Arabic Translators International _ الجمعية الدولية لمترجمي العربية

 


العودة   Arabic Translators International _ الجمعية الدولية لمترجمي العربية > علم الترجمة Science of Translation > الترجمة والثقافة Translation & Culture

الترجمة والثقافة Translation & Culture الترجمة والمشكلات الثقافية

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: مصطلحات وعبارات قانونية وترجمتها (آخر رد :Nabeel Dobain)       :: طائر فوق قبية / ومضة شعرية (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: قصص قصيرة مترجمة (آخر رد :إسلام بدي)       :: أنا موجود ...........نثرية (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: ترجمة آية - الإنجليزية (آخر رد :ahmed_allaithy)       :: عاصفة في كوب شاي: فيزياء الحياة اليومية 2019 -ترجمة: فيصل كريم الظفيري، ومراجعة علمية: أ. د. عبد الحميد مظهر - تقديم خاص للجمعية (آخر رد :زهير سوكاح)       :: مشكلات وقضايا فى الترجمة العلمية (آخر رد :Dr-A-K-Mazhar)       :: مختارات أدبية وعلمية وسياسية مترجمة (آخر رد :إسلام بدي)       :: الطريق إلى الفاشية _ترجمة للتعليق (آخر رد :Aratype)       :: عبارات وجمل عربية أعجبتني وشدت إنتباهي (آخر رد :إسلام بدي)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 05-20-2015, 10:49 AM
الصورة الرمزية AdilAlKufaishi
AdilAlKufaishi AdilAlKufaishi غير متواجد حالياً
عضو رسمي
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 103
افتراضي المثقّفون العــربُ والمصطلحـاتُ والتـــرجمـــة الدكتور علي درويش

المثقّفون العــربُ والمصطلحـاتُ والتـــرجمـــة
بين الفلسفة والسفلسة والإفـــــلاس الفكـــري
نحو تطهير لغوي فــــــــــــي العربية المعاصرة

