Arabic Translators International _ الجمعية الدولية لمترجمي العربية

 


العودة   Arabic Translators International _ الجمعية الدولية لمترجمي العربية > منتدى أهل الأدب Literary Forum > واحة الشعر Poetry > القصة العربية القصيرة Arabic Short Stories

القصة العربية القصيرة Arabic Short Stories القصة العربية القصيرة

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: هل يمكن معرفة حقيقية لللغة الفرعونية؟ (آخر رد :Dr-A-K-Mazhar)       :: ماذا يعني ان تكون الأكادية أقدم تدوينا من العربية؟ (آخر رد :محمد آل الأشرف)       :: ترجمة عبارات وجمل دينية (آخر رد :إسلام بدي)       :: Cfp_فعاليات الترجمة (آخر رد :ahmed_allaithy)       :: قراءة في رواية " قنص الأفاعي " للكاتب هيثم القليوبي بقلم / مجدي جعفر (آخر رد :مجدي جعفر)       :: لقاء مع جريدة مصر اليوم العربية والكاتب الصحفي سيد عبد الحفيظ مكتب أسيوط (آخر رد :جمال هديه)       :: مختارات أدبية وعلمية وسياسية مترجمة (آخر رد :إسلام بدي)       :: ذكرى غالية (آخر رد :عبدالحليم الطيطي)       :: الأستاذ الدكتـور فرحـان السـليـم - اللغــة العـربيــة ومكانتهـا بيـن اللغــات (آخر رد :AdilAlKufaishi)       :: عزاء للدكتور عبدالمجيد العبيدي بوفاة والده (آخر رد :د. أحمد صالح غازي)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 09-10-2006, 12:32 PM
الصورة الرمزية admin_01
admin_01 admin_01 غير متواجد حالياً
إدارة المنتديات
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 425
افتراضي التراث الشعبي - الجزء الأول

مشاركات للدكتور أحمد زياد محبك في التراث الشعبي
مقدمة

*

للحكاية الشعبية قيمةٌ كبيرة، فهي مادة خصبة لبحوث شعبية واجتماعية وتاريخية وفكرية ودينية وأدبية وثقافية وإنسانية، وقد عنيت بها شعوب كثيرة، جمعاً وتوثيقاً ودراسة، وتكاد في العصر الحاضر تنسى، بسبب ما استجد من وسائل الترفيه والتسلية والتعليم، ولقد كانت إلى وقت غير بعيد الوسيلة الأولى لذلك كله.

وليست الغاية من تدوين هذه الحكايات إحياءها، وإنما حفظها وتوثيقها، ووضعها مادة أمام الدارسين، فقد يتيح هذا الحفظ إمكان توظيفها في أشكال جديدة، ولذلك قد تبدو في بعض الحكايات عناصر أو مفاهيم أصبحت غير مناسبة لهذا العصر، ولكن* هذا لا يحول دون حفظها تدويناً وتوثيقاً لما لها من أهمية وقيمة.

ويضم هذا الكتاب بين دفتيه أكثر من مئة وخمسين حكاية شعبية، مروية بالعربية الفصيحة، كما سمعت من غير تعديل في شخصياتها أو حوادثها أو مغزاها، ولا تغيير في بنيتها العامة، ولكن تم الحرص على روايتها بالعربية الفصيحة لأنها الوسيلة الأرقى والأبقى، وليست الغاية من توثيق الحكايات دراسة اللهجة العامية، التي هي لهجة متغيرة، ودرسها لا يخدم العربية الفصحى في شيء، بخلاف الشعوب الأوربية التي دون كل شعب منها حكاياته باللهجة العامية التي هي لغته القومية، وليس علينا أن نقلدهم، لأن اللغة العربية هي لغة العرب جميعاً، وهم شعب واحد، ومهما تعددت لهجاتهم أو اختلفت فهي ترجع في جذورها إلى العربية الفصيحة، ومهما ابتعدت عنها فلا يمكن أن تستقل، أو تتحول إلى لغة، بخلاف اللهجات الأوربية التي تحولت إلى لغات لأن كل لهجة ترجع إلى لغة وهي خاصة بشعب دون آخر، ولذلك كله لا مسوغ لتدوين الحكايات الشعبية العربية باللهجات العامية، والضرورة كل الضرورة في تدوينها بالعربية الفصيحة.

وتمّ تصنيف الحكايات في نوعين، الأول حكايات طويلةّ، والثاني حكايات قصيرة، والمعيار في هذا التصنيف ليس الحجم أو عدد الصفحات، وإنما البنية العامة، بما فيها من حوادث وشخصيات. وقد تتابعت الحكايات داخل كل نوع من غير أن تخضع لترتيب معين، كي تحافظ على إدهاشها للقارئ، وجعل كل نوع في قسم، وكان البدء بالدهاليز، واحتوت على ثلاثة، وقد ذيلت كل حكاية بتعليق، قد يطول أو يقصر، وفق ماتوحي به الحكاية نفسها، والغايّة منه فتح آفاق على جوانب مختلفة في الحكاية، ولقد تم وضع مدخل للحكايات تضمن الكلام على التراث الشعبي عامة والحكاية الشعبية خاصة.

