عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 01-28-2008, 08:21 PM
الصورة الرمزية amshahbawy
amshahbawy amshahbawy غير متواجد حالياً
عضو منتسب
 
تاريخ التسجيل: May 2006
الدولة: Egypt
المشاركات: 255
افتراضي _MD_RE: المقالات الممنوعة للكاتب اللأستاذ/ محمد حسنين هيكل

مقدمة لكلام عمره ٢٥ سنة!
١٣/١/٢٠٠٨

هذه المقالات الستة، المكتوبة سنة ١٩٨٢ لها في الشكل والمضمون قصة يمكن أن تروي، خصوصا وقد جرت ـ وتكررت ـ الإشارة إليها عدة مرات خلال تلك الشهور من خريف سنة ٢٠٠٣ مع استئذاني في الانصراف عن العمل الصحفي المنتظم ـ وإعلاني مع بلوغ سن الثمانين، رغبة في الابتعاد من وسط الساحة أو قرب وسطها ـ ماشيا نحو الحافة دون الوقوع وراء الحافة في الخواء أو في الفراغ (كما كتبت وقتها).

* * *

وبداية وعلي وجه الإجمال، فإنني كتبت هذه المقالات الستة بأسلوب الخطابات المفتوحة، موجهة إلي الرئيس «حسني مبارك»، وكتبتها جميعا أوائل أو آخر سنة ١٩٨٢ ـ أي أن عمرها الآن خمسة وعشرون سنة (فهي مكتوبة حينها خريف سنة ١٩٨٢ ـ منشورة الآن أوائل سنة ٢٠٠٨).

وكانت هذه المقالات أصلا وأساسا لمجلة المصور بطلب من الأستاذ «مكرم محمد أحمد» رئيس تحريرها، الذي أعتبره بمثابة الابن، رغم أن فارق العمر بيننا عشر سنوات، لكن شعور الأب والابن، أو الأب والأبناء، يربطني دائما بجيل من شباب الصحفيين ـ يومئذ ـ شاركوا معي ـ أو شاركت معهم ـ في ذلك الانتقال بالأهرام من قرن إلي قرن، ومن زمن إلي زمن!

* * *

وفي تلك الأيام، فقد حدث بعد تجربة سبعة عشر عاما من العمل في الأهرام ـ رئيسا لتحريره ولمجلس إدارته ـ أن تطورات الأحوال السياسية في مصر أدت إلي ظهور واتساع خلاف يصعب الوصول فيه إلي حل وسط، أو صيغة توافق بين الرئيس «أنور السادات» وبيني، وكان موضع الخلاف بالتحديد خيارات الرئيس فيما رافق ولاحق الأداء العسكري الباهر للسلاح في معارك أكتوبر، فقد توصل الرئيس «السادات» في تقديراته للمواقف المستجدة بعد يوم ٦ أكتوبر ١٩٧٣ ـ إلي استنتاجات يتداعي منطقها علي النحو التالي:

١ ـ أن نظرية الأمن الإسرائيلي ـ المؤسسة علي تفوق يصعب تحديه عربيا ـ تلقت ظهر يوم ٦ أكتوبر ضربة موجعة أصابتها برضة عنيفة أوشرخ ـ وربما كسر ـ وذلك بسبب المفاجأة الاستراتيجية التي انقضت عليها من جبهتين عربيتين ـ في الوقت نفسه ـ هما مصر وسوريا، ثم مفاجآت أخري صاحبتها، متمثلة في سند تضامن عربي شامل وتعاطف دولي واسع، وذلك كله أدي إلي ظهور حقائق مستجدة لأول مرة علي ساحة الصراع، وترجمة ذلك عمليا أن إسرائيل جاهزة الآن ـ لسلام ـ كامل وعادل، وليس أمامها غير ذلك ـ الآن ـ خيار!

٢ـ وأن الولايات المتحدة الأمريكية ـ الآن ـ في عهد إدارة «نيكسون» ـ وقيادة مستشاره الأكبر «كيسنجر» ـ تملك من وسائل النفوذ ـ وحجم الإرادة ـ ما يكفي لفرض حل «معقول» علي إسرائيل، وذلك يضع ٩٩% من أوراق قضية الشرق الأوسط في حوزتها ـ دون غيرها (بلا حاجة لأطراف أخري).