بقلم الدكتور علي درويش

31 أيار مايو2012
يُقاسُ الكرمُ عند العرب بمقدار الطّعام الّذي يقدّمونه لضيوفهم. ويقيس المثقّفون العربُ الجددُ الثّقافة بعدد الكتب التي تزدان بها مكتباتهم المنزلية، وكلّما جاءهم ضيف أو زائر يزورهم تباهوا بها. ومعظم الكتب التي يحتفظون بها للزينة لم يقرأوها إلا لماما وإن فعلوا لم يفقهوا ما فيها، اللهم إلا ما زغزغ أهواءهم، أو زيّنت لهم فيها نفوسهم الضعيفة شهواتهم. فكما كان اقتناء الكتب في العصور الوسطى في أوربا رمزًا للمكانة الاجتماعية الرفيعة، أضحى اقتناء الكتب في بيوت المثقفين العرب رمزًا للتحضّر والرقي الفكري والاجتماعي أيضًا. وكعادة العرب في الجاهلية الثانيةـ فإنّك تجدهم يؤلّهون بعض الكتّاب و"المفكرين"، فكأن كلامهم كلام منزل، منزّه عن الشبهات والخلل. وحالهم كحال أحدهم الذي انتقل من "إعداد الكفتة إلى الحديث عن كفكا"، في أقل من شهر. فتجده قرأ: سلسة التعلم من دون معلم، وصار خبيرًا فيه. ولو سألت كفكا مَنْ كفكا لأعياه الجواب وسقط مغشيًا عليه، لأنه حتى وفاته في سن الأربعين لم يكن كفكا يعرف من هو لشدة تعقيده والتوائه وغموض فكره، ومرضه العقلي. أمّا صاحبنا فقد أدرك ما لم يدركه كفكا، في أقل من يومين، ولازِمَتُهُ أنه أدرى به من نفسه!
لم يعدْ للكرم عندهم معنى الكرم الحقيقيّ عند أحفاد الطائيّ، بل أصبح عينيًا ماديًا يُستغلُ للتباهي والتفاخر والزهو: موائد تنوء بأحمالها وغرفٌ تُفترش بالمناسفِ والأنعام، يغوص فيها الغائصون ويخوض فيها الآكلون والشاربون والنهمون، فكأنّهم في سباق مع الزمن، وكأن غدًا لناظره بعيد! ولم يعد للثّقافة عندهم إلاّ سطحيّة القراءات والانبهار بأسماء لمعت في سماء الغرب لأنّ الغرب وجد فيها ما يخدمُ مصالحه وينفّذ مأربه، حتّى وجدنا المثقّفين العرب يُؤلّهون تلك الشّخصيّات دون فهم كامل لنتاجهم الفكريّ والأدبيّ والأدوار الّتي قاموا بتأديتها إمّا طوعًا أو انصياعًا أو اندفاعًا. وما زلنا ننبّهُ إلى أحد أولئك "المفكّرين" المحدثين الّذي ما انفكّ يتشدّق بالعروبة والديمقراطيّة والعدالة والبعد الإنسانيّ، ولا يُصدّقنا أحدٌ، حتّى انكشفت أوراقه وسقطت أقنعته وظهر تواطؤه وتعامله. و"ما أضمر أحدٌ شيئاً إلا ظهر في فلتات لسانه أو آثار يده." وقد ظهر لنا منه ما ظهر.
أولئك هم العرب الجدد المتنورون الذين ينادون بالعلمانية ستارًا وبالإلحاد موضةً وبالدِّين أزياءً. وهذا زمن الرّجالات المصمَّمة (بفتح الميم المشدّدة)، سواء أكان ذلك في العالم العربي أم في العالم الغربي. فقد آن الأوانُ لرئيسٍ أسودَ في البيت الأبيض فجيء بأوباما، وحان الوقتُ لرئيسة وزراء في أستراليا لإخراجها من التحجر السياسي الذكوري فجيء بجوليا غيلارد، وهكذا دواليك، في عالم الدبلوماسيّة "الناعمة" و"اللينة" و"الرخوة" و"الرقيقة" و"الرفيقة"، والعلاقات العامة، وزمن التجميل والتحسين والتلميع والتلحيس والتدليس والضرب على الحافر والمسمار. وكذا الأمر في العالم العربي، والرّقص على