ومعظم هذه الحكايات سمعت في مدينة حلب وريفها، من عجائز متقدمين في العمر، وأكثرها -ولا سيما الطوال- من رواية جدتي لأبي، وقد توفيت عام 1970 وكان لها من العمر خمسة وثمانون عاماً، وقد سمعتها عنها مرات عديدة، ويرجع اهتمامي بهذه الحكايات وتدويني لها إلى عهد بعيد، وقد تراكمت عندي مع الزمن.

وثمّة روايات لبعض هذه الحكايات في معظم أرجاء الوطن العربي، قد تتفق معها أو قد تختلف، وبعضها له روايات في بقاع مختلفة من العالم، ومن هنا تأتي قيمة الحفظ والتدوين والتوثيق، إذ تعني التواصل واللقاء، ولا تعني البتة شيئاً من الإنغلاق، وسيكون للحكايات الشعبية مستقبلاً عن غير شك قيمة لا يمكن التنبؤ بها الآن، وحسبها أنها نتاج وجدان شعبي صادق وعفوي، ومثل هذا النتاج جدير من غير شك بالحفظ والتدوين، بل جدير بالقراءة والإفادة منه والدرس.

*

أحمد زياد محبك

*

التراث الشعبي

*

إن التاريخ الحقيقي لحياة الشعوب، في طبيعة تفكيرها، ونمط تعبيرها، وأشكال انفعالها، وأساليب فعلها، وفي همومها وآمالها، وشقائها وطموحاتها، مايزال تاريخاً غير مكتوب إلى اليوم.

والدراسات التي يظنها المرء قريبة من الشعب، مثل دراسة الآداب والفنون، والتاريخ وسير الرجال، هي دراسات أكثر بعداً عن الشعب، على الرغم مما تبدو عليه من قرب في الظاهر.

إن تاريخ الأدب يعنى بأشكال وأنواع هي من نتاج فئة من الشعب، وليست نتاج الشعب نفسه، ولا شك في أن تلك الفئة هي جزء من الشعب، ولكنها لاتعبر في الأغلب عن وجهة نظره، ولا تمثله في ثقافتها المتميزة، ومزاجها الخاص، والأدب ليس بصادر عن الشعب، وإنما هو موجه إليه، فليست الغاية منه هي التعبير عنه، وإنما التأثير فيه، فالأدب يراد به إلى التغيير، أو الدعاوة لفكرة أومذهب، أو الشهرة على الأقل. وقد تبدو في الأدب صورة ما للشعب، ولكنها ليست صورة موضوعية، ولا حقيقة، وإنما هي صورة من وجهة نظر خاصة، ذاتية، وهي صورة منعكسة في الأدب انعكاساً، وليست متحققة فيه، والباحث هو الذي يستنبطها، وهي بعد ذلك صورة عامة، ذات ملامح باهتة، هي مايعبر عنه عادة بـ "روح العصر":

وأما التاريخ، فقد كان، ومايزال إلى اليوم، معنياً بسير العظماء، وتاريخ حياتهم، وأثرهم في الحياة العامة، ودورهم في مجتمعاتهم، وحتى حين يحاول التاريخ العناية بجماهير الشعب، ذات الدور الحقيقي في صنع التاريخ، يظل مهتماً بأفراد متألقين، يرسم من خلالهم صورة عامة للناس، لا تظهر فيها معاناتهم الحقيقية، ويبدو أن التاريخ الحديث قد أخذ يتجه نحو التاريخ العام، الذي يعنى بتاريخ الحضارات، وبظواهر التاريخ وقضاياه العامة، مثل الحروب والثورات والتغيرات الاقتصادية.

إن التاريخ الحقيقي للشعب، في همومه وعذابه وآلامه وشقائه، وفي أفراحه وطموحاته وآماله وكفاحه، وفي تفكيره وانفعاله، وفي فعله وتعبيره، لايمكن أن يتحقق إلا بالبحث في نتاج يقدمه الشعب نفسه.

والنتاج الذي يقدمه الشعب نفسه، هو النتاج الذي كان، إلى عهد قريب، منبوذاً من أكثر دارسي الأدب، والباحثين في التاريخ، بل كان مزدرى وممقوتاً، إنه النتاج الذي يوصف عادة بأنه نتاج غير راق ولا متطور ولا رفيع، وأنه نتاج "العامة" والذي لا يحظى بشيء من الرعاية والاهتمام، بل لا يلقى الاعتراف، وإن كان في حقيقته ليس كذلك، بل إنه في أهميته وقيمته، على النقيض من ذلك كله.