٣ـ أن الاتحاد السوفيتي لم يعد له موقع علي خريطة الأحداث في هذه المنطقة، لأن الولايات المتحدة الأمريكية سوف تعرقل أي جهد سوفيتي ـ وفي الوقت نفسه فإن أوروبا الغربية (وقتها) لا تملك في شؤون العالم كلمة نافذة ـ ( ومن ثم فهي الولايات المتحدة ولا أحد سواها، لأنها وحدها «الآن» ـ فعل المستقبل، والآخرون جميعا من أفعال الماضي).

٤ ـ وبهذه التقديرات فإن الولايات المتحدة والسلام، الذي يمكن أن ترعاه في المنطقة قادمان ـ و«الآن» ـ مثل قطار مندفع بأقصي سرعة فوق القضبان، مكتسحا في طريقه كل عائق، وعليه ومن باب السلامة، فإنه يتعين علي مصر أن تقفز إليه ولو بحل سريع مؤقت ـ وفق ما ينصح به «كيسنجر» ـ ثم إن بقية الدول العربية المشاركة في الصراع العربي الإسرائيلي ـ تستطيع أن تهرول إذا شاءت وتلحق قبل فوات الآوان، تتشعلق بآخر مركبة في القطار ـ إذا استطاعت!

٥ ـ إن ذلك ما يشير به أقرب الناصحين ـ «الآن» ـ للرئيس «السادات»، وهم الإمبراطور «محمد رضا بهلوي» شاه إيران، والملك «فيصل بن عبدالعزيز» ملك السعودية، و«أمير المؤمنين» الحسن الثاني ملك المغرب، إذ التقي إجماع الملوك الثلاثة علي أن الفرصة حانت للخروج من تيه الصراع العربي الإسرائيلي، وإلا فإن استمرار تفاعلاته في مناخ مأخوذ بنشوة انتصار عسكري محقق ـ قد يرفع سقف مطالب «الدهماء»، بما يؤدي بالمنطقة إلي حالة فوران تطلب «التغيير»، وتهدد «الاستقرار» وتهز «القيم» (أو لعلها تهز «القمم»).

٦ ـ وبناء علي هذا ـ الإجماع الملكي ـ فإنه لا الوقت ولا الظروف تحتمل التلكؤ بعد «الآن»، بل إن الملوك بدوا واثقين أن مقتضيات السلامة (علي الأرجح لأنفسهم) تستوجب المبادرة السريعة إلي العمل علي عدة اتجاهات، أولها: فك التعبئة النفسية والاقتصادية والعسكرية ـ وثانيها: مد الجسور متينة مع الولايات المتحدة الأمريكية ـ( وثالثها: بدء التهيئة النفسية لعلاقة من نوع مختلف مع إسرائيل ـ والرابع: توجيه نظر الناس واهتمامهم إلي وعد برخاء غير مسبوق تمكن منه فوائض النفط، وتيسر له مساعدات أمريكية علي طريقة «مشروع مارشال»، الذي أدي إلي انتعاش أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك تكون معارك أكتوبر آخر الحروب (نهاية للصراع ووداعا للسلاح).

وبوحي من هذه الاستنتاجات العامة في البداية ثم المحددة أكثر مع التطورات! ـ فتح الرئيس «السادات» خط اتصال مبكراً من صباح يوم الأحد ٧ أكتوبر ١٩٧٣، برسالة منه إلي «كيسنجر» رد عليها وزير الخارجية الأمريكي فورا، بما فهم منه الرئيس «السادات» لحظتها أن إسرائيل (وإدارة نيكسون معها) تلقوا رسالة السلاح وفهموا مغزاها، مستوعبين دلالتها الاستراتيجية التي حملتها قوة المفاجأة العسكرية والتحالف السياسي العربي والدولي المساند لها.

ولم تكن رسالة «كيسنجر» صادقة لا في النية ولا في القول، لأن القوي الواعية لحركة أي صراع ـ وعندما تضربها المفاجآت، يكون أول حرصها ـ ومن باب التحوط المبدئي ـ إجهاض خطط وأفعال الطرف الآخر، لكي تثبت ـ له وللجميع ـ عقم ما قام به وقلة جدواه، وتؤكد له ـ وللجميع ـ أنه غير قابل للتكرار بدليل إجهاضه قبل تمام ولادته، ثم إنه بعد إجراء الإجهاض (وربما الإقناع بعقم الحمل تحت أي ظروف) ـ ينفتح المجال واسعا لحقائق القوة تعود لتأكيد سطوتها!