الطبل والمزمار، فقد آن أوان تغيير الأنظمة وجاء فصل الربيع في فصل الخريف، وموسم الحج والناس عائدون، فما زال يشهد التغييرات على إيقاع الحكومات الغربية ومخططاتها، وبين سركوزي وكركوزي، وميرقَل وهِرَقْل، عملاً بمقولة ونستون تشرشل بالتحالف مع الشيطان للخلاص من الظلم والاستبداد والقهر والعسف. ويظلُّ العربي يؤله ربّه البشري ويركع له ويرجع القهقرى احترامًا له وخوفًا منه حتى يطيح بها فيغتصبه! وقد نجا من خوفه وما نجا! وجاعت حنيفُ فأكلت ربها، وفاض بالعربي المعاصر فنكح زعيمه، ثم صار إلهًا آخر مثله.
وفي استلابهم وتأليههم، يتعطل الدّماغ فتجدهم لا يشكّون أو يشككون في كلام صادر عن أولئك "المفكرين"، وإنْ كان لا يستند إلى حجة أو منطق أو أساس. ويوزّعون الألقاب كيفما اتفق، فهذا "فيلسوف"، وذاك "منطقي"، أي يختص بعلم المنطق، ويفتقر إلى الحجة والمنطق، وذلك "لساني"، معقود اللسان، مبهم البيان، تعوزه الفصاحة والبلاغة، يتخبط ويتلعثم ويثأثئ ويثغو ثغاءَ الغنم. ولأنّ فلانًا قدّم "نظرية" في موضوع معين، فهو "منظّر"، فقد أصبح التنظير مهنته التي يقتات منها والوسيلة التي يتبجح بها ويناطح بها غيره. وما دليلهم إلى ذلك سوى كلام لا أساس له، ولا يصدر إلا عن حشاشين ومهلوسين ومدمنين على المخدرات.
وكلّما جرى الحديث عن الترجمة والمصطلحات، والخلل الضارب فيها وفيهم، اتضح لنا مدى جهلهم وانحسار عقولهم وصغر نفوسهم. فتجدهم يدافعون عن العيب بالعيب والخلل بالخلل، حتى يعجب المرء لمدى انغلاق أدمغتهم وانطماسها وانسداد الأقنية التي تربط خلاياها. وفي عصر يسعى الناس فيه إلى التواصل الواضح والفعال يتبنى المثقفون العرب الجدد والمستعربون ثقافة الغموض التي سيطرت على عقول النخبة الغربية ردحًا من الزمن فصار كل شيء عندهم ذا معنى مختلف وفق النظرية والنظرة والمنظور وحسب خلفياتهم وتجاربهم وعقدهم النفسية. فالمعاني متحركة، متغيرة، دينامية، والألفاظ ذات دلالات واستدلالات فلسفية، وليس فيها ثابت. ولا شك في أن اللغة متغيرة والألفاظ تكتسب معانيَ جديدة بتطور المجتمعات واختلاف التجارب الإنسانية. ولا شك في أنّ اللغة كنظام تواصلي محفوفة بالمعوقات والعقبات التي تحول دون التواصل الواضح والصريح في بعض الأحوال. لذا لجأ أهلها إلى الاصطلاح والتقييس واستنبطت كلّ لغة بعبقريتها قواعد وأحكامًا تضبط المعاني والدلالات بما يكفل الحد الأدنى من التواصل الواضح، فتجد مثلاً لفظ (الحمار) يدل على الحمار، ولفظ (التيس) يدل على التيس، وإن كان الحمار في الشمال يختلف قليلا عن الحمار في الجنوب والتيس في الشرق يختلف عنه في الغرب. ويبقى الحمار حمارًا والتيس تيسًا. وما استُخدم منها مجازًا يتضح للناطقين بها دون عناء أو مشقة أو كد أو تعب. فإذا قال أحدهم (شاعر حمار)، أدرك السامع أنَّ المُراد من التعبير هو علاقة المشابهة بين الحمار وصفةٍ من صفات الشاعر التي يشترك بها والحمار. و"من سنن العرب أن تستعير للشيء ما يليق به ويضعوا الكلمة مستعارةً له من موضع آخر، كقولهم في استعارة الأعضاء لِمَا ليس من الحيوان، رأس الأمر، رأس المال، وجه النار، عين الماء، حاجب الشمس، أنف الجبل، أنف الباب، لسان النار..."[i]