ولابد من أن يلاحظ أن موقف الازدراء من نتاج الشعب ليس موقفاً أصيلاً ولا قديماً في المجتمع العربي، وإن هو إلاّ موقف طارئ.

لقد عني الدارسون الأوائل بالمرويات الشعبية، وحفظوها، وصنفوا فيها، وأبرزوا قيمتها، مثلها في ذلك مثل الأدب الذي يبدعه كبار الأدباء، أو الأقوال التي يقولها كبار الفلاسفة، ولا يذكر في هذا المجال أفذاذ عنوا بالمرويات الشعبية، أمثال أبو عبيدة معمر بن المثنى (توفي 209هـ) والأصمعي(216هـ) والأصفهاني (356هـ)، فحسب، وإنما يذكر غيرهم أيضاً، من كبار الأدباء، عنوا بالمرويات الشعبية، أمثال الجاحظ(255هـ)، وابن عبد ربه (327هـ)، وأبي علي القالي (356هـ).

ومما لاشك فيه أن العناية اليوم بالنتاج الشعبي ليست كالعناية به في القديم، ولا سيما في الأساليب والمناهج، ولكن عناية الأقدمين به، تظل ذات دلالة على موقف سليم.

وإذن فالنتاج الذي يمكن من خلاله معرفة الشعب معرفة صحيحة، ويمكن به كتابة تاريخه الحقيقي، هو نتاج الشعب نفسه، ويتمثل في كل مايقوله الناس ويفعلونه، في حياتهم اليومية، تجاه موقف ما، استجابة منهم لذلك الموقف، استجابة عفوية، تامة، وتعبيراً عن موقف منه أيضاً.

ويمكن أن يلاحظ في النتاج الشعبي نوعان، النوع الأول قولي، والنوع الثاني فعلي.

ومن النوع الأول، القولي، الحكم والأمثال والأغنيات والحكايات والنكات والتحزورات والدعاوات ونداءات الباعة وأسماء المحلات ومايكتب من كلمات أو جمل أو تعليقات أو أبيات على المناديل والثياب وجدران البيوت من الداخل، وعلى الأبواب وشاهدات القبور، وعلى وسائط النقل، وغير ذلك.

ومن النوع الثاني، الفعلي، الاحتفالات في الأعياد، والمناسبات والطوارئ من زواج ووفاة وولادة، والرقص وألعاب الأطفال، وعادات الزيارة والولائم، وأزياء الملابس، وأثاث البيت وزينته، وغير ذلك.

والنوعان في النتاج الشعبي، من قولي وفعلي، متكاملان، بل متداخلان، إذ كثيراً مايصحب أحدهما الآخر ويشاركه.

وأبرز مايتسم به النتاج الشعبي هو عفويته وشموله، فهو موقف عفوي، يصدر فوراً من غير تخطيط ولا دراسة، ولكنه موقف أصيل، يحمل الفكر والانفعال، معاً، ويمثل شعوراً جمعياً، وهذا مايضمن له سرعة الانتشار والقبول من الجميع، فيحقق بذلك الشمول، فإذا هو كلي، عام، مشترك.

والنتاج الشعبي في حقيقته إبداع جماعي، قد يكون مبدعه الأول فرداً، وقد يكون نتيجة لحادثة وقعت فعلاً، ولكنه لا يظل كذلك، إذ مايلبث أن يصبح ملكاً للجميع، يتناقلونه، ويضيفون إليه، بل يبدعونه ثانية، حتى يبدو في أصله غير حقيقي، فيتخذ عندئذٍ طابعه الشعبي، وينسى مبدعه الأول، كما تنسى حادثته الحقيقية الأولى، وإن ذكرت فكأنها خرافة لا حقيقة.

ولأن النتاج الشعبي تعبير عفوي، فهو مؤقت، ومتغير، وليس ذا شكل أو قالب ثابت، وهو متجدد دائماً، تموت فيه أشكال، وتولد أشكال.

والنتاج الشعبي مايزال إلى اليوم، وإن كان يبدو أنه قد مال إلى الضعف، فالإذاعة والتلفزيون والصحف وغيرها من وسائل الإعلام، قللت من دوره، وحلت محله، في بعض جوانبه.

ولكن لا يمكن للنتاج الشعبي أن يموت، فهو مستمر، دائماً، ولكن في أشكال جديدة مختلفة، ويكفي للمرء أن يذكر النكتة، التي هي حية دائماً والتي هي دائماً دليل حياة.

وإن حيوية النتاج الشعبي واستمراره، تبرز خطأ المصطلح الشائع في الدراسات العربية. وهو "التراث الشعبي"، إذ يدل هذا المصطلح على القديم من النتاج الشعبي فحسب، وكأنه نتاج قد انقطع، أو كأن القديم منه وحده الجدير بالدراسة، على حين أن النتاج الشعبي نتاج حي متواصل، ولايمكن أن تقتصر قيمته على القديم منه.