والمنطق هنا واضح وفكرته مستقرة في استراتيجيات الصراع، ملخصها أنه إذا استطاع عدو أن يحرز مفاجأة في صراعه ضد طرف آخر، فأول ما ينبغي علي الطرف المفاجأ أن يفعله، هو إلغاء أثر المفاجأة قبل أي «كلام»، بحيث يعود الوضع إلي ما كان عليه قبلها، ومن ثم يتمالك الطرف المفاجأ أعصابه، ويعيد تثبيت تفوقه، وبعد ذلك ـ وليس قبله ـ يجيء الوقت لمد حبال الاتصال والمحادثات والمفاوضات إلي آخره!

* * *

وعلي أي حال ـ وربما كنت مخطئا ـ فإنني لم أكن ـ فكرا أو رأيا ـ علي اتفاق مع استنتاجات الرئيس «السادات»، سواء في ذلك ما توصل إليه بنفسه، أو ما صادف هوي عنده فيما سمع من ملوك المنطقة (وهو يعتبرهم خبراء مجربين!)، ولم يظهر مجال لحل وسط بيننا، لأن استنتاجات الرئيس «السادات» تحولت عنده إلي خيارات ثم قناعات ونظريات تقوم عليها سياسات ومبادرات موجهة إلي الولايات المتحدة الأمريكية، مقدمة ونتيجة ـ أو بداية ونهاية!

وراحت الطرق تتباعد، وكان لابد أن أترك موقعي في الأهرام، فالرجل رئيس الدولة المنتخب في استفتاء عام، وهو الذي يملك سلطة القرار، فضلا عن أن خياراته تلك اللحظة الزمنية المضطربة تحظي بدرجة ظاهرة من الشرعية، لأن وهج الأداء الباهر عند جسور العبور ـ عبر قناة السويس وفوق هضبة الجولان ـ سحب الأنظار بالكامل عما كانت السياسة تمارسه بعد أن بدأ السلاح افتتاحيته المجيدة يوم ٦ أكتوبر وبعده!

وكان منطقيا أن أتحمل المسؤولية فيما فكرت ورأيت، بما فيه احتمال الخروج من الأهرام، والابتعاد عن محيط الصحافة المصرية بأسره ـ باعتبار سيطرة الدولة عليها ـ وقد حدث!

ولم يكن ذلك كل شيء، بل زاد عليه أن العلاقات بين الرئيس «السادات» وبيني تعقدت عندما واصلت إبداء رأيي بالنشر خارج مصر، ملتزما بالأدب والموضوعية من أسباب معنوية ـ وحتي عملية:

ـ بينها أن معارضة سياسة رئيس الدولة في حد ذاتها لها مقتضياتها من اللياقة.

ـ وبينها أن صوت الخلاف مع وجود صاحبه مقيما داخل وطنه تحت سلطة رئيس الدولة، وسطوة قوانينه العادية والاستثنائية ـ كفيل بضبط الحوار (مع أن مثل هذه الكفالة العملية لم يكن لها تأثير كبير علي موقفي).

ـ وبينها أن دواعي الخلاف كانت رؤي المستقبل لشعب وأمة، ولا يجوز فيها إلا ما هو موضوعي ومحدد ومسؤول، لأن الأمر كما قلت بالنص وقتها «يفرض علي كل مواطن أن يقف ليحدد مكانه ويرفع صوته واضحا صريحا دون تردد أو لعثمة في الحروف والكلمات!».

وحلت فترة خشنة وصلت بي ـ مع صحبة طيبة ـ إلي سجن طرة ضمن اعتقالات ٣ سبتمبر ١٩٨١، وكانت تلك ذروة أحداث جسام بلغت حد المأساة باغتيال الرئيس «أنور السادات» يوم ٦ أكتوبر ١٩٨١، وكان اغتياله مبعث أسي شخصي وإنساني رغم وجودي لحظتها وراء قضبان سجنه، فلم يكن في مقدوري نسيان أن الرجل كان صديقا لزمن طويل، وأنني عرفته وقامت بيننا مودة صادقة وألفة حميمة، ثم إنني لأكثر من ثلاث سنوات- خصوصا أثناء مرحلة التحضير لحرب أكتوبر- كنت وفق قوله في حديث صحفي- وهو وقتها صحيح- «أقرب الأصدقاء إليه».

