم أملنا المنشود ، ومجدنا المحمود :
في كفك الشهم من حبل الهدى طرف
طرف
على الصراط وفي أرواحنا طرفُ

هيهـات رحـلة مسـرانا جحافلنـا
كما عهدت وعزمـات الورى أنفُ

وعلى رمضاء مكة ثأر وجراح ، وعويل وصياح ، حيث عُذب بلال بن رباح ، أما تقرأ على الرمضاء ، ما كتبته الدموع والدماء ، يقرؤها كل عالم وجاهل ، وقل جاء الحق وزهق الباطل . تفجّعٌ صارخ يصعد إلى السماء ، وصيحاتٌ ثائرة تشق الظلماء ، أحدْ أحدْ ، فرد صمدْ ، على رغم من كفر وجحد ، تطلق هذه القذائف حنجرة بلال ، فتهتز بها الجبال ، وتنتفض منها التلال .
أحدٌ هتفتَ بها لكـلِّ معطـِّل

أنت المـؤذن للرسـول فرتِّلِ

واهزم بصوتك كل طاغٍ فاجـر



واسحق بقولك كل زحف باطلِ

وعلى جبين مكة قبلات المحبين ، وفي جوفها زجل المسبحين ، وفي عينيها آية للسائلين ، مكة أم الخلفاء الراشدين ، مكة بلد العابدين ، وميدان المجاهدين ، وعرين الفاتحين ، وجامع الموحدين ، ومدرسة الحكام العادلين :
وفي رُبى مكة تأريـخ ملحمـة

على ثراها بنيـنا العالم الفانـي

إذا قربت من مكة فتهيّأ للدخول ، واستعد للنـزول ، والبس الإحرام، عند عناق البيت الحرام ، لأنك سوف تلج بيت الديَّان ، ومحط العرفان ، ودار الرضوان ، هنا المسلك الأرشد ، والمحل الأسعد ، والحجر الأسود ، هنا المقام الكريم ، والمطاف العظيم ، وزمزم والحطيم ، هنا العابدون والساجدون ، والعاكفون ، والقائمون ، والمستغفرون . هنا تسكب العبرات ، وتهمل الدمعات ، وتنبعث الآهات ، وتصعد الزفرات . هنا تغسل النفس من الأدران ، ويتخلّص القلب من الأحزان ، وتنطلق الروح من العصيان ، هنا ترمى الجمرات ، وتحط الغدرات ، وتخلع الفجرات ، وتغسل السيئات ، هنا يتجرد من الثياب ، ويتهيأ للحساب ، فحبذا هذه الرحاب ، وطوبى لهذه الشعاب ، هنا تناخ المطايا ، وتحط الخطايا ، وتكثر العطايا ، هنا السرور قد تم ، والشمل قد التم ، وذهب الهم والغم .


المقـامَــــة الـمـدنـيّــــة
 وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ 
أمر على الديار ديار ليلى
وما حب الديار شغفن قلبي
أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
ولكن حب من سكن الديارا

لما وصلنا المدينة ، والنفس لمن في الروضة مدينة ، قلت : سلام يا طيبة ، لما رأيناك ذهبت الخيبة . لحبك أيتها الدار ، سال الدمع المدرار ، لمن ندخر الشجون ، لمن نخبئ الدمع الهتون ، هذا وقت البكاء يا محب ، هذه لحظة الشوق يا قلب .
المدينة تنفي خبثها ، وينصع طيبها ، ويطمئن ساكنها ، ويرتاح حبيبها .
لما رأينا الربع سال دموعنا
أنا لست أذكر ربع من قتل الهوى
شوقاً لساكنه ومن يهواهُ
لكن أرتل ذكر من أحياهُ

إذا أتيت طيبة ، فأعط قلبك من التذكر نصيبه ، هنا المحراب ، حيث كان يصلي فيه من أُنزل عليه الكتاب ، هنا المنبر ، فتذكّر يوم كان يرقاه صاحب الجبين الأزهر ، هنا المسجد ، فالشوق يتجدد ، إذا علم أنه مصلى محمد ، هنا الروضة الخضراء ، يرقد بها من جاء بالشريعة الغراء ، هنا أُحُد جبل يحبنا ونحبه ، وهنا قباء يؤنسنا قربه ، المدينة هي محط موكب النبوة ، وبها كان للإسلام قوة ، منها سطعت شمس السُنّة ، وفيها تمت المنة ، وهي المدينة التي نصرت المختار ، بسيوف الأنصار ، بها حكم الشيخان ، وولد السبطان ، وعاش السعدان ، وترعرع الزيدان ، وأنشد الشاعران ، كعب وحسّان .
إذا دخلت المدينة فتذكر صاحب الملّة السمحاء ، والطريقة البيضاء ، هنا مسكنه ومنامه ، وممشاه وقيامه ، ورمحه وحسامه ، وشرابه وطعامه .
من المدينة خرج لبدر بجنوده ، وزحف إلى أحد في حشوده ، ومن المدينة بعث للملوك رسائله ، وعلم الناس فضائله . هي بيت ضيافته ، ودار خلافته ، في كل مكان منها له ذكريات ، وفي كل موضع له علامات .
قبل القلب على سفح اللوى
تنشد الربع وهل يخبرها
واقفات راجفات ماثلات
دارس فيه جلال الذكريات