وإن كلمة "فولكلور" Folklor الإنكليزية، التي استعملها أول مرة وليم طومس W.Thoms سنة 1846 لا تعني مايعنيه مصطلح "التراث الشعبي"، وإنما تعني في اللغة "حكمة الشعب"، أو "المعرفة الشعبية"، وهي تعني في الاصطلاح النتاج الشعبي كله.

وقد اقترحت في اللغة العربية بعض المصطلحات البديلة من مصطلح "التراث الشعبي" مثل: "المأثورات الشعبية"، و"المردَّدَات الشعبية"، و"الفنون الشعبية" و"الشعبيّات" ولكن لم تحظ هذه المصطلحات من القبول والانتشار مثلما حظي به مصطلح "التراث الشعبي".

ولدعم انتشار مصطلح "التراث الشعبي"، وتأكيد وحدته في الأقطار العربية، يبدو أنه لابد من القبول به، ولكن لابد أيضاً من تأكيد أن معناه يجب ألا يقتصر على القديم من النتاج الشعبي، وإنما يجب أن يشمله كله، قديمه وحديثه.

وإن "التراث الشعبي" لايقل في أهميته التاريخية والعلمية عن أهمية الحفريات والآثار، والوثائق والمحفوظات، بل لا يقل في أهميته عن التقارير الحية والإحصاءات، فهو يقدم مادة أوليّة، عفوية ووصادقة، تساعد في معرفة لا تغيب عنها أدق التفاصيل، في عمق ووضوح، وفي نبض ودفء حي.

ولقد لفتت أهمية "التراث الشعبي" أنظار الباحثين العرب، حوالي منتصف هذا القرن، فبدؤوا العناية به، وكان أول ما أولوه اهتمامهم هو السير الشعبية، وكان رائد هذا الاتجاه هو الدكتور عبد الحميد يونس، ثم أخذوا بعد ذلك بالاهتمام بجوانب أخرى، ولكن اهتمامهم مايزال إلى اليوم منصباً على القديم من "التراث الشعبي" وعلى الجانب القولي منه خاصة.

وإن دراسة "التراث الشعبي" لا يمكنها أن تنهض نهوضاً صحيحاً، بل لا يمكنها أن تبدأ بداية سليمة، قبل تدوين ذلك التراث، ورصده وتسجيله، في جوانبه كلها، وفي معناه العام الشامل.

ولابد من التأكيد على ضرورة تسجيل "التراث الشعبي" باللغة العربية الفصحى، لا باللهجة العامية، كي لا يكون في ذلك تشجيع اللهجة العامية، ولتحقيق انتشار التراث الشعبي بين أقطار الوطن العربي جميعاً، وهو في حقيقته تراث واحد مشترك، وإذا ما ظهرت فيه بعض السمات الخاصة بقطر أو بآخر، فإن سمات أخرى عامة أكثر وأهم تظهر في جميع أشكال التراث في الوطن العربي، بل إن جزئيات خاصة يتكرر ظهورها في التراث الشعبي في كل قطر، سواء في الحكاية والمثل والأغنية، أم في العادات والأزياء والتقاليد، مما يؤكد وحدة ذلك التراث.

*إن "التراث الشعبي" هو الصورة الحقيقية للشعب، وهو بالنسبة إلى الشعب العربي، تراث شعبي واحد مشترك، يؤكد وحدة الشعب العربي، ويدعمها.

*

*

*

*

الحكاية الشعبية

*

الحكاية الشعبية هي أحدوثة يسردها راوية في جماعة من المتلقين، وهو يحفظها مشافهة عن راوية آخر، ولكنه يؤديها بلغته، غير متقيد بألفاظ الحكاية، وإن كان يتقيد بشخصياتها وحوادثها، ومجمل بنائها العام.

وغالباً ماترويها العجائز لأحفادهن، في ليالي الشتاء الطويلة، قبل الذهاب للنوم، وقد يرويها غير العجائز، في مواقف تقتضيها، للعظة والاعتبار وضرب المثل، ولكن الحكاية لا تسرد على الأغلب إلا ليلاً، في جو يتم التهيؤ له، فالجدة تقعد على حشيّة، ويقعد الأولاد أمامها في استعداد للتلقي.

وتلقى الحكاية بلغة خاصة متميزة، ليست لغة الحديث العادي، مما يمنحها قدة على الإيحاء والتأثير، وغالباً مايكون الإلقاء مصحوباً بتلوين صوتي، يناسب المواقف والشخصيات، وبإشارات من اليدين والعينين والرأس، فيها قدر من التمثيل والتقليد.