أمّا المثقفون العرب المحدثون والمستحدثون الذين يتبعون مناهج ما بعد الحداثة، وقد فاتتهم الحداثة وتجاوزتهم وتركتهم وراءها، فإذا بهم لا قبلها ولا فيها ولا بعدها، فيدّعون أن للمعاني دلالات وللدلالات إشارات غير ثابتة. ويحاجون في أمور تُظهر مدى جهلهم وسطحيّتهم وسخافتهم، في اللغة والترجمة والمصطلحات والمنطق، ولكن بكل ثقة وصلف وعنت. ولا يدركون الجهل الضارب فيهم والأمراض النفسية المزمنة والمتأصلة فيهم. فيطلقون الحكم في مسألة دون تقديم دليل أو إثبات يثبت منطقهم الأعوج ومن غير أن يعرضوا المسألة ويشرحوها بما يحتكم إلى العقل والمنطق. وعلينا أن نقبل كلامهم ومزاعمهم رغم وضوح جهلهم وأميتهم. ويركبون أنوفهم ويتملكهم الغرور والكبرياء إذا كشفنا جهلهم وغباءهم وحماقتهم.
وعلاقة اللفظ بالمعنى علاقة طردية، انتباذيّة، تبدأ بالمعنى المركزي ثم تتوسع في المعنى. وعلاقة اللفظ بالمعنى والمصطلح بالمفهوم علاقة ذات بعدين: الأول هو المحتوى أو القيمة المعنوية، والثاني هو التعبير أو الشكل اللساني الذي يتم التواصل به. ولمّا كان الكلام ذا سياق أصغر وسياق أكبر، فإنّ قوة المصطلح تكمن في قيمته التواصلية خارج سياقه الأكبر. وثمة من يأخذ بالنظرية القائلة بأن المفهوم والمصطلح (أي اللفظ الذي يعبر عن المفهوم) كيانان منفصلان تجمعهما المساكنة والمصادفة والموافقة اعتباطًا، بما يعني أن الدّال والمدلول والدلالة لها علاقة وضعية عرفية استنسابية. ولا يعني ذلك ما فهمه المحدثون العرب من أن الحقيقة حقائق نسبية تبعًا للمتكلم والموضوع والمتلقي في مدارس ما بعد الحداثة، مثلها مثل الأمور والمفاهيم الأخرى والقيم الاجتماعية والمبادئ والشرائع التي أصبحت من المتغيرات عندهم.
والاعتباطية في علاقة الدال والمدلول والدلالة، وبين المفهوم بالمصطلح والمعنى باللفظ، لا تعني العشوائية، كما يخال بعضهم، فيجيزون أي علاقة شرعية أو غير شرعية، منزهة أم مشبوهة بين الدال والمدلول والدلالة. بل إن العلاقة بين المفهوم واللفظ الذي يعبر عنه ليست حكمًا مؤبدًا، وزواجًا كاثوليكيًا، لا طلاق فيه، ولكنها علاقة اصطلاحية وفي المتعارف عليه بين الناطقين باللغة. فلا يجوز مثلاً أن تقول (تغطية) بمعنى الستر، وأنت تعني (الإحاطة والاشتمال)، ثم تبحث عن دليل أو برهان خارج العلاقة بين الدال والمدلول والدلالة المتعارف عليها، لتبرر اقترانها بلفظ (الإعلام)، وهو ما يفيد الإفصاح والكشف، كما في (تغطية إعلامية)[ii]. وهنا لا نتحدث عن فلسفة أو سفسطة أو سياسة يتحدث عنها المصابون بالعقم والسفلس الفكري، والذين تعوزهم الملكة الذهنية والقدرة العقلية على إدراك مقاصد الكلام ومغازيه رغم وضوحه وبيانه. والاعتباطية، بل المصادفة في علاقة المفهوم بالمصطلح والمعنى باللفظ علاقة رباعية يصورها الرسم الآتي.


