Arabic Translators International _ الجمعية الدولية لمترجمي العربية

 


العودة   Arabic Translators International _ الجمعية الدولية لمترجمي العربية > منتدى أهل الأدب Literary Forum > خواطر سليمانية Sulaymany Thoughts

خواطر سليمانية Sulaymany Thoughts خواطر أدبية نقدية هادفة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: تنقيط الحروف العربية قبل مصحف عثمان (آخر رد :أحمد الأقطش)       :: هل المسيح هو الملِك لغة؟ (آخر رد :الامين)       :: الدكتور زهير سوكاح ينال المرتبة الأولى في جائزة قطر العالمية لحوار الحضارات (آخر رد :زهير سوكاح)       :: البحرين تتكلم العبرية ! (آخر رد :عادل محمد عايش الأسطل)       :: وتُلقي في هبوب الريح .......ثورتنا (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: معنى السلام ،، (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: وعاد الملحد يقول (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: احمد اسعد (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: ارتعاشات ،،، (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: ذهب العمر ولم ترَه ... (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 08-18-2018, 03:38 PM
الصورة الرمزية عبدالرحمن السليمان
عبدالرحمن السليمان عبدالرحمن السليمان غير متواجد حالياً
عضو مؤسس، أستاذ جامعي
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 5,734
افتراضي الديك الفصيح من البيضة يصيح!

الديك الفصيح من البيضة يصيح!

هبطت من جبل عالٍ في مدينة أقشور شمال المغرب، تنبع من خلاله المياه العذبة صانعة شلالات غاية في الجمال، إلى سهل البلدة، وقد اشتد بي العطش بعدما نفد زادي من الماء وقت الهاجرة، وقد بلغتْ درجةُ الحرارة فيها الأربعين. وصلتُ السهل حيث باعة المشروبات والفواكه والأعشاب النافعة والمكسرات والتحف التذكارية منتشرون على قارعة الطريق. وكان أول ما شاهدت منهم غلامًا في السادسة أو السابعة من عمره، يبيع عصير البرتقال الطبيعي على عربة تحيطُ بها صناديق بلاستيكية مُلئت بالبرتقال الغارق في الماء البارد المنساب من الجبل. طلبتُ منه كأسًا فأراني كأسين مختلفي الحجم قائلاً ومبينًا بلغة لا تخلو من براءة الأطفال: "ثمن الكأس الصغير خمسة دراهم، وثمن الكأس الكبير سبعة. فأي الكأسين تريد يا سيدي"؟ فطلبتُ منه أن يعصر لي كأسًا كبيرًا يروي الظمأ الناشئ عن صعود جبل وهبوطه عند القائلة.

أخرج الصبي سبع برتقالات باردة من السطل، وأخذ يعصرها بطريقة يدوية. بدا ساعده وهو يعصر البرتقالات، أضعف من أن يعصرها كما ينبغي، فصار يمط جسمه النحيف مطًا إلى الأعلى ثم يلقي بثقله على عصارة البرتقال كي يستخرج من البرتقالة عصيرها حتى الآخر. عرضتُ عليه مساعدتي فلم يرضَ، ربما لأنه رأى في عرضي لمساعدته شكًا في قدراته على عصير البرتقال.

وبينما هو يعصر البرتقالة الثانية، جاء أخ له يكبره بعامين أو ثلاثة على أكثر تقدير، وطلب منه – وبطريقة استعراضية – أن يتنحى جانبًا، وأخذ يعصر البرتقالات بنشاط وحركات تفضح عزمه لكي يظهر أمام الزبائن بمظهرٍ قويٍ يتجاوز عمرَه الصغير وعودَه الغض. ثم أخذ زمام المبادرة وبدأ يدردش معي قائلاً:

- ثمن الكأس الصغير، يا أستاذ، خمسةُ دراهم، وثمن الكأس الكبير ثمانية!
- ولكن أخاك قال لي إن ثمن الكأس الكبير سبعةُ دراهم!
- أخي هذا صغير لا يفهم .. وهو لا يعرف الأثمنة جيدًا!
- يا سيدي كما تحب: أدفع لك ثمانية دراهم وأزْيَد!
- [ناظرًا في وجهي] لا والله! بل كما قال لك أخي: سبعةُ دراهم ولا أزِيد!

امتلأ الكأس وبقي فيه مقدار حمصة فارغًا. وبدلاً من أن يناولني الكأس لأشربه، شطر برتقالة ثامنة كي يعصرها، فقلت له:

- لا داعي إلى عصرها فالكأس قد امتلأ!
- لا بد من إكرامك يا أستاذ!
- ولكنك أكرمتني وقد ملأت الكأس حتى كاد أن يطفح.
- أنت تستأهل يا أستاذ. وهذا ضروري جدًا!
- أكرمك الله يا هذا. وكيف عرفت أني أستاذ؟
- بالفراسة!
- وما أدراك ما الفراسة؟!

فرمقني بنظرة أبلغ من جواب، وناولني الكأس، وشربت حتى ارتويت.

استغربت كثيرًا من هذا الصبي، وسألته عن عمره وعرفتُ أنه ابن عشر سنوات، وأنه من أبناء إحدى القرى المحيطة ببلدة أقشور، وأنه تلميذ في المرحلة الابتدائية، وأنه يعمل في العطلة الصيفية في بيع العصير للسياح الوافدين على أقشور ليساعد والدَيه الفلاحين في ادخار بعض المال لفصل الشتاء.

ودَّعته وأنا أتأمل في صنيعه وأخيه، وفي حلاوة حديثه، وفي نشاطه وكده وسعيه في إرضاء زبائنه بملء الكأس حتى حافته تارةً، وبالكلام المعسول تارةً أخرى، ولكن ببراءة لا تعرفُ غش الكبار، ولا حيلهم في البيع. وغادرتُه وأنا أجزم أن فرص التعليم والتنشئة والتطوير إن هي أتيحت لمثل هذا الصبي وأضرابه من النشء في البلاد العربية، فإن أوطاننا وقتها سوف تشهد تطورًا حقيقيًا، لأن الموارد البشرية فيها لا تنضب، ولأن الأرض فيها ولادة، ولأن السماء منها قريبة من الأرض قربًا لا يخيبُ معه أملُ من يثق في جود بارئها.

أقشور، 24 تموز/يوليوز 2018.
رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 06:06 PM.




Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. تعريب » حلم عابر