ويتم التلقي بإصغاء حاد، قد يتخلله الضحك، أو الفزع، كما يقتضي الموقف، ولكن في تقدير واحترام، وتصديق واندهاش، ومن غير مقاطعة.

وغالباً ماتسبق الحكاية بمدخل، يدعى "الدهليز" وهو حكاية قصيرة جداً، ذات فكرة هزلية، سخيفة ضاحكة، يلقى بلغة محفوظة، مسجوعة أو منظومة، ولا علاقة له بالحكاية التي تلقى بعده.

ومن أمثلة ذلك، الدهليز التالي: "طلعت والدنيا دغشة، لأعلق للتبن جحشة لقيت على غفلة قدامي، الحيط ينقب الحرامي، لا حني ولحته، من عزمي وقعت تحته، شوفوا رقبتي، ما أحمرها، من الكفّ اللي سلخته".

*

ولكل حكاية اسم، هو عنوانها، ويستمد من عنصر بارز فيها، من الشخصيات أو الحوادث، وهو اسم ثابت، قليلاً ما يتغير، وبعض العنوانات تطلق على عدة حكايات، مثل حكاية "الأخوات الثلاث".

*

وتبدأ الحكاية ببداية ثابتة محفوظة، مثل:"كان ياماكان، ياقديم يازمان، نحكي إلا ننام، إلا نصلي على محمد بدر التمام، كان في قديم الزمان....".

وكثيراً مايتم في الحكاية القطع، بالوقوف في موضع من الحكاية، والعودة إلى الوراء لسرد حديث عن شخصية، أو حادثة، يدعي الراوي أنه نسي سردها، بقولهن: "فاتني أن أحكي لكم..."، وإن كان يعمد إلى مثل ذلك، على الأغلب، لأن الحكاية مبنية على القطع، الذي يمكن أن يصطلح عليه في الحكاية الشعبية بالفوت.

وقد يخلط الراوي حكاية بحكاية، فيضع نهاية حكاية ما، موضع حكايته التي يرويها، أو قد تقترب الحكاية من نهايتها، فيشعر بحاجة المتلقين* إلى سماع المزيد، فيصل حكاية بحكاية، وغالباً مايتنبه المستمعون إلى ذلك، فيقال عن الرواية عندئذٍ بأنه قد "وصل الحبل بالحبل".

وأحياناً يبتسر الراوية الحكاية، فيقفز سريعاً إلى نهايتها، لأنه يجد لدى المتلقين، مايحمله على مثل ذلك الابتسار، من ملل أونعاس.

وأحياناً أخرى يشرك الراوية المتلقين في حوادث الحكاية، وشخصياتها، فيخرج عن السرد ويفاجئ المتلقين، فيشبه أحدهم بإحدى الشخصيات، أو يدخله في الحكاية، ويعطيه دوراً فيها، على سبيل المزاح.

وتختتم الحكاية بخاتمة محفوظة وثابتة، مثل قول الراوية:"توتة توتة، خلصت الحدوتة"، ثم يلتفت إلى المتلقين فيسألهم: "مليحة إلا مفلوتة؟!"، أي" هل الحكاية جيدة أم هل هي سيئة!"، فيجاب بقول المتلقين:"مليحة، يسلم تمك"، أي" جيدة، حفظ الله فمك".

*

والحكاية تقدم قصة ذات بداية ونهاية، متكاملة، وتمتاز بالتماسك وقوة الحبك والبناء، وهي تعتمد على حوادث كبيرة فاصلة، وغالباً ماتكون غريبة ونادرة، وهي حوادث كثيرة وكبيرة، وليس فيها شيء من الوقوف على الحوادث الصغيرة والتفصيلات، أو شيء من الاهتمام بالمواقف النفسية والانفعالات.

والحكاية تمتد طويلاً في الزمان، وتشغل حيزاً كبيراً في المكان، فتتغير فيها المواضع، وتتبدل العهود، ولا تنتهي الحوادث حتى يستقر كل شيء، وتتحقق الاحتمالات والتوقعات كافة، وينال كل ذي حق حقه، بما يرضي الجميع، ولذلك غالباً ماتكون النهاية هي الموت، بعد السعادة والاستقرار، فيقال في الختام عن شخصيات الحكاية: "وعاشوا في ثبات وتبات، وأنجبوا البنين والبنات، حتى أتاهم هادم الملذات، ومفرق الجماعات، فنقلهم من وسيع القصور، إلى ضيق القبور، فسبحان الحي الذي لا يموت".

وعلى الأغلب لا يحدد الزمان، ولا المكان، فالزمان هو "قديم الزمان، وسالف العصر والأوان". والمكان هو "بلد من بلاد الله الواسعة"، وقد يحددان تحديداً عاماً، كبغداد، مثلاً، أيام هارون الرشيد، وقد يشبهان بالزمن الحاضر، وبالمدينة التي تلقى فيها الحكاية، على سبيل التقريب والتوضيح، أو ضرب المثل.