والمفهوم إدراكيٌّ والمعنى دلاليٌّ والّلفظُ شكليٌّ والمصطلح عرفيٌّ. فالمفهوم يُدرك بالعقل والمعنى يدلُّ على دلالة أو دلالات، والّلفظ يتّخذ شكلاً ونمطًا معينًا، والمصطلح يُحدّدُ معناه بالعرف والمتعارف عليه. وتتمثل هذه العلاقة الرباعية في (1) أسبقية المفهوم كفكرة تتبلور في ذهن صاحبها، و (2) تجسّده في المصطلح، و(3) تمثّل المصطلح في واللفظ، و (4) تمثل اللفظ في المعنى الذي يدل على المفهوم. فإذا كان المفهوم جديًدا مستنبطًا، فإنه يُعبرُّ عنهُ بمصطلح يتكون من لفظ له معنى وضعي يراد به دلالة معينة لمدلول حسيّ أو ذهني، فيربطه بالمفهوم المستنبط الجديد، إمّا بتوسعة اللفظ بإخراجه من مدلول إلى مدلول، أو بمجاورته ومساكنته لفظًا آخر، بما يليق بالمفهوم، لإضفاء مدلول جديد على اللفظ المركب الجديد الذي لا يتعارض في أطرافه ولا في الصورة المجازية التي تعبر عن المفهوم. وفهم الناقل لهذه العلاقة بين الدال والمدلول والدلالة واللفظ والمعنى والمصطلح والمفهوم أمرٌ أساسيٌ في نقله إلى لغة أخرى بما يتوافق وأحكامها وقوانينها، دون الخلل بالعلاقة بين اللفظ والمعنى والمصطلح والمفهوم، ودون إحداث تضارب منطقي وتناقض بين الحقيقة والمجاز وبين المجاز والمجاز. ولا علاقة لبيان بإثبات حقيقة أو نفيها بحجة أو برهان، كما يتفلسف المتفلسفون، فذاك أمرٌ يَخرج عمّا يوضع المصطلح أو اللفظ له في الأساس، سواء أكانت الدلالة على مدلول حقيقي أم كانت على مدلول مجازي، أو صدقًا أو كذبًا، ولا علاقة للمصطلح بالطبيعة الوجودية للمدلول أو بالطبيعة المعرفية أو الإدراكية للمدلول. فلو قلنا: غربت الشمسُ، فإنّ هذا يعبّر عمّا يراه الناظر من غياب الشمس خلف الأفق، ولا يعبر عن الحقيقة العلمية الثابتة وهي التفاف الأرض ودورانها الذي يحجب الشمس الثابتة في مكانها. فالمصطلح، والألفاظ عمومًا، تعبر عن علاقة وجودية – معرفية - لسانية تضبطها شروط اللغة وقوانينها وأحكامها.
فلو أخذنا على سبيل المثال المصطلح (skyscraper)، والمركّب من اللفظين (sky) و(scraperوالذي استخدم لأوّل مرة في اللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة في عام 1789، اسمًا لجواد سبق، على سبيل المجاز والمشابهة، بين الجواد المنطلق في مضمار السبق، وهو يشق طريقه، أو ربما لضخامة جسمانه ونهوضه، وصورة خيالية في ذهن من سمّاه كذلك، فمن المحتمل أن الجواد بدا له وكأنه يخدش أو يكشط السماء. فصار اسمًا لمسمى. ثم استخدم للدلالة على شراع خفيف يوضع في أعلى السارية. ثم استخدم للدلالة على رجل طويل، ثم للدلالة على طائر يحلق في أعالي السماء، ثم للدلالة على زينة توضع في أعلى بناية، ثم للدلالة على بناية شاهقة. فتدرّج المصطلح بدلالاته حتى استقر في دلالته المعروفة في العصر الحديث ولم يعد للدلالات التاريخية السابقة حضور في ذهن الناطقين باللغة الإنجليزية أو وعيهم اللغوي. وفي كل دلالة علاقة مشابهة بين المدلول وصورة خيالية مجازية للمدلول.وعلاقة المجاورة والاقتران بين طرفي المصطلح كانت علاقة مخلّعة (hyphenated)، حتى ظهر بمدلوله الأخير مُصمّتًا(unhyphenated)، وهي بشكل عام عملية تطور الألفاظ المركبة في اللغة الإنجليزية، إذ تبدأ منفصلة، ثم تُخلّعُ، ثم تُصمّتُ في نهاية المطاف، لكثرة الاستعمال واستقرار المعنى في اللفظ بالاقتران والمجاورة والمساكنة.
وعندما تعرّف العرب في القرن العشرين إلى مفهوم (skyscraper) بدلالته على البناية الشاهقة، أرادوا التعبير عنه باللغة العربية، فنقلوه بما يليق به بالعبارة (ناطحة السحاب)، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل. وكما قلنا آنذاك، فـ "عندما ترجم العرب المحدثون مصطلح (skyscrapers)، إبـّان الصحوة الحضارية الوجيزة في القرن الماضي، (...) أخضعوا المصطلح لعملية توطين حضاري. فلم يترجموه حرفياً كما يجري الآن على أيدي المترجمين المتـأخرين العابثة في ترجماتٍ كثيرةٍ كالتي سبقت، بـ (خادشات السماء) أو (خامشات السماء) بل (ناطحات السحاب). فـ (skyscrapers) في اللغة الإنجليزية تعبير مجازي يدل على مبانٍ شديدةِ الارتفاع فيخيل للناظر أنها تخدش السماء، وهي تمر مرَّ السحاب. فتوافقت الصورة المجازية، من خلال الكلمات الإنجـليزية المنتقاة للتعبير عنها، مع طبيعة البيئة الاجتماعية الأميركية والموقع الذي تحتله كلمة (sky)، في اللغة والحضارة الإنجليزية، فسموّا ذاك النوع الجديد من الأبنية الشاهقة بـ(skyscrapers). ولكن الترجمة العربية الحرفية الارتكاسية، أي (خادشات السماء)، لم تتوافق مع الذوق العربي والطبيعة الحضارية عند العرب، بل تعارضت كلمة (السماء) في سياق هذا المصطلح مع مضامينها القدسية في اللغة العربية. فأبدلوا المجاز الغريب بمجاز عربي مقبول، ألفاظه فصيحة لا "تخدش" الأذن، ومدلولاته لا تتعارض مع الرموز الحضارية والفكرية والقيم الخلقية والأدبية. فحـاكى المجـاز الجديد في العربية المجـاز الأصلي من حيث المفهوم بصورة لطيفة عذبة سائغة. وهكذا شاع لفظ ناطحات السحاب، وتوطّن في اللغة والحضارة ورسخ في الوجدان، رغم بداءة وسائل الإعلام العربي آنذاك، وبطء حركة الترجمة والعمل المصطلحي في مجامع اللغة العربية وغيرها."[iii]
Sky-scraper
Racehorse name
1789