* * *

وبعد خروجي- وخروجنا جميعاً- من المعتقل، شاء الرئيس الجديد- حسني مبارك- أن يكون الإفراج عنا من أحد قصور الرئاسة، وكذلك دعانا للتوجه من سجن «طرة»- كي نلقاه في قصر العروبة، ومن هناك خرجنا إلي عالم الناس، ولا أقول عالم الحرية، لأن وضع رجل في سجن السلطة قد يحجب السجين عن حرية الفعل والحركة، لكنه لا يحرمه حرية الفكر والإرادة، وربما دلت علي ذلك واقعة جرت يومها في السجن، فقد حدث حين أعلن عن ترشيح «حسني مبارك» للرئاسة خلفا لأنور السادات، أن زار السجن أحد المستشارين الذين ادعوا «الوصول»، وقدم ذلك الزائر نفسه مبعوثا خاصا يحمل رسالة مهمة، وطلب مقابلة ثلاثة من المعتقلين اعتبرهم- من منظوره - ممثلين لتيارات سياسية وفكرية مؤثرة، وكان الثلاثة هم الأستاذ «فؤاد سراج الدين»، والأستاذ «فتحي رضوان»، وكنت الثالث!

وجاءت الرسالة التي ألقاها زائرنا في السجن علي كل واحد عندما التقاه علي انفراد في مكتب مدير السجن (المقدم «محمود الغنام» ساعتها)- بما مؤداه «أن نكتب رسالة تأييد لترشيح «حسني مبارك» رئيسا للجمهورية، ويكون من ذلك إعلانا عن حسن نوايانا- تمهيداً للإفراج عنا- عائدين إلي بيوتنا».

ومن المدهش أننا- الثلاثة- وبدون تنسيق، وبدون معرفة مسبقة بمجيء رسول من خارج السجن، وبدون استعداد لسؤاله كل منا منفردا معه في مكتب مدير السجن، أجبناه بنفس المنطق، بنفس الألفاظ تقريبا، وبما مؤداه: «إن أي تأييد منا لترشيح الرئيس الجديد من وراء القبضان، مشوب ومعيوب- لا يليق بنا ولا يليق به، وإنه حتي لو خطر علي بال أينا تزكية «مبارك»- تحسبا ودرءا لمخاطر دهمت هذا الوطن باغتيال رئيسه السابق- وبظواهر إرهاب مسلح تفجرت نذره في صعيد مصر- فإن هذه اللحظة وهذا المكان، هما آخر لحظة وآخر مكان يقبل فيهما رجال يحترمون فكرة الشرعية ذاتها- تزكية أي مرشح لأي منصب».

ومن حسن الحظ أن ذلك «الرسول» ذاب فيما بعد، ولم يظهر له أثر، «وقيل لنا إن قرار الإفراج كان جاهزا من يوم ٢٢ أكتوبر، «لكنهم نصحوا الرئيس الجديد بتأخير تنفيذه حتي انقضاء يوم الأربعين علي جنازة الرئيس «السادات»).

وعلي أي حال فقد وقع الإفراج عنا- كما أسلفت- وبعد الأربعين- من قصر العروبة في الأيام الأخيرة من شهر نوفمبر ١٩٨١.

* * *

وكان لنا في الساعة التي قضيناها مع الرئيس الجديد حوار مفيد، ثم جري بعدها بأيام أنني دعيت إلي لقاء منفرد معه، ودار بيننا حديث تواصل ساعات، وتفضَّل الرئيس فأمر بإلغاء عدة مواعيد تالية له، لأن لقاءنا استمر- برغبته الكريمة- من الثامنة والنصف صباحا إلي الواحدة والنصف بعد الظهر!

وأظن دون إفشاء لسر أنني طرحت أمام الرئيس الجديد بعضا من خواطري وهواجسي، وتفضل من جانبه فأشار بأن نظل علي اتصال، ورأي إعطائي أرقام تليفوناته المباشرة وغير المباشرة لأطلبه «في أي وقت» وقلت له- بينما أحد ضباط سكرتاريته الخاصة يناولني ورقة عليها أرقام ثلاثة تليفونات- «إنني شديد العرفان لكرمه، لكني أستأذنه مبكرا إلي أنني لا أنوي استغلال هذا الكرم»، وعددت أسبابي، وفيها:

- أن تقديري لقيمة وقته حقيقي وبدون حساسية، وفي تجربتي المباشرة سابقا فإني عرفت عن قرب أثقال الرئاسة وأعباءها أكثر من عشرين سنة سواء مع «جمال عبدالناصر» (سبعة عشر عاما)، أو مع «أنور السادات» (قرابة أربع سنوات).