ويتم تجاوز الأبعاد الزمانية والمكانية في سرعة كبيرة، من غير مبالاة بالعقبات والصعاب، فالأيام تمر كالظلال، حتى قبل أن تعد، فيقال: "عدوا البيض في المقلاة، ولا تعدوا أيام الحبلى"، دلالة على سرعة مرّ الأيام، والبلاد تطوى طيّ البساط، والركبان"، تحملهم بلاد، وتحط بهم بلادّ، حتى يبلغوا البلد المقصود.

والشخصيات في الحكاية واضحة مجددة، وهي على الأغلب شخصيات نمطية، تتحدد بموقعها في الأسرة، أو بمكانتها في المجتمع، كالأب والابن والزوج والكنّة والحماة، أو كالملك والوزير والتاجر والسياف والخادم والفقير، ولا توصف الشخصيات، ولا تحدد ملامحها الجسمانية أو النفسية، إلا إذا كان فيها عيب، من عور أو عرج أو قصر، مثلاً، أو بخل أو جبن أو خبل، وغالباً ما يكتفى بصفة واحدة، تتحدد بها الشخصية.

وعادة ماتوجد شخصية محورية، أو شخصيتان، وتوجد من حولها شخصيات ثانوية كثيرة، وإذا كانت الشخصيات الثانوية ثابتة ومسطحة، فإن أغلب الشخصيات المحورية نامية ومتطورة.

وتقدم الحكايات أنواعاً كثيرة من الشخصيات، في غنى وتنوع كبيرين، فهي تقدم الأب المغرور والأم العطوف، وزوجة الأب الظالمة، والابنة الوفية، والأخت المشفقة، والأخ الغادر، والزوجة اللعوب، والصديق الوفي، والجار الغني، والكنة التي تكيد لحماتها، والحماة التي تبغض كنتها، كما تقدم الملك الجائر الظلوم، والسلطان العادل الحكيم، والوزير الذكي الماكر، والنديم الوفي المخلص، وابن الملك الذي يهوى ابنة الوزير، وبنت الملك التي يهواها شحاذ فقير.

وهي تقدم تلك الشخصيات، وغيرها، في توازن وانسجام غريبين، هو توازن الحياة وانسجامها، على الرغم مما يبدو فيها، في الظاهر، من تعدد وتناقض واختلاف.

*

ويلاحظ أن الحكايات تقدم غالباً الشخصيات القلقة المضطربة، ولكنها تنتهي إلى الخلاص مما هي فيه، والتحول إلى الأفضل.

ومن ذلك حكاية الملك المغرور، الذي سأل بناته الثلاث أن تصف كل واحدة منهن حبها له، فتملقت اثنتان منهن غروره، فرضي عنهما، وزوجهما من وزيرين من وزرائه، وأبت الثالثة أن تتملقه فغضب عليها، وزوجها من فقير، يعمل وقاداً في حمام، فصبرت على الفقر والذل والهوان، ثم ساعدتها الجن، فاغتنت هي وزوجها، وابتنت قصراً، ودعت إليه والدها، فتعرف إليها ورجع عما كان فيه من غرور.

وتقدم الحكايات الشعبية شخصيات غير بشرية كثيرة، ذات دور فريد ومتميز، وغالباً ماتكون وفية للإنسان، مخلصة له، تساعده على الخلاص، حين لا يجد المساعدة عند البشر. ‏

ومن تلك الشخصيات السمكة التي تقدم الرزق الوفير للصياد، على شرط أن يطلقها من الشبكة، ويعيدها إلى البحر، والأفعى التي تقدم العون والخير لمن يعينها ويساعدها، والطائر الذي يقدم نفسه للإنسان، كي يذبحه ويصنع من دمه وريشه ولحمه مرهماً يشفي الجراح.

كما تقدم الحكايات الشعبية شخصيات بشرية مسخت بفعل السحر وحولت إلى حيوان أو نبات أو جماد، ولا تنتهي الحكاية، حتى يعود المسخ إلى ماكان عليه، في وضع أكرم من قبل، وأفضل* ولكن بعد معاناة.

ومن تلك الشخصيات ابن السلطان الذي مسخ طائراً أو حصاناً، والأخ الذي مسخ غزالاً، والأخت التي مسخت هرة، والأخوة الذين مسخوا شجرات، وأهل البلدة الذين مسخوا حجارة.

كما تقدم الحكايات الشعبية شخصيات أخرى غريبة، كالغول والعفريت والمارد والجني، وأكثرها يخدم الإنسان، ويساعده.

