عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 11-02-2013, 10:25 AM
الصورة الرمزية ahmed_allaithy
ahmed_allaithy ahmed_allaithy غير متواجد حالياً
عضو مؤسس_أستاذ جامعي
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 3,875
افتراضي

مرحباً أستاذنا دكتور بدر. وأشكرك على هذه المساهمة الجميلة الماتعة.

وموضوعك له عدة مستويات في النقاش.
واسمح لي بهذا التعليق السريع فيما يختص بالمثال من ترجمة أحمد رامي للرباعيات، فهو لم يدَّعِ، ولا غيره يدَّعي، أنه نقل المعنى كما قصده الخيام، وإنما هو استعمل معاني الخيام كنقطة انطلاق، وكانت النتيجة جمعه بين معان قصدها الخيام، ومعان أخرى قصدها رامي، بل ومعان ثالثة اضطرته إليها الضرورة الشعرية، ربما لم تكن في بال رامي نفسه، ولكنها في نهاية المطاف مصبوغة بصبغته هو، وليس بصبغة الخيام التي تحمل سمات الثقافة الفارسية بما تنطوي عليه من خلافات عن الثقافة العربية، وهذا الاختلاف مفهوم ومقبول بوجه عام خاصة عند متخصصي الترجمة.
من ناحية أخرى فقولك إن متخصصي الفارسي قالوا إن البيت المشار إليه يعني "اليوم في يدك (متناول يدك) أما غدا فلا" ثم تعليقك عليه، فهذا يعني قبولك بأن ما قاله هؤلاء المتخصصين بالعربية هو نقل صحيح في كل جوانبه لما قاله الخيام. ولكننا نعرف بطبيعة الأمر -حتى مع جهلنا بالفارسية- أن هذا النقل نفسه قد تشوبه شوائب الترجمة المتعارف عليها. ومن ثم فالتعليق على هذه الترجمة التي قدمها متخصصو الفارسية بمقارنتها بترجمة رامي، يعني أننا نقارن بين ترجمة وترجمة، وليس بين ترجمة وأصل. وسبب المشكلة معروف وهو أننا لا يمكننا لعدم معرفة الفارسية مقارنة الترجمة بالأصل فنعتمد على قول المتخصص. ولكن هذا لا يعفينا من مشكلة أننا بالفعل نقارن ترجمة بترجمة، ولهذا الأمر مشكلاته الخاصة به. بل اضف إلى هذا أن القول (في يدك) ثم إضافة (في متناول يدك) كمعنى آخر يعني وجود بعض الشك في المعنى المقصود؛ فإذا كان الشيء (في يدك)، فهو بالتأكيد ليس (في متناول يدك). فالمعنى الأول يفيد تملكك له وقدرتك عليه، أما الثاني فلا يفيد سوى سهولة الوصول إليه، وهذا المعنيان ليسا الشيء نفسه. ولذلك اجد نفسي أتسائل: ماذا قال الخيام في واقع الأمر؟ هل قال (في يدك) أم (في متناول يدك)؟ أم هل تسمح الفارسية باشتمال التعبير الفارسي على هذين المعنيين بحيث أن الشاعر أراد بالفعل الإبهام؟ وأسئلة كثيرة أخرى تثور في عقل المترجم واللغوي، وكلها تمخضت عن النظر في مقارنة ترجمة بترجمة مع غياب الأصل وإمكانية الحكم عليه من جانب غير العارف بالفارسية.

وكما نعرف جميعًا فإن كتابة الشعر وترجمته إنما تكون لأغراض متعددة ومختلفة. ومن ثم فليس هناك قاعدة واحدة يمكن الارتكاز عليها، وإصدار التعليمات بشأن كيفية الترجمة. فإن كان الغرض من النقل هو المعاني الدقيقة كما أرادها الشاعر فلا شك ستختلف الترجمة في فحواها عما إذا كان الغرض هو نقل الإمتاع الأدبي في قالب شعري يستسيغه متلقي الترجمة بلغته المخالفة للغة النص المصدر. ومن ثم فلا يمكن تعميم القول أن ترجمة الشعر نثرًا أفضل من ترجمته شعرًا، بل لكل ترجمة غرض يحدد كيف تكون الترجمة. والحقيقة أن الغرض ليس هو المعيار الوحيد كما نعلم جميعًا، ولكنه واحد من العوامل المؤثرة بالقطع. وفي هذا حديث يطول. بل قد يخلو الشعر نفسه من المعاني الجليلة ويكتفي بالجرس الموسيقي المؤثر في النفس. فقول بشار "ربابة ربة البيت .. تصب الخل في الزيت/ لها سبع دجاجاتٍ .. وديك حسن الصوت" لا يقل شاعرية عند النظر في غرضه، وموسيقيته، وإدخاله السرور والإمتاع على نفس متلقيه، عن قول شوقي"ريم على القاع بين البان والعلم ... أحل سفك دمي في الأشهر الحرم" أو عن رائعة من روائع المتنبي وغيره.
انظر لبيت وردسورث:
And then my heart with pleasure fills and dances with the Daffodils
هل يحتوي هذا البيت على معان جليلة؟ فالرجل يقول بوجه عام إن قلبه يرقص من الفرح مع الزهور. فليس في هذا تجديد، ولا روعة معنوية بحال، بل هو في حقيقته معنى متكرر، لا يستحق في أحوال كثيرة التوقف عنده. ولكن روعته الشعرية تتمثل في هذه البساطة المتناهية في التعبير، بألفاظ سهلة، ووقع صوتي جميل في نفس المتلقي. وليس هذا كله مما يسهل نقله حتى مع استعمال أفصح الكلمات، وأجلِّها.

ولي عودة إن شاء الله ... إن كان في العمر بقية.
__________________
د. أحـمـد اللَّيثـي
رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.

فَعِشْ لِلْخَيْرِ، إِنَّ الْخَيْرَ أَبْقَى ... وَذِكْرُ اللهِ أَدْعَى بِانْشِغَالِـي

رد مع اقتباس