- ولأني لا أعرف طبيعة تقسيمه لوقته ولا ترتيب مواعيده- فإني لا أريد المجازفة بطلبه حين يخطر لي، بينما يكون هو مرتبطا بشيء آخر في إطار برامجه وشواغله، وفي كل الأحوال فإن كل الناس رهن إشارته حين يشاء.

- إنني بصدق لا أريد أن أكرر التجارب، لأن تكرارها مع تغير الأزمنة ليس مطلوبا، فهناك حقيقة أن لكل عصر هويته ومرجعيته- بمقدار ما أن لكل عصر سياساته وتوجهاته، وأنه ما من مشهد في العمل العام أسوأ من صورة رجال كل العصور، ودعائي إلي الله أن يحمي مصر منهم- ويحميه!

- وأخيراً فإنني أخشي مسبقاً أن آرائي تختلف عن مجمل التوجهات السياسية العامة في السنوات الأخيرة- وفي حين أن هذه التوجهات سوف تكون ماثلة في اعتباره مع كل اختيار، فإنني في الغالب سوف أكون من رأي قد يختلف، فإذا ألححت عليه بما أري كل مرة- إذن فقد أتجاوز اعتباراته أو محدداته، بل وقد أبدو في كثير مما أقول به- رجلا «لا يعجبه العجب» (كذلك قلت).

وبالفعل فإنني مع اعتزازي برخصة الاتصال المفتوح بالرئيس- لم استعمل هذه الرخصة، تاركا له- وقد سبق بكرمه- أمر الاتصال كما يشاء وحين يشاء- (وكذلك كان).

ومر عام كامل.

* * *

وفي سبتمبر ١٩٨٢ تفضل الأستاذ «مكرم محمد أحمد» وطلب مني أن أكتب للمصور رأيي في إطار مناسبات تجمعت مع بعضها: سنة من رئاسة «حسني مبارك»- وسنة من التحولات والتغييرات خلالها- وسنة بعد خروجنا من السجن.

وفكرت ثم اخترت- لسبب يتضح داعيه من سياق النصوص- أن أكتب ما أريد علي شكل خطابات مفتوحة موجهة إلي الرئيس «حسني مبارك» وكذلك بدأت الكتابة أوائل أكتوبر سنة ١٩٨٢، وفرغت من ستة مقالات اخترت أن أسلمها للأستاذ «مكرم» مرة واحدة، مجموعة متكاملة مترابطة- مع أوائل نوفمبر ١٩٨٢.

لكنني وأنا أعرف الأستاذ «مكرم» وأدرك دقة التزامه المهني، وأقدر تمسكه بالأصول المرعية، رجوته ملحا ألا ينفرد في نشر هذه المقالات بقرار، فقد خشيت أن يتحمل بنشرها أكثر مما يلزمه، وأثقل مما أرضي له، وذلك أنني أستطيع- عن نفسي- قبول مخاطرة الطيران خارج «السرب»، لكنه- من جانبه- ليس مطالبا بنفس المخاطرة.

وتسلم الأستاذ «مكرم محمد أحمد» مني مجموعة المقالات الستة أوائل نوفمبر ١٩٨٢، واستمع- مترددا- لما رجوته وسألته فيه من ضرورة ألا ينفرد في النشر بقرار.

ومضت ثلاثة أسابيع حتي تلقيت اتصالا تليفونيا من المستشار «أسامة الباز» مقترحا أن يدعو نفسه علي العشاء معي أي يوم «هذا الأسبوع»، وتحمست، فالرجل زميل قديم- عملنا معا سنوات طويلة سواء أثناء وجودي في الأهرام، أو عندما اسند إلي- في ظرف سياسي معين- منصب وزير الإعلام- ثم أضيف إلي منصب وزير الخارجية بالنيابة. وبصرف النظر عن الزمالة الطويلة- فإن «أسامة الباز» ظل- رغم تباعد المسافات- رجلا قادرا علي إقامة علاقات واسعة، محافظاً علي جسور مفتوحة وطرق واصلة.