وتعتمد الحكايات الشعبية على كثير من الأدوات والوسائل التي تحدث في الحكاية تغيراً، تقوم عليه نهايتها، من ذلك كرة الخيطان التي تتدحرج فتدل من يتبعها على موضع يطلبه، وعود الثقاب الذي يحضر باشتعاله جني؛ يخدم من أشعله، والخاتم الذي يوضع في صحن الطعام، فيتعرف بوساطته الأب إلى ابنته، أو الحبيب إلى حبيبته، بعد فرقة طويلة وغياب.

ومثل تلك الأدوات والوسائل، وغيرها من الجزئيات الثابتة، تتكرر في كثير من الحكايات، تكرار غريباً، فيه كثير من الإقناع والإدهاش، على الرغم من تكراره، وهو مايمنح الحكايات جميعاً، وحدة متماسكة، وطابعاً خاصاً، هو إحدى ميزاتها.

وتظهر في الحكايات جمل وتعابير جاهزة محفوظة، هي كالمرتكزات، يستعين بها الراوية في السرد، وأغلبها جمل وصفية، تصلح في مواضع مختلفة، منها وصف الأرض المنقطعة بالجملة التالية: " أرض لا طير فيها يطير، ولا وحش فيها يسير".

وتتضمن كثير من الحكايات أمثلة وحكماً ومواعظ ومواويل، وبعضها بني خاصة على تلك المواد، وبعضها الآخر يحشد منها حشداً هائلاً.

*

ويمكن تمييز أنواع كثيرة في الحكايات الشعبية، بحسب موضوعها، أو طولها، أو بنائها، أو غايتها، كالحكايات الدينية، وحكايات الجن والعفاريت، وحكايات السحر والخوارق، وحكايات الانتقاد الاجتماعي، وحكايات الحيوان، وحكايات العظة والاعتبار، وحكايات الفكاهة والتندر، وكالحكايات الطويلة، والحكايات القصيرة، والحكايات القصيرة جداً، وكالحكايات ذات القصة الواحدة، وهي كثيرة، والحكايات ذات القصتين، أو الأكثر من ذلك، متداخلة، أو متفرعة، أو متلاحقة، وكالحكايات الخاصة بالأطفال، وحكايات الكبار.

وهي أنواع كثيرة، بعضها يتداخل في بعض، وكثير من الحكايات يمكن تصنيفها في أكثر من نوع، ولذلك يبدو التصنيف أمراً لا يخلو من تعسف.

والحكايات عامة شائقة، ليس للأطفال فحسب، بل للكبار أيضاً، وحكايات الصغار نفسها تعبر عن الكبار، وتتضمن تجاربهم، وتحمل خلاصة خبرتهم.

ومن الحكايات الخاصة بالأطفال، والتي تعبر عن أحاسيس الكبار وانفعالاتهم حكاية "أنف القاضي"، وهي تتحدث عن بنت صغيرة، عثرت بفلس صغير، فاشترت به دبساً، وضعته في صحنها الصغير، ثم زارتها الذبابة، تطلب منها أن تعيرها غربالاً، فدلتها على موضعه في مطبخها الصغير، وماكان من الذبابة إلا أن لعقت الدبس، حين رأته في الصحن، وتركت بدلاً منه القذر، وشكت البنت الصغيرة أمرها إلى القاضي، فسخر منها، لصغرها، وصغر بيتها وأدواتها، ثم قال لها: "حيثما رأيت الذبابة، فاقتليها إذا استطعت"، وحطت ذبابة على أنف القاضي، فخلعت البنت الصغيرة نعلها ، وضربت به الذبابة.

ولئن دلت الحكاية على شيء فهي تدل على إحساس الضعيف بضعفه، وعدم توقعه من القضاء أن ينصفه، وأنه ليس له إلا أن ينتصف لنفسه بنفسه، وقد تم التعبير عن الإحساس بالضعف بالرمز إليه بالصغر في الجسم والمسكن والأدوات.

*

وكثير من الحكايات تعبر عن قضايا في الواقع يعاني منها الفقراء والمحرومون، وتحمل توقهم إلى العدل والحرية والرخاء، ولكن لا يتحقق لهم ذلك في الحكاية إلا بالمعجزات والخوارق، مما يدل على إحساسهم باستحالة الوصول إلى العدل والحرية والرخاء في الواقع، وهو مايجعل للحكاية دوراً في خلاصهم مما هم فيه من ضيق ومعاناة، فكأن الحكاية حلم، يتحقق فيه مالا يمكن أن يتحقق في الواقع، والحكاية بذلك تخفف من الإحساس بالظلم والقهر، ولا تنسّي شيئاً من ذلك الإحساس، ولا تشير إلى شيء من محاولة الرفض والتغيير، وأكثر الحكايات تقوم على موقف سلبي، عماده الصبر والانتظار، والتعلق بالآمال والأحلام، والتي تتحقق أخيراً من غير كدح ولا عناء، ولا سعي إلى التغيير، وإنما بالمصادفة، والمعجزات.