المدينة تذكرك ببكاء أبي بكر في الصلاة ، وورعه وتقواه ، لو وضع الصخر على بساطه لكاد أن يذوب ، ولو زجر الشيطان بنصحه لأوشك أن يتوب . جمع الفضائل كأنه يسوقها بعصاه ، وحبُّ له في القلوب فلو أشار للجيش هيا إلى الموت ما عصاه .
والمدينة تذكرك بالدولة العمرية ، وتلك المناقب الأثرية ، عدل صار في العالم قصة ، وترك في حلق كل جبار غصة ، وزهد يقول الزهد : لا نستطيع معك صبرا ، وورع يقول له القلب : لا نعصي لك أمرا ، عمر بن الخطاب ، سل عنه المحراب ، بكاء فيه وتفجّع ، ونحيب وتوجّع . وإذا بصاحب هذه الدموع الآسرة ، يهز بهيبته القياصرة والأكاسرة ، معه بردة مرقعة ، وحذاء مقطّعة ، ثم تخفق قلوب الملوك على وقع حذائه ، وينام العدل على طرف ردائه .
والمدينة تذكرك بالوقفات الإيمانية ، في الحشايا العثمانية ، والمعاهد العفانية ، طهر يغتسل في نهره ماء الغمام ، وحياء يصيد بوداعته ورق الحمام ، وسخاء تضرب به الأمثال ، وتعجز عن مجاراته الرجال .
والمدينة تذكرك بسيف الله المنتضى ، وعبده المرتضي ، علي بن أبي طالب أبي الحسن ، الخطيب اللسن ، ناصر الدين والسنن ، بطل الأبطال حيدره ، هازم الكفره ، وصاحب السيرة العطرة .
ما هزني ذكر أشجان وأطلال
لكن هنا المجد والتأريخ قد جمعا
أو خيمة عرضت أو معهد بالي
فاكتب بدمعي آهاتي وتسآلي

إذا قالت روما : عندنا من الملاحم فصول ، وقالت باريس : عندنا ديقول، وقالت لندن : عندنا العالم المأهول ، فإن المدينة تقول : عندنا الرسول .
حي دار الهجرة ، وميدان النصرة ، وأرض الشهداء ، وجامعة العلماء . في ثرى المدينة سيد الشهداء ، حمزة المقدام ، وغسيل الملائكة الكرام ، ومن كلَّمه الرحمن ، وحفظة القرآن ، وزيد بن ثابت إمام الفرائض ، وحسّان بن ثابت شاعر الردود والنقائض، وأُبي بن كعب صاحب الذكر الحكيم ، وفيها من اهتز له العرش العظيم .
في المدينة ذكرى أبي ذر ، وهو يقول الحق المُر ، يدفع الباطل بزنده ، ويرد الدنيا بزهده ، وفيها ذكرى بلال وهو يرسل صوته في سماء الوحدانية ، وفضاء العبودية ، ومعناه تعالوا إلى ربكم أيها العباد ، وذروا الجاه والأموال والأولاد .
وذكرى أنس بن مالك خادم رسولنا ، كلما قيل : من لهذا العمل ؟ قال : أنا ، فينال بشرف خدمة المعصوم ، ما لا يناله أشراف أهل الدنيا لجلالة المخدوم ، وذكرى سعيد بن المسيَّب ، الولي المقرَّب ، ينهل الناس من مورد علمه ، ويعب العباد من نهر فهمه . وذكرى مالك بن أنس ، إذا تربع على كرسي العلم وجلس ، فكأن مجد الدنيا اختصر في تلك الساعة ، يوم تجتمع عظمة العلم وعظمة الطاعة .
وأعظم منقبة للمدينة أن رسول الله  يسكن في سويداء قلبها ، ويستولي على حبِّها ، وهذا سر مكانتها وقربها . يكفي المدينة فخراً ، أن أجلّ البشر ، وسيد البدو والحضر ، شرب ماءها ، واستنشق هواءها ، وارتدى سماءها ، وصافح ضياءها .
يكفى المدينة جلالة على مدن المعمورة ، تلك المناقب المأثورة ، وأجلّها مشي الحبيب على ثراها ، وتنقله بين قراها ، كلما طافت عينك على رباعها ، وهام قلبك في بقاعها ، ناداك منادي الذكريات ، يقول للأحياء والأموات : هنا محمد سجد، هنا محمد قعد ، هنا محمد رقد ، جلس في هذا المكان ، عبر هذه الوديان ، هرول في هذا الميدان ، نظر إلى هذه الجبال ، رقى هذه التلال ، شرب من هذا الماء الزلال ، زار هذه الدار ، نام تحت هذه الأشجار ، مضى من فوق هذه الأحجار .
في الدار أخبار يكاد حديثها
شوق فلو أن الحجارة حملت
يدع الفؤاد وما له سلوان
ما في الحشا لتصدع الصوان

