عرض مشاركة واحدة
  #18  
قديم 10-03-2021, 03:52 AM
الصورة الرمزية محمد آل الأشرف
محمد آل الأشرف محمد آل الأشرف غير متواجد حالياً
عضو منتسب
 
تاريخ التسجيل: Jun 2018
المشاركات: 201
افتراضي

قال تعالى " و زنوا بالقسطاس المستقيم" الاسراء 35. و فُسِّر القسطاس بأنه ميزان العدل أي ميزان كان من موازين الدراهم و غيرها. و كذلك فسر بأنه الميزان, صغيرا كان أو كبيرا. و في الغريب لابن قتيبة هو الميزان. و حكى فيهما القول بتعريبه عن الرومية منسوبا في القرطبي لابن عزيز و مجاهد، لكن هذا فسره بالعدل.
و أودها السيوطي في المتوكلي في المعرَّبات عن الرومية، كما أودها الجواليقي في المعرب من تحقيق ف. عبد الرحيم. و قد. رده هنريكوس لاماس*في كتابه فوائد اللغة إلي كلمة* constance بمعنى القويم بتقدير كلمة Libra اي* الميزان. و الكلمتان بمعنى الميزان القويم. و قد سبق أن تبين كيف أن القسط يعبر عن المكيال و عن الميزان و عن العدل و الصيغة فيها زيادة السين، و هي تعبر عن دقة. فالقسطاس تعني المُقسّم بدقة و ذلك عمل الميزان. و كما في كلمة قرطاس و هو الأديم الذي ينصب للنضال، يصيبه الرامي فيقال قَرْطَسَ، فكأن معنى القرطاس المنفوذ فيه أو الذي يُثقب. كذلك فإن معنى القسطاس الذي يُفرَّق و يُقسّم به بقدَرٍ، أي الميزان، و لا غرابة. ووضح بذلك أن ادعاء تعريبه تمحُّل لا مبرر له. فأنا مع صاحب المصباح في قوله إنّه عربي مأخوذ من القِسط، فالكلمة في جذرها وفي صورتها الأخيرة تحمل معناها بلا تأول أو تكلف.
فكيف نترك هذا إلى زعم غريب الأساس يرد كلمتنا إلى كلمة فيها اختلاف حروف عن كلمتنا و تحمل معنى غير معنى كلمتنا، ثم نؤولهما و نتمحل لالتقائهما؟! وأما لفظ قسط في الآية " و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط" الحديد 25
فالقَسَطُ محرّكة* يُبسٌ يكون في الرأس و الرجل و الركبة، أو يكون القَسَط يُبْسا في العنق. يقال: عنق قَسْطاء وبعير أقسط أي في عصب قوائمه يُبس خِلقةً.
و هو في الخيل قصر الفخذ و الوظيف و انتصاب الساقين، و انتصاب في رجلي الدابة. فالمعنى المحوري تجمد العضو المتحرك على وضع الخلقة السوية دون ليونة الحركة التي يتأتى معها التواؤم مع اتجاهٍ أو هيئة مطلوبة. كيبس الركبة و الركبة و الرجل.*
و من هذا القِسط، بالكسر: مكيال قدر نصف صاع. و الكوز عند اهل الأمصار. فكل منها قدر ثابت متجمد في كل ما يكال به، أي لا يزيد مرة و ينقص أخرى. و منه مع لحظ السواء في المعنى المحوري عُبِّر بالقسط بالكسر عن الحصة و النصيب. أخذ كل من الشركاء قسطه أي حصته المساوية لحصة غيره أو المستحقة له، ثم قيل و كل مقدار فهو قسط في الماء و غيره. و قال امرؤ القيس يصف خيلا*: إذا هن أقساط كرجل الدَبَى. فُسّر بأن الخيل قطع و فرق كلٌ كالرِجْل من الجراد. فهو تجمع جزئي في كتلة. و منه قالوا قسّط الشيء و قَسَطَه أي فرّقه، فأعطى هذا قِسْطاً و هذا قسطا. و كذلك جاء قَسَط بمعنى عَدَلَ. فالعدل أصله موازنة ثِقْلٍ بثقل. فكذلك هنا كيل لهذا و كيل لذاك. و لذا وصف الميزان نفسه بالقسط لأنه يعدِل هذا الجانب منه بهذا. قال سبحانه " و نضع الموازين القسط ليوم القيامة". و قال تعالى "و أقيموا الوزن بالقسط". و قال عز وجل " و يقتلون الذين يأمرون بالقسط". و من ذلك جاء الإقساط. العدل في القسمة، كأنما هو إعطاء كلٍّ قِسطه. قال تعالى" و إن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين". و من ذلك جاء الإقساط، العدل في القسمة كأنما هو إعطاء كل قسط، قال تعالى "فأصلحوا بينها بالعدل و أقسطوا" فهذا المعنى كما قالوا تقسطوا الشيء بينهم، أي تقسموه على العدل و السواء. و قسَّط الشيء أي فرّقه. و القِسط و الإقساط و التفضيل، أقسط هي من معنى العدل المذكور.
و من ذلك التجمد مع الصلابة في الأصل، قالوا قَسَط أي جار عن الحق. كما أن عتا تعبّر عن نوع من الجفاف و الجمود يقال للشيخ إذا ولى و كبر عتا عُتُوّا. المقصود طال عمره أكثر مما في الغالب، و البقاء الطويل جمود. ثم قالوا العتا العصيان، و العاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة. و في تفسيرهم قسط بجارَ بُعدٌ.
و أرى أن الدقيق قسط بمعنى عصى و تجبر فلم يطع و لم يخضع لما أمر به الله، اخذا من الصلابة في الأصل. اما الجور فحقيقته الاقتطاع من حق صاحب الحق، وهذا لا يتأتى هنا إلا باللازم. و تأمل مقابلة القاسطين بالمسلمين في قوله تعالى" و أنا منا المسلمون و منا القاسطون." الجن 14. أي الذين لم يسلموا و لم ينقادوا أي عصوا و استغلظوا، وأما الشاهد قول الشاعر:
قوم هم قتلوا ابن هند عنوة
عمرا و هم قسطوا على النعمان
استشهادا لقسط بمعنى جار، الواضح فيه معنى العصيان و التمرد على الملك النعمان انظر ابن قتيبة و السجستاني و الزمخشري و غيرهم.
انتهى.
نقلا عن الشيخ الدكتور محمد حسن حسن جبل رحمه الله.
رد مع اقتباس