ومن الحكايات التي تمثل ذلك حكاية (عمود الذهب) وهي تتحدث عن امرأة تلح على زوجها الفقير أن يشتري لها الحلي والأساور والعقود الذهبية، كي تتحلى بها، كما تتحلى زوجات الأغنياء، ويعدها الزوج عدة مرات أن يشتري لها ماتريد، ولكنه لا يفي بوعده، لأنه لايستطيع، لفقره، ثم يعدها أن يشتري بدلاً من ذلك داراً، ويتحقق الوعد، إذ تعرض في السوق دار تسكنها الجن، ويمكن من يريد شراءها أن يسكنها سبعة أيام، ليجربها، ويقرر بعد ذلك، شراءها، أوتركها، وينقل الزوج الفقير زوجته وأولاده إلى تلك الدار، وتنعم الزوجة برحابة الدار، وجمالها، وبما فيها من أثاث ورياش وفراش، وفي نهاية الأيام السبعة، يدعوها الزوج إلى العودة إلى الدار القديمة، ولكن الزوجة تدعوه إلى كنز في الدار، تمكنت بجرأتها ورباطة جأشها من هزيمة الجني الذي يرصده فأصبح الكنز ملكها، وتحققت لها الأحلام كلها.

وتعبر الحكايات عامة عن فلسفة بسيطة، لا تعقيد فيها، ولا عمق، هي فهم الإنسان للحياة فهماً أولياً، في أثناء بحثه عن التلاؤم مع الواقع، ورغبته في تحقيق الراحة والاستقرار، وهي فلسفة توسطية، عمادها اعتبار الفضيلة وسطاً بين رذيلتين، مع ميل إلى القبول والرضى والمصالحة، والاقتناع بالبساطة والكفاف، وهي فلسفة لا تخلو من ذكاء وتألق، وتمتاز بالبساطة، والقدرة على التأثير.

*

ولا يعرف واضح الحكاية الأول كما لايعرف راويها الأول، إذ أنها لا تلقى شيئاً من التوثيق في الرواة، وإذا ما ذكر أحد منهم، فغالباً مايذكر الراوية الأخير، الذي هو أحد أفراد الأسرة ولاسيما الجدة.

وتحمل بعض الحكايات طابع بيئتها وملامحها، فمن الممكن أن يلاحظ في بعض الحكايات، مثلاً، البحر والبحارة والسفن، وفي حكايات أخرى الأسواق والتجار والبضائع، مما يوحي بإمكان نسبة حكاية ما إلى بيئة ما، ولكن لا يمكن في الواقع الجزم بتلك النسبة، كما لا يمكن تخصيص نوع من الحكايات ببيئة ما، فالحكايات سريعة الانتشار، سهلة التناقل.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 09-10-2006, 12:33 PM
الصورة الرمزية admin_01
admin_01 admin_01 غير متواجد حالياً
إدارة المنتديات
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 425
افتراضي _MD_RE: التراث الشعبي - الجزء الثاني

عود على البدء

*

كان كتكتان

طف سلح بالدكان

لقى طابة خيطان

مسح بها ورماها على الجيران

قال لهم ياجيراني

عطوني خيطاني

قالوا له لا نعطيك خيطانك

حتى تسلم على حيطانك

قال له سلامة ياحيط

قال له أنا الفارة نقبتني

قال لها سلامة يافارة

قالت له أنا القطة أكلتني

قال لها سلامة ياقطة

قالت له أنا العصا قتلتني

قال لها سلامة ياعصا

قالت له أنا السكينة قطعتني

قال سلامة ياسكينة

قالت له أنا الحداد طرقني

قال له سلامة ياحداد

قال له أنا ربي خلقني

تعليق:

هذا النص هو دهليز يفتتح به الراوي سهرته، ثم يتبعه ببعض الحكايات، وهو دهليز قصير محفوظ، والغاية منه، مثله في ذلك مثل معظم الدهاليز، إثارة الاهتمام وجذب انتباه المتلّقين، والتأثير فيهم.

وهو يعتمد على التتالي المنطقي الرياضي، بالانتقال مما يشبه النتيجة إلى مايشبه السبب، وهو يبدأ من الأدنى، فينتقل شيئاً فشيئاً في تدرّج بطيء، ولكنه رياضي ومنطقي حتى يبلغ الأقوى والأعظم والأعلى، إذ يبدأ بالجدار وهو جماد، ثم يمرّ بالحيوان، حتى يبلغ الإنسان، ثم يرقى من خلاله إلى الله.

والدهليز ينتهي عند خالق الكون، وهو الله عز وجل، أي إنه ينتقل من مؤثر إلى مؤثر، ومن فاعل إلى فاعل، ومن محرّك إلى محرّك، حتى يصل إلى المحرّك الأول للكائنات كلها، وخالقها، وهو الله تعالى، وبذلك يضع القارئ في تسلسل منطقي أمام