يا أيتها النخيل الباسقات ، ربما مر بكن صاحب المعجزات، والصفات الباهرات ، فهل من حديث يستفاد ، وهل من ذكريات تعاد . إن كنت تمدح المدينة بسمو قصورها، وارتفاع دورها ، وعظمة جبالها ، وكثرة تلالها ، فقد غلطت في الثناء ، وقصّرت في واجب الوفاء ، إن للمدينة أسرارا ، وإن لها أخبارا . المدينة تخاطب القلوب قبل العيون ، وتستشير الدفين من الشجون ، لأن ترابها يحتفظ في ذاكرته بمشاهد تذوب لها الأرواح ، ولا يمحوها مرور الرياح .
ابك الديار وإلا فاندب الدارا
لا تبخلن بدمع سوف تنفقه
فإن في القلب أخباراً وأسرارا
إن شئت غصباً وإلا شئت مختارا

على ترابها آثار أقدام المختار ، وبصمات تنقله في تلك الديار ، وعلى ثراها دموع الأبرار ، ودماء الأخيار ، وفي سماءها تسبيحات المهاجرين والأنصار .
للمدينة صفحتان : صفحة الفرح ، وصفحة الأحزان .
فصفحة الفرح بها معالم النبوة الطاهرة ، وتلك الانتصارات الباهرة ، نفرح إذا ذكرنا بركات الرسالة ، ومواقف التضحيات والبسالة ، ونفرح إذا عشنا المعاني الإيمانية ، والنفحات الروحانية ، والمشاهد القرآنية ، ونفرح إذا تذكرنا كيف انتصر الحق المبين ، ودفع الباطل المهين ، وكيف استقبلت تلك القلوب أنوار الهداية ، وكيف انتهى الكفر إلى غير رجعة هذه النهاية .
ولكننا نحزن يوم فارق الحياة أكرم الأحياء ، ويوم انتقل إلى دار البقاء أجلُّ الأتقياء ، ونحزن لموت الصدّيق ، صاحب العهد الوثيق ، ونحزن إذا ذكرنا عمر الفاروق وهو بالخنجر يمزّق ، ودمه على ثيابه يتدفق ، ونحزن يوم ذُبح عثمان ، بسكين العدوان، نحزن إذا ذكرنا ذهاب ذاك الجيل القرآني الفريد ، وذاك القرن المبارك المجيد ، وتلك الطائفة الزاكية الراشدة ، وتلك الجماعة الخيّرة القائدة .
فصلى الله وسلم على من تشرّفت به تلك الأرض ، صاحب المقام المحمود يوم العرض ، عليه الصلاة والسلام ، ما هب نسيم الأسحار ، وسرى حديث السمار ، عليه الصلاة والسلام ، ما تمتم ماء ، وهبّ هواء ، وشعّ ضياء ، وارتفع سناء ، عليه الصلاة والسلام ، ما حنّ إلف ، وأومأ طرف ، وما ذرّ شارق ، وما لمع بارق ، ومادام سعد ، ودوى رعد ، وحل وعد ، وحفظ عهد ، عليه الصلاة والسلام ، ما خط قلم ، وزال ألم، ودامت نعم ، وزالت نقم ، وعلى آله وصحبه الكرام ، مادام في الأرض إسلام ، والسلام.


المقـامَــة النجـديّــــة
 بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ 
(( واحـرّ قلبـاه يا نجـــد ))
نحن أدرى وقد سألنا بنجد
وكثير من السؤال اشتياق
أطويل طريقنا أم يطول
وكثير من ردِّه تعليل

إذا ذكرنا نجد ، ثار الوجد ، واستجاب المجد ، يا نجد أنتِ مهبط وحي العربيّة ، ومسقط رأس الشاعرية ، على رحابكِ سفكت دماء المحبين ، وسالت دموع المعجبين ، وعلى بساطك وقعت جواهر البيان ، وبسقت لآلي العرفان .
يا نجد أنتِ أرض الحب والغرام ، والعشق والهيام ، في رأسكِ ذاكرة الأيام ، وفي صدركِ مفكرة الأحلام ، هنا ملاعب طسم وجديس ، ومفاتن امرؤ القيس ، ومعاطن العيس ، هنا سحر القافية يلعب بالأذهان ، هنا للشعر سوق ومهرجان ، وللحب روض وبستان ، جدد التوحيد في نجد فصار غضّاً طريًّا ، وولد الحب نجديّا ، وعاش الدين بها أبديّا ، وصار الوفاء بها سرمديّا ، لنجد في قلبي منازل وخيام ، وبيوت وأعلام ، ولها في ذاكرتي صور وأفلام ، ومشاهد وأحلام .
يقول الشاعر الدكتور العشماوي وقد أشجاني ، وشعره أبكاني .
يا عائـض القرنـي مازال الهوى

نجداً وإن زار الحجاز وأتـهمـا

قالوا قدمت إلى الرياض فمرحباً

ألفـاً وحيّا الله ذاك المقدمـا

يا صاحبي على نجد قفا نبكي ، ومن هواها تعالَ نشتكي ، في نجد أم البنين الأربعة ، وعامر بن صعصعة ، المطعمون الجفِنة المدعدعة ، والضاربون الهام يوم المعمعة . من نجد انطلق الموحّدون ، وأنشد منها قيس بن ميمون ، وفيها عشق عروة بن حزام والمجنون .