واتفقنا بالفعل علي موعد للعشاء «مساء غد» في بيتي وحين جاء ومعه قرينته يومها السفيرة مها فهمي لاحظت من أول نظرة أنه يتأبط رزمة كبيرة من الأوراق تعرفت عليها، لأنها كانت نفس الرزمة التي سلمتها (داخل مظروف) إلي الأستاذ «مكرم محمد أحمد» ـ أي مجموعة المقالات التي كتبتها لـ «المصور».

وصحبت «أسامة الباز» إلي مكتبي في نفس الطابق وهو ملاصق لمسكني، كي يتخلص علي الأقل من حمولته، سواء في ذلك رزمة المقالات التي يحملها تحت إبطه أو أي طلب في شأنها ينتظر علي طرف لسانه ـ قبل أن نجلس إلي مائدة العشاء.

* * *

ولم يكن هناك داع لمقدمات، لأن رزمة الأوراق التي استقرت أخيراً علي مكتبي طرحت موضوعها، وملخصه:

ـ أن هناك خشية من أن النشر قد يسبب حرجاً في هذه الظروف (وقتها)!.

ـ أن هناك «رجاء» بتأجيل النشر خارج مصر (كما في مصر أيضاً).

ـ أن الأمر في النهاية متروك لي.

ولم يأخذ الموضوع مني تفكيراًيقصر أو يطول، بل صدر ردي عفوياً وطوعياً ـ مضمونه: «إنني آخر من يريد أن يتسبب في إحراج من أي مقدار أو أي نوع في هذه الظروف، وبالتالي فسوف تنام هذه المقالات في درج مكتبي، حديثاً مؤجلاً إلي «يوم آخر»! ـ وفي خارج مصر كما في داخلها!».

وأبدي «أسامة الباز» دهشته قائلاً: «يظهر أن الرئيس يعرفك أكثر مني، ذلك أنني حين عبرت له ـ بمعرفتي الطويلة لك ـ عن الشك في قبولك لما نطلبه منك»، رد علي بقوله: «اذهب وانقل عني واترك الموضوع لتقديره» ـ والذي أدهشني أنك استجبت بهذه السرعة، لكنه كما قلت لك «يبدو أنه يعرفك أكثر مني».

ومرت الأيام ومضت ٢٥ سنة كاملة ـ ربع قرن ـ

* * *

وفي سبتمبر وأكتوبر سنة ٢٠٠٣ ورد حديث هذه المقالات الستة المحجوبة، مع مناسبة «استئذاني في الانصراف» عن الكتابة المنتظمة في ذلك الوقت، ثم تكرر الكلام وزاد وتداولته وتناولته الألسنة ـ سؤالاً وجواباً ـ في حوارات صحفية وتليفزيونية.

وخطر لي وقتها ـ أن ذلك «اليوم الآخر» ربما جاء أوانه، لأسباب متعددة:

أولها: ألا يظل حول هذه المقالات لغط أو لغز، خصوصاً أن بعض وسائل الإعلام راحت تبحث وتتقصي، وقد يصبح موضوع هذه المقالات مجالاً لنصوص مغلوطة أو منقوصة (وشيء من ذلك حدث!) لأنه وإن كان الأصل الذي سلمته للأستاذ مكرم محمد أحمد، وعادإلي علي أصله مع المستشار أسامة الباز إلا أنني أعرف أن صوراً عديدة من مجموعة المقالات الستة جري طبعها وتداولها علي نحو أو آخر.

ثانيها: أن أحوال الأمم لا تنقض من الفراغ، وإنما هناك ـ للمشاكل والأزمات ـ مقدمات وبدايات، وبالتالي فإن ما هو واقع اليوم سبقته إشارات ونذر.

ثالثها: أن هموم هذا الوطن لم تكن سراً، بل تحدث كثيرون عنها بما رأوا في وقته وأوانه، ولم يهمسوا أو يوشوشوا وإنما كتبوا بصراحة ـ وباحترام، ووصل ما كتبوه إلي علم المعنيين به وهم ـ كانوا ومازالوا ـ أصحاب القرار والسلطة، حتي وإن لم يعرف به عموم الناس.

وربما كانت هناك أسباب أخري، لا تغيب ولا تخفي.

ومع ذلك فإنني مرة أخري ـ آثرت أن أنتظر.