Light sail at the top of a mast
1794

High-flying bird
1840

Very tall man
1857

An ornament atop a building
1883
Skyscraper
Tall building
1888
ولم تلتفت المعاجم ولا الناقلون إلى الدّلالات والمدلولات القديمة، واكتفى المورد على سبيل المثال بـ (ناطحة سحاب)، وكذلك معجم المغني الكبير، لصاحبه الكرمي، مضيفًا الألفاظ (طربال = بناء شامخ العلو)[iv] و(مناغية السحاب)، لأن الدّلالات الأخرى لم تعد متواترة أو مستخدمة في اللغة الإنجليزية ولم تعد ذات قيمة تواصلية لمفهوم حديث فيها أو في اللغة العربية. وهذا أمر طبيعي في القواميس العصرية الثنائية التي تدون اللغة الحيّة والمستخدمة ضمن إطار زمني لا يتجاوز خمسين عامًا.
ومن هنا نرى أن نقل المصطلح إلى لغة أخرى، لاسيما اللغة العربية وهي موضع اهتمامنا وشأننا هنا، لا بد له أن يراعي العلاقة بين الدال والمدلول والدلالة واللفظ والمعنى والمصطلح والمفهوم. ومن المؤسف أن نرى في الآونة الأخيرة دخول الّلغة العربيّة مصطلحات جديدة بصورة مشوهة خرقاء، تعوزها البراعة والذوق السليم وتفتقر إلى المنطق الحكيم، فتجدها تعجز عن نقل المفهوم نقلاً أمينًا أو تخفق في منطقها.
قال الأصمعيُّ: "اختلف رجلان في الصقر. فقال أحدهما: بالصاد، قال آخر بالسين: فتراضيا بأوّل وارد عليهما؛ فحكيا له ما هما فيه، فقال: لا أقول ما قلتما إنّما هو الزّقر." (السيوطي، ج1، 263). وهذا خير مثال على اختلاف الدّال، والّلفظ، وثبات المعنى والدلالة والمدلول في المتعارف عليه.
لقد حظيت اللغة العربية منذ نشأتها ونزول الوحي بها بمكانة رفيعة لم تحظَ بها لغة بشرية أخرى. فقد تميزت اللغة العربية عن سائر لغات العالم بالقدسية التي أحاطها أهلها بها بسبب نزول القرآن بها. ولقد كان ظهور الإسلام وما تلاه من الفتوح الإسلامية في منطقة واسعة من العالم القديم أهم الأحداث التي نقلت اللغة العربية من مجالها البدوي المحدود في شمال الجزيرة العربية لتصبح بمرور الزمن أهم لغات الحضارة في العصور الوسطى. وكما يقول الدكتور نايف معروف (1985) فإنّ للغة العربية إلى جانب الخصائص العامة لأي لغة، شأنًا آخر يزيدها أهمية وخطورة، ويجعل الاهتمام بها أمرًا يفرضه هذا الموقع الفريد الذي تميزت به عن سائر اللغات، فهي لغة القرآن الكريم والسنة الشريفة. فاكتسبت اللغة العربية مكانة تليق بذلك، "لا لكونها إحدى مقومات العرب ووجودهم فحسب، بل لأن الله شرفها وخلدها بخلود كتابه العزيز". ولقد ارتبطت اللغة العربية بالقرآن فاكتسبت قدسيتها من قدسيته وصار تعلم اللغة العربية واجبًا على كل مسلم، كما يرى الإمام الشافعي:" فعلى كل مسلم أن يتكلم من لسان العرب ما بلغه جهده".[v] وما تزال اللغة العربية موضع حسد الحساد على متانتها وقدرتها على الإفصاح والتعبير، خارج أهلها والناطقين بها، من عرب ومستعربين، وما يزال أهلها يحتقرونها وينصرفون عنها، ظنًّا منهم بأنها لغة متخلفة وعاجزة.
في المقابل، ظلت اللغة الإنجليزية لغة محتقرة من أهلها والنخب المستنخبة فيها على مدى قرون حتى تغير حالها في القرن الخامس عشر. فقد كانت في نظرهم لغة غير قادرة على التعبير عن الأمور الدينية والفلسفية والاجتماعية المعقدة، فانصرفت النخبة عنها إلى اللاتينية والفرنسية، وتُركت للرعاع والفلاحين والمعدومين من طبقات الشعب. وكانت السلطة المدنية والكنيسة تخشيان اطلاع عامة الشعب على محتوى الكتاب المقدس بلغة يفهمونها، خوفًا من اكتشافهم تعاليم المسيح الحقة، ومن ثورتهم على الظلم والطغيان. ويُروى أن ندوة عقدت في أكسفورد في عام 1401 خلصت إلى أن اللغة الإنجليزية عاجزة وغير صالحة للتعبير عن الأمور الدينية والفلسفية والعلمية، تمامًا كما خلص نظراؤهم العرب في القرن العشرين وما بعده إلى أن اللغة العربية لغة عاجزة عن مجاراة العصر.[vi] وقد أُهملت اللغة الإنجليزية إهمالاً شديدًا في العصور الوسطى، وأسفر احتلال النورمان في عام 1066 عن كبت اللغة الإنجليزية في الحياة العامة، وسيطرة اللغة الفرنسية على الخطاب العام في أروقة البلاط والدوائر الحكومية. وانصرفت الطبقة الثرية عن اللغة الإنجليزية إلى اللغة الفرنسية وبقيت كذلك في مطلع القرن الخامس عشر عندما اجتاحت الصّحوة القومية الشعب الإنجليزي ودفعته إلى اعتناق لغته والاعتزاز بها والالتزام بها واعتمادها لغة التخاطب والتكاتب والتعبير على جميع الصعد، وهو الأمر الذي حدا بوليام شكسبير آنذاك إلى أن يقول على لسان جاك كايد[vii] في مسرحية هنري السادس، الجزء الثاني:
He can speak French, and therefore he is a traitor.