يـا صـاحبي قفا لي واقضيـا وطـراً

وحدثاني عن نجـد بأخبـارِ

هل أمطرت روضة الوعساء أو صدحت
حمامة البين أو غنت بأشعارِ

في نجد الخزامى والشيح ، والروض الفسيح ، والشعر الفصيح ، وشذا المسك تذروه الريح ، نجد ثلاثة أحرف نون ، وجيم ، ودال .
فالنون فنون ، وشجون ، وعيون ، وفتون .
والجيم جلال ، وجمال ، وجهاد ، وجلاد .
والدال في نجد سنة وكتاب ، وعلوم ، وآداب ، وأحساب ، وأنساب ، ومجدد الدعوة محمد بن عبد الوهاب .
جاءتنا حمامة ، من اليمامة ، فأخبرتنا أن مسيلمة ترك إسلامه ، وعصى إمامه ، فخلع خالد العمامة ، وربط حزامه ، وسل حسامه ، ففصل من مسيلمة الهامة ، وقص عظامه . فأهدت نجد المجدد ، والموحد ، والمسدد.
فالمجدد ابن عبد الوهاب ، جدد للتوحيد الشباب ، وألبسه أحسن الثياب ، فجزاه الله أوفر الثواب ، والموحد حصن الهمة الحريز ، وشارح كتاب المجد الوجيز ، الملك عبد العزيز ، والمسدد الرجل الممتاز ، الذي حوى كل فضل وحاز ، عبد العزيز بن باز.
من حنجرة نجد انطلقت في الظهيرة ، صرخة ودِّع هريرة ، ومن نجد أقبل الرجل المفضال ، والداعية الرحّال ، ثمامة بن أثال . ونجد لا تقبل الرذيل ، ولا تعشق الدخيل ، ولذلك قتلت العميل ، عامر بن الطفيل، لأنه كذب بالتنـزيل .
أقول لصاحبي والخيل تجري
تزود من شميـم عـرار نجد
بِنا بَيْن المجـرةِ والضمـار
فما بعد العشيـة من عـرار

حيّت دمشقُ نجداً فقال شاعرها ابن الخياط :
خذا من صبا نجد أماناً لقلبه
وإيّاكمـا ذاك النسيـم فإنه
فقد كـاد ريّاهـا يطيـر بلبـهِ
متى يسر كان الوجد أيسر خطبهِ

وحيّت بغدادُ نجداً فقال شاعرها الشريف الرضي :
يا صاحبي قفا لي واقضيا وطراً
وحدثاني عن نجد بأخبار

وحيّت القاهرة نجداً فقال أمير الشعراء أحمد شوقي :
جبل التوباد حياك الحيا
وسقى الله زماناً ورعى

وحيّت صنعاء نجداً فقد قال الأمير الصنعاني ، والعالم الرباني ، يرحب بإمام التجديد ، للتوحيد :
سلام على نجدٍ ومن حلّ في نجد

وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي


وحيّت جبال السروات نجداً فقال الشاعر الخثعمي :
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد

لقد زادني مسراك وجداً على وجد


من نجد هب جيش بكر بن وائل الشجعان ، فهزموا صاحب الإيوان ، كسرى أنو شروان . وسوف يهب من نجد بنو تميم ، في جيش عظيم ، لحرب الدجال الأثيم ، كما قال الرسول الكريم  : (( أشد أمتي على الدجال بنو تميم )) .
من نجد هب عمرو بن كلثوم ، بسيفه المثلوم ، على الملك الغشوم ، عمرو بن هند الظلوم ، ثم أرسل إلى الشعوب ، قصيدته التي تعصف بالقلوب :
ألا هُبّي بصحنك فاصبحينا
ولا تبقى خمور الأندرينا

فسارت في الناس مغربة مشرقة ، وجعلتها العرب معلقة .
ومن نجد المحدث الكبير ، والعالم الأثير ، صاحب الدر النثير ، يحيى بن أبي كثير .
نجد الهوى والسحر يا أرض الحمى

المجد فوق تراب صهوتك ارتمى

قيـس وليـلى والكميـت وجرول
ودموع عشـاق العقيـدة قد همى

وإليك هذا التفجع والتوجّع ، يشيّعه قلب يتقطع ، وعين تدمع ، وعقل من الحب يُصرع ، يقول عروة في عفراء ، وهو في نجد ذات مساء :
جعلت لعراف اليمامة حكمه
فو الله ما من رقية يعلمانها
فقالا شفاك الله والله ما لنـا
وعراف نجد إن هما شفيــاني
ولا شربـة إلا بهــا سقيـاني
بمكنون ما تحـوي الضلوع يدانِ