* * *

وقلت عندما استأذنت «في الانصراف»، أن ذلك الانصراف ليس اعتزالاً لشواغل الدنيا وهموم الناس، وليس غياباً عن الأحداث هجرة أو هرباً، إنما وصفته بأنه ابتعاد عن وسط الساحة أو بقربه ـ بعيداً نحو الحافة أو بجانبها، دون السقوط في الظلام وراء الاثنين، بل وفصلت ـ فيما عرضت ساعتها بـ «أنني سوف أنشر ملفات ومجموعات أوراق وكتب، وربما ظهرت في حلقات تليفزيونية تتعرض لما كان وما يكون».

وإزاء إلحاح حوادث، وكذلك أصدقاء، فقد وافقت أخيراً وفي إطار هذا السياق أن أبدأ بملف يضم تلك المقالات الستة ـ التي حجبها طلب رقيق من هناك وقبول طوعي من هنا ـ منذ سنة ١٩٨٢ ـ لكي تظهر وتنشر بنصوصها وعباراتها وكلماتها ـ كما كتبتها من ربع قرن ـ ثم تضع نفسها تحت النظر والفحص!

وعندما باشرت التنفيذ فقد رأيت ألا أغير شيئاً مما كتبت (لا الإطار ولا السياق ولا الوقائع ولا الآراء) ـ بالتزام أن تلك المقالات الستة نص مختوم في حينه، وهنا قيمته كبرت أو صغرت.

وتبدي لي أن مرور الأيام واختلاف الأجواء وابتعاد الحوادث ربع قرن من الزمان، يقضي بأفضلية أن يكون هناك تمهيد مختصر ومنفصل لكل مقال، قصده استعادة مناخ ما كان لحظتها، بحيث تظهر «مواضع» الكلام وتبين معالمه وسط زمانه.

وكذلك كتبت تمهيداً عاماً مستقلاً للملف بكامله، ثم قدمت لكل فصل فيه بإشارة محددة تلفت النظر إلي ما فيه زماناً ومكاناً.

* * *

وعلي أي حال فقد وجدت مناسباً أن أضع هذه المقالات الستة علي شكل كتاب إلكتروني علي شبكة الإنترنت لعدة أسباب:

ـ الأول: إنني مازلت ملتزماً بـ «الاستئذان في الانصراف» عن الكتابة المنتظمة، ومع أن هذه المقالات الستة قديمة في زمن كتابتها منذ خمسة وعشرين سنة، إلا أنها جديدة بالإفراج عنها من أدراج مكتبي لنشرها الآن (سنة ٢٠٠٨) ـ ومن الممكن أن يؤدي ظهورها ورقياً إلي وقوع التباس بين ما قلته سابقاً ويبدو أنني أفعله الآن، بينما واقع الحال أنني لا أكتب جديداً، وإنما أنشر لأول مرة قديماً وقعت كتابته قبل ربع قرن! ـ (رغم أنني أقدر أن ما هو مفتوح إلكترونياً يمكن أن يصبح متاحاً ورقياً في نفس اللحظة! ـ ورغم أنني احتفظت لنفسي بالحق دائماً في الكتابة إذا طرأ طارئ يدعوني لها!).

ـ والثاني : أن هناك عالماً مختلفاً للنشر الإلكتروني علي شبكة الإنترنت فرض نفسه منذ سنوات علي الوعي العام، وقد أصبح مجاله محيطاً بلا شواطئ إلي درجة أسطورية، وهذا المحيط يتسع للقديم وللجديد معاً، وقد خطر لي أن أجرب عليه قديماً ـ جديداً ـ وأتعرف إلي سطحه وعمقه «ولو علي كبر»!.

وكذلك تركت هذه المقالات الستة تخرج للناس من باب غير مألوف بالنسبة لي، إلي قارئ غير محدد في محيط لا يستوعبه خيالي!.

* * *

وبقي ظني خلال ذلك أنني التزمت بما وافقت عليه إلي الحد الذي كان مرغوباً فيه وزيادة، فلم أكن وقتها ـ ولا الآن ـ أريد إحراجاً من أي درجة لأي طرف ـ ذلك أن محاولتي باستمرار موصولة بالتزام حد الأدب، ومعه حد الواجب ـ الأول يفرضه شرط الأخلاق، والثاني يفرضه شرط الحقيقة!.

__________________
[size=x-large]همم الرجــــال
أعلى من قمم الجبال
[/size]
رد مع اقتباس