إنه يستطيــع التحدث بالفرنسية، فهو إذن خائن.
ولم يعد بالإمكان الحد من انتشار اللغة الإنجليزية في صفوف أهلها، ولم يعد بمقدور أولئك المستلبين والمحتكرين للعلم والمعرفة عبر حصر المعارف الدينية والدنيوية في اللغتين اللاتينية والفرنسية الوقوف في وجه ذاك المد العارم للقومية الإنجليزية التي ربطت وجودها القومي باللغة الإنجليزية.
أمّا العرب المحدثون فيتباهون بإتقانهم لغات أجنبية واحتقارهم اللغة العربية، وانصرافهم عنها إلى لغات أجنبية. ولقد مضى على العرب المحدثين حينٌ من الدهر انتشر فيه الغلط والخلل في التعبير والمصطلح بسبب عجز المترجمين وغياب المنهجيات السليمة، وهمجية الإعلام العربي لاسيما في عصر العولمة والفضائيات، حتى جاءنا أولئك الصعاليك والدمامل، بلا ضابط ولا رادع ولا لاجم، يبررون ما اقترفوا بجهلهم من آثام بحق اللغة والمنطق والعقل السليم بحكم استلابهم وافتقارهم للفطنة والحِنكة اللغوية. وفي آخر حماقاتهم التي تنتشر في الإعلام العربي، تعبيرهم الأخرق (تمكّن بنجاح). تأملوا نماذج من تلك الحماقات، كما وردت بعللها وعيوبها الأخرى:
تمكن المعلم من إدارة المباراة بنجاح...
هل كل الناس قادرون على حل مشاكل[viii] الحياة اليومية بنجاح؟
واضح أن صاحبنا تمكن بنجاح من التكيف مع وضعية جديدة...
ورأينا كيف أنه تمكن بنجاح من كبت جماح نفسه...
ومثلها كثير. وهي ترجمة حمقاء خرقاء عوراء للتعبير الإنجليزي الذي يشيع بخاصة في عالم الرياضة: (successfully managed to win). ولم يفقهوا معنى (manage)في هذا التعبير والعيب في الأصل الإنجليزي، فمعنى (manage) ههنا هو: (to bring about or succeed in accomplishing something)، ولا يجوز نعته بظرف الحال (successfully)، وهو من الحشو فيها، ما لم يكن القصد هو (تدبر الأمر)، أي النظر في عواقب الأمر. وحتى بهذا المعنى فإنّ (التدبر) لا يكون إلا بنجاح. فهل سأل هؤلاء الحمقى كيف يتمكن المرء بنجاح، وهل يتمكن بإخفاق؟ ألا يدرك هؤلاء أن معنى (تمكّن) هو القدرة على إتمام الأمر أو الظفر بالشيء؟ ومثله قولهم (فاز بنجاح) و(نجح بالفوز)، كما وردت بعللها وعيوبها الأخرى:
نجح بالفوز بهذا اللقب...
نجح بالفوز بهده البطولة للمرة الثانية...
ولكنه نجح بالفوز بانتخابات سنة 1997.
حيث نجح بالفوز باللقب الكبير فوق الأراضي...
بعد أن نجح بالفوز عليه بثلاثة أهداف مقابل هدفين في المواجهة...
ولعل الفلاسفة المسفلسين والمفلسين الذين ينادون بتجاوز الأعراف والاصطلاحات يقبلون بهذا الخلل الفاضح الذي يتجاوز المنطق واللغة. في حوار بين طالبة من طالباتي النجيبات ورئيس التحرير في إحدى الفضائيات الناطقة باللغة "العربية"، وردًا على استهجان أسلوب محرريها الأخرق، تبجح ذاك المغرور الغبي الأحمق المريض بأنّ محرّريه العباقرة يكتبون بالعربيّة ولكن بأسلوب إنجليزي! ما شاء الله على عبقريّة الذّل والخنوع والانبطاح والضّياع. فتجده يعجز عن الّلغتين ويتوهم بتشدقه أنّه متمكنٌ منهما، كالعصابات والزّمر المستلبة الأخرى، الّتي قرّرت نيابةً عنّا بأنّ التّقدم ومجاراة التّطور لا يكونان إلاّ بالتّقليد الحرفيّ للّغة الإنجليزيّة. أمّا القائمون على تلك الشّؤون فهم لاهون ساهون غافلون، ولا همّ لهم سوى الموائد الّتي يفاخرون بها ويتباهون.
ونحن لسنا عاجزين عن إبداء رأينا أو تقديم بديل، ولكننا نفسح في المجال للعقول النيرة، ونستحث الهمم الخيرة لتقديم ما عندها. ولا نخجل ولا نتحرج من معالجة أي مسألة لغوية أو أدبية أو فكرية أو ما إليها، ما دامت ضمن الأصول والمقبول وخارج السّخافة والابتذال. ولعلّنا نحيط بما لا يصل إليه كثيرون من العلم والمعرفة في مجال اختصاصنا، فبئس القارئ الجاهل وبئس المحاور الأحمق. ولقد آن أوان تطهير هذه اللغة الرائعة من الشوائب والعيوب التي يدخلها أولئك الحمقى والجهلة عبر الترجمة العابثة. والتطهير اللغوي (linguistic cleansing) يهدف إلى تنقية اللغة من تلك الشوائب والعلل والأمراض المصطلحية، بإظهار الخلل الضارب فيها والعيب الذي يشوب استخدامها. والتطهير اللغوي يتجاوز نهج "قل ولا تقل" القائم على إظهار الغلط النحوي أو الإنشائي إلى الكشف عن الخلل والعلل الناجمة عن التضارب المنطقي والسخافة والابتذال في التعابير والمصطلحات المضطربة والمنقولة الّتي تنافي شروط المصطلحات والأنماط المنطقية في الّلغة العربية. وآن الأوان لتجاوز المستعربين وعصاباتهم الذين يحاولون فرض وجهات نظرهم الموبوءة على اللغة العربية. أفتعجب إذن من نعتهم بقوم هاجوج وماجوج؟ ولكن...بالإذن من أحمد شوقي:

لكل زمــــــــــــــــــانٍ مضى آيــــــةٌ وآيـــــــــةُ هذا الزّمــــــــــانِ السُّخف[ix]

انتهى


المراجع
· كتاب الأعاجيب في كلام الأعاريب، لمؤلفه الدكتور علىّ محمّد الدّرويش، ملبورن، رايتسكوب، 2007.
· أزمة اللغة والترجمة والهوية، لمؤلفه الدكتور علىّ محمّد الدّرويش، ملبورن، رايتسكوب، 2005.
· كتاب فقه اللغة وأسرار العربية، تأليف أبي منصور الثعالبي المتوفى سنة 430 هـ.
· المجاز وقوانين اللغة، لمؤلفه عليّ محمّد عليّ سلمان، دار الهادي، الطبعة الأولى، 2000.
· جواهر البلاغة في المعاني والبيان والبديع، لمؤلفه السيد أحمد الهاشمي، المكتبة العصرية، 2003.
· دليل المترجم، لمؤلفه الدكتور عليّ محمّد الدّرويش، ملبورن، رايتسكوب، 2000.

المراجع الأجنبية
· Darwish, A. (1988 and 2009). Terminology and Translation: A Phonological-Semantic Approach to Arabic Terminology, Melbourne, Writescope.
· Darwish, A. (2010). Translation and News Making in Contemporary Arabic Television, Melbourne, Writescope.
· Darwish, A. (2009).Social Semiotics of Arabic Satellite Television, Melbourne, Writescope.
· McGrath, A. (2001). In the Beginning, The Story of King James Bible, London, Hodder and Stoughton




ا


__________________
د/ عادل الكفيشي
رد مع اقتباس
رد

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 06:08 PM.




Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2020, Jelsoft Enterprises Ltd. تعريب » حلم عابر