كيف تثبت أمام هذا الشعر هذه القلوب المسكينة ، التي كأنها ذبحت من الجوى بسكينة . وضع يدك الآن على قلبك وناد : السكينة السكينة .
من نجد خرج الأعشى يتمشى ، بعد أن تعشى ، فتوجه إلى المدينة ليعلن إسلامه ، فلقيه أبو سفيان فخاف مقامه ، وأعطاه خطامه ، ليعود لليمامة ، فعاد بجمله ، وأرخى زمامه ، وأطلق خطامه ، فأسقطه فكسّر عظامه ، فباء بالخسران والندامة ، وله قصيدة فريدة ، يصف ويبعث فيها همومه المريدة ، مطلعها :
ألم تغتمض عيناك ليلة ثرمدا
وعادك ما عاد السليم المسهدا

في نجد شعر عجب ، خذ شعر امرؤ القيس إذا شرب ، والأعشى إذا ركب ، والنابغة إذا رهب ، وزهير إذا رغب ، وابن كلثوم إذا غضب . شعر امرؤ القيس كالخمر المعتّق ، تكاد القلوب منه تتشقق ، والعروق تتفتق ، والدموع تتدفق ، فإذا سمعْتَه فترفق .
وشعر الأعشى ، كالحمَّى ، يتركك كالمغْمَى ، أو كأنك أعمى ، وهو من الغيث أهمى ، ومن النجم أسمى . وشعر النابغة سحر حلال ، لكنه يذهب عقول الرجال ، وله روعة وجمال ، وأبهة وكمال . وشعر زهير كالماء الزلال ، فيه صدق واعتدال ، وحق وجلال ، بعيد عن السخف والإملال . وشعر ابن كلثوم يسابق حسامه ، كأنه بروق تهامة ، لأن صاحبه طالب زعامة ، يريد العزة والكرامة .
لما كان الشعر في روابي نجد الخضراء ، وفي فيافيها الفيحاء ، كان آية في الحسن والنبل والبهاء . فلما دخل الشعر إلى القصور ، وسكن الدور، خرج كأنه جلد ثور، لا يطبخ في القدور ، ولا يهبط من النحور ، يحتاج البيان إلى خيمة مضروبة ، ورابية منصوبة وخضرة وخصوبة ، لترى الأمثال المضروبة ، والمعاني المرغوبة ، ولما صار القلم بجانب التلفاز ، والعقل بجوار الجهاز ، ذهب البيان والإعجاز ، وغرُب الإبداع والإنجاز .
والسلام على نجد التوحيد ، ما تردد تغريد ، وعذب نشيد ، وطاب قصيد ، وعاد عيد ، ورحمة الله عليكم أهل نجد إنه حميد مجيد .


المقـامَــــة الـسُّـعوديَّـــة
 وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ 
إذا بلغ الرضيع لنا فطاما
ونشرب إن وردنا الماء صفواً
تخر له الجبابر ساجدينا
ويشرب غيرنا كدراً وطينا

السعودية أرض التوحيد ، والمجد التليد ، والنهج الرشيد . وهي أرض الإنسان ، والبيان ، والإيمان ، والقرآن . لأنها دار الإنسان السوي ، والمؤمن الرضي ، التابع للمنهج المحمدي . ولأنها أرض البيان الخلاب ، والأدب الجذّاب ، واللغة الحية ، والموهبة الأدبية . ولأنها بلاد الإيمان فمنها أرسل الإيمان إلى العالم أنواره ، وبعث إلى الدنيا قصصه وأخباره ولأنها مهبط القرآن بها نزل جبريل ، على المعلم الجليل ، بآيات التنـزيل .
في هذه البلاد ، أعظم ناد للأجواد ، وأكبر واد للأجواد .
قال الموفق بن هادي : لا تلمني في حب بلادي ، فإنها سر أنسي وإسعادي ، فقد بعث منها محمد المحمود ، رسول الجود ، صاحب الحوض المورود ، والمقام المحمود ، واللواء المعقود . وفيها ولد أبو بكر ، طيب الذكر ، صاحب الشكر ، نير الفكر .
ومنها عمر ، جميل الخبر ، وناشر العدل في البشر ، وصاحب أحسن السير .
ومنها عثمان ، جامع القرآن ، ومكرم الضيفان ، وله من الرسول نوران .
ومنها علي ، البطل الولي ، والسيف الجلي ، خائض الهول حتى ينجلي .
ومنها الأسياد ، والأجواد ، والآساد .
فلما سمعنا كلام الموفق ، وإذا هو بالدليل محقق ، قلنا : ونسيت البترول ، فإنه السيف المسلول ، والشافع المقبول .
قال : كلاّ ، لمن أعرض وتولَّى ، فخرنا بالرسول ، لا بالبترول ، وسعادتنا بالذكـر المنـزل ، لا بالديزل ، وفرحتنا بالإسراء والمعراج ، لا بالحديد والزجاج، وبهجتنا بالمقام والبيت ، لا بالزيت ، وتاريخنا بالإعجاز ، والإنجاز ، والامتياز ، لا بالبنـزين والغاز .
فقلنا له : اترك من هلكوا وبادوا ، وحدثنا عن وصول الرادوا ، ودعنا ممن يهمزون ويلمزون ، وكلمنا عن بث التلفزيون ، ومتى وصلكم التليفون ، وما كنتم قبله تعرفون ، بل بالجهل توصفون .
فقال : أخطأتم التقدير ، وخطأ العاقل كبير ، اعلموا أننا قبل الصناعة ، كنا أهل البراعة ، والشجاعة ، والذاكرة اللماعة ، وأهل الأصالة ، والرسالة ، والبسالة .
نحن الذين روى التأريخ قصتهم

ونحن أعظم من في أرضنا ظهرا

أما ترى الشمس غارت من مكارمنا


والبدر في نورنا العلوي قد سهرا

كان العالم قبل وصولنا غابة ، كأن عليه جنابة ، وكانت الدنيا قبل ميلادنا في مأتم ، تشكو وتتألم ، فلما بزغ فجر رسولنا من البطحاء ، أشرقت على نوره الأرض والسماء ، خيام العدل في بلادنا وولد الشرف مع ميلادنا ، مضرب المثل في الكرم من أوطاننا ، وأشجع الناس من ودياننا . نحن بعثنا إلى الدنيا النور ، وأزلنا منها الظلم والجور ، أذنّا في أذن الدنيا فآمنت ، ومشينا على جبالها فتطامنت ، كنا في الجاهلية الجهلاء ، أهل العزة الشماء ، فلما جاء الإسلام كنا الأعلام ، والصفوة الكرام ، شجاعة لو قابلتنا الأسود لهابت ، وعزيمة لو طرحت على الصخور لذابت ، هنا دار الفضائل ، ومنازل القبائل ، عندنا قبلة المصلين ، وكعبة الطائفين ، وملاذ الخائفين ، اختارنا الله لدينه أمناء ، وعلى الأمانة أوصياء ، من دارنا هـبّت كتائب الفتوحات ، وسارت قوافل التضحيات ، عندنا محبرة ومقبرة ، محبرة لتقييد العلوم ، وتسجيل نتاج الفهوم ، ومقبرة للغزاه ، والمحاربين الطغاه ، نحن أول من حمل السيف ، وأكرم الضيف ، وأبى الحيف .
أرضنا بدماء الشهداء تفوح ، وقلوبنا بأسرار التوحيد تبوح ، عندنا الذهب الأبيض والأحمر والأسود ، فالأبيض عِلْم ينعش الأحياء ، من الشريعة السمحاء ، والأحمر دماء في عروق الأحرار ، وفي شرايين الأبرار ، والأسود بترول مدفون في الثرى ، يدلف بالحضارة للمدن والقرى .
اندهش الدهر يوم طالع صفحة جلالنا ، وهام الزمان يوم أبصر لوحة جمالنا ، وتعجب كل جيل يوم قرأ مكارم أجيالنا ، وتحطمت جماجم الغزاة على جبالنا .
دافع الله عنا يوم قصدنا صاحب الفيل ، فعاد في ثوب ذليل ، ورد الله عنا غارة الفرس الكفار ، ومزّقهم في يوم ذي قار . وأنزل الله نصره علينا في بدر ، يوم صعب الأمر ، وضاق الصدر ، فأيد رسولنا بملائكة مسوِّمين ، وكرام معلمين ، نحن خرجنا للعالم وفي قلوبنا قرآن نسكبه في قلب من وَحّد وتشهد ، وفي أيماننا سيوف نقطع بها رأس من تمرد وألحد ، عندنا قداسة الإنسان ، وقداسة البيان ، وقداسة الزمان ، وقداسة المكان.
فقداسة الإنسان ماثلة في الرسول العظيم والنبي الكريم ، وقداسة البيان قائمة في القرآن ، الذي أذهل الإنس والجان ، وقداسة الزمان ، كامنة في عشر ذي الحجة ورمضان ، وقداسة المكان في الحرم الطاهر ، والمشعر الزاهر . ليس للزمان بدوننا طعم ، وليس للتأريخ سوانا رسم ، وليس للناس إذا أُغفلنا اسم ، نحن شهداء على الناس ، ونحن مضرب المثل في الجود والبأس . كأن النور ولد معنا ، وكأنّ البشر لفظ ونحن معنى ، جماجمنا بالعزة مدججة ، وخيولنا بالعزائم مسرجة ، نحن الأمة الوسط ، لا غلط في منهجنا ولا شطط ، وسط في المكان فنحن قلب الكرة الأرضية ، وزعماء الأخلاق المرضيّة ، ووسط في الزمان فلم نأت في طفولة الإنسانية ولم نتأخر إلى شيخوخة البشريّة ، ووسط في العقيدة فنحن أهل التوحيد والمذاهب السديدة ، فلم نعتنق رهبانية النصارى ، ولم ننهج نهج اليهود الحيارى ، بل أمتنا معصومة من الضلالة ، مصونة من الجهالة .
نحن الذين إذا دعوا لصلاتهم

والحرب تسقي الأرض جاماً أحمرا

جعلوا الوجوه إلى الحجاز وكبروا

في مسمع الكون العظيم وكبرا

أليس في بلدنا الركن والمقام ، والبلد الحرام ، وعندنا عرفات ، ومنى حيث الجمرات وزمزم والحطيم ، والمشعر العظيم ، وفي أرضنا غار حراء ، مشرق الشريعة الغراء، ونزل في أرضنا جبريل ، على المعلم الجليل ، وحمى بيتنا من الفيل ، بطير أبابيل .
ومنَّا خالد بن الوليد ، وأسامة بن زيد ، وطلحة بن عبيد .
وفي دارنا عائشة أم المكرُمات ، المبرَّأة من فوق سبع سموات ، وفاطمة البتول ، بنت الرسول ، طيبة الأصول . وفي أرضنا الحرمان ، والبيتان ، والعُمَران ، والهجرتان ، والبيعتان ، والسبطان ، والقرآن ، والإيمان ، والبيان .
نحن أهل عذوبة الألفاظ ، والجهابذة الحفَّاظ ، وفي بلادنا سوق عكاظ .
نحن الذين على خطى أمجادهم

وقف الزمان مدلها مبهورا

تيجان عزتنا النجوم فلا ترى

غيرَ الوفاء وصارما مشهورا

في بلادنا البطحاء ، حيث انطلقت الشريعة السمحاء . وعندنا نجد الأبيّة ، مطلع شمس العربية ، ومنبع المواهب الشاعرية ، والخطابية .
ولدينا عسير ، حيث المسك والعبير ، والجمال منقطع النظير ، والذكاء الشهير .
ولدينا حائل ، أهل الفضائل ، أحفاد حاتم الطائي شرف القبائل .
ولدينا الحجاز ، أهل الفضل والامتياز ، والكرم والاعتزاز .
ولدينا الإحساء ، دار الشرفاء ، وبيت الأوفياء .
فغربنا أرض النبوة المحمديَّة ، والسنة الأحمديّة ، أرض قدمت للعالم أشرف هديّة . وشرقنا أرض الخيرات ، وبلد المسرَّات ، ودار الهبات ، والأعطيات . ووسطنا دار الملكُ والإمارة ، وبيت الجدارة ، ومحل الوزارة ، والسفارة . وشمالنا أرض الجود ، والند والعود ، والأسود ، وحفظ العهود ، وإكرام الوفود . وجنوبنا أرض الهمم الوثابة ، والطبيعة الخلابة ، والأخلاق الجذَّابة ، والفهم والنجابة ، والشعر والخطابة .
نحن كتبنا التأريخ بالدماء ، ووصلنا الأرض بالسماء ، أنجبنا العلماء ، وأنتجنا الحكماء ، وأرسلنا للعالم الزعماء ، وأهدينا الدنيا الحلماء .
إذا لم يبدأ التأريخ بنا فاعلم أنه منكوس ، وإذا لم يثُنِ علينا سِفر المكارم فاعلم أنه منحوس . كسرنا سيوفنا في بدر ، على رؤوس أهل الكفر ، ثم أرسلنا شظاياه لصلاح الدين ، في حطين ، فقهر بها الملحدين . رددنا في أحد " قل هو الله أحد " فسحقنا من جحد وقطعنا دابر من فسد .
منا قائد القادسية ، الذي أسقط العجم في الخانة المنسية . ومنا قائد اليرموك ، الذي أذهب من رؤوس الروم الشكوك ، وصبغ وجوههم بالدم المسفوك .
ابدأ بنا في رأس كل صحيفة

أسماؤنا في أصلها عنوان

وإذا كتبت رواية شرقية

فحديثنا من ضمنها تيجان

نحن أرسلنا بني أمية ، ملوكاً للديار الشامية . وبعثنا لبغداد بني العباس ، أهل الجود والبأس . وجيش العجم ما أسلم ، حتى بعثنا له قتيبة بن مسلم .
ومددنا للهند السيف الحاسم ، محمد بن القاسم .
من كتب التأريخ وأهمل الجزيرة ، فقد ارتكب كبيرة ، وأتى بجريرة ، كيف يهمل الرسول والأصول ، وأهل المنقول والمعقول . كيف يأخذ البدن بلا روح ، ويجرد البستان من الدوح . كيف يبني القصر على غير أساس ؟ ويقيم الجسم بلا رأس .
تريد المسجد بلا محراب ، والمدرسة بلا كتاب ، نحن الفصول والأبواب ، ونحن السيف والنصاب ، لسجل المكرمات كُتّاب ، ولأرقام المجد حساب ، وعلى قصر الرسالة حجاب .
نحن قلب المعمورة ، وأصحاب المناقب المأثورة ، العالم يتجه إلى قبلتنا كل يوم خمس مرات ، والدنيا تنصت لندائنا بالصلوات ، والكون يستمع لتلاوتنا بالآيات ، زارنا بلال بن رباح ، فصار مؤذن دولة الفلاح ، وجاءنا سلمان من أرض فارس ، فلما أسلم صار كأنه على قرن الشمس جالس ، ووفد إلينا صهيب من أرض الروم ، فأصبح من سادات القوم ، من بلادنا تشرق شمس المعارف ، ويقام للعلم متاحف ، وتنشر للهدى مصاحف ، حتى ماؤنا يفوق كل ماء ، فماء زمزم شفاء ، ومن كل داء دواء ، ونحن بيت العرب العرباء ، وعندنا سادات الكرماء ، ولدينا أساطين النجباء ، وأساتذة الحكماء ، إن ذكرت الحرب فنحن وقودها ، وإن ذكرت الملة فنحن أسودها ، وإذا سمعت بالرسالة فنحن جنودها .


المقـامَـــة الـســراتيّــــة
 فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ 
كنا جبالاً في الجبال وربما
بمعابد الإفرنج كان أذاننا
سرنا على موج البحار بحارا
قبل الكتائب يفتح الأمصارا

سَلِّمْ على السراة ، وعلى الجنوب مدنه وقراه ، لتكون مع التأريخ صادقا ، وبالحق ناطقا . في السراة رجال تكاد الأسود أن تقول من شجاعتهم رفقاً يا ناس ، ويكاد السحاب ينادي جبالها لا مساس .
بها ولد أبو هريرة سيد المُحدِّثين ، وهي ديار الخليل بن أحمد إمام النحويين ، من السراة سارت قوافل الوفود ، إلى رسول الوجود ، تعاهد على نصرة الإسلام ، ومتابعة الإمام . منها وفد جرير سيد بجيله ، صاحب المواقف الجليله ، ومنها أطل الطفيل سيد دوس ، موقد الحرب الضروس .
في جبال السروات نظم الشنفرى الأزدي لاميته العصماء . وفي روابيها سجل الخثعمي داليته الغراء . أما علمت أنها أرض القرني أويس ، وبلاد أسماء بنت عميس .
السراة حيث خصوبة التراب ، ونداوة الضباب ، وهمع السحاب .
في السراة كل خطيب وشاعر ، لأن الشعر من المشاعر .
كأن الطل بديارهم دموع حبيب ، وكأن الظل بأرضهم برد قشيب .
أرض إذا طاولت هام جبالها
وإذا دخلت غياضها ورياضها
قالت تواضع أيها الإنسانُ
غنَّى الحمام وصفق الريحانُ

فيها مدرسة الحفظ لأن الحفظ هريري دوسي ، وهي إيوان الزهد لأن الزهد أويسي
هنا الشعر الفصيح ، والنسب الصريح ، والوجه المليح ، خطباء حفَّاظ ، يغار منهم سوق عكاظ ، لروعة تلك الألفاظ ، مع القمم همم ، ومع الشجاعة كرم ، لا تنكر أخلاقهم البديعة ، فكما قال ابن خلدون : الأخلاق تتبع الطبيعة . ذكرهم الهمداني في الإكليل ، فكان قلمه بالثناء يسيل .
بلادهم ديار الجود ، وعرين الأسود ، البخل عندهم ذنب لا يغفر ، وعدوهم بالثرى يُعفَّر ، أريحيّة يهتز منها النسيم ، وحاتمية ينشأ عليها الفطيم ، مشاعر جيَّاشة ، وأرواح هشَّاشة ، ووجوه بشَّاشة ، ماء البِشر في صفحات الوجوه يترقرق ، ودم البطولات في شرايين الأبوة يتدفق ، إصرار على القيم ، وحفاظ على الشيم .
قلوب حُشيت بالإيمان إلى الأعماق ، فليس بها مكان للكفر والنفاق .
ما دخلها فيلسوف ، لأن صوت القرآن بها يطوف ، وما حلها زنديق ، لأن أسد الرسالة في الطريق .
إذا كبر الأزدي في حومة الوغى
ويطربهم وقع الرماح فما لهم
أويسية دوسية عزماتهم
رأيت شجاعاً سيداً وابن سيدِ
سماع لعود أو غناء لمعبدِ
كتائبهم تسعى لنصرة أحمدِ

عروبة صريحة صراحة اللبن المذاب ، والسنة فصيحة فصاحة الفجر الجذّاب .
هم أعمام حسَّان ، وأخوال سحبان ، وأجداد غسّان .
بديهتهم أسرع من الضوء إذا سرى ، وذاكرتهم أغزر من السيل إذا جرى، ما قطر للإلحاد في ديارهم قطرة ، لأنهم على الفطرة .
لو رأى جمال أرضهم كنفشيوس المسكين ، لما نظم قصيدة مرحباً يا بكِّين ، ولو أبصرها جوته شاعر الألمان ، لما أنشد إلياذة الحرمان :
فالطير يرسل للعشاق أغنية
في كل يوم لهم عيد بأرضهمُ
أرض إذا جئتها أهدتك زينتها
والغصن يعزف والأرواح في طرب
فالسحر والشعر بين الجد واللعب
حمالة الورد لا حمالة الحطب

طاب الهوى ورقَّ الهواء ، وزان الظل وعذب الماء ، أرض تصنع بها القوافي ، مع الود الصافي ، والجمال الضافي .كأن وحي البيان ، أرسل لطير البستان ، فالتقى سحر الكلام ، مع نشيد الحمام ، ودمع الغمام :
رفقا بقلبي يا جنوب فإنني
قتل المحب يجوز في شرع الهوى
بشر وهذا السحر يخلب عيني
لو كان دينك في الصبابة ديني

ولو عدل صاحب البوصلة لوجهها للجنوب النفيس ، وذاك الروض الأنيس ، وترك هضبة
__________________
محمد لعضمات :lol:
رد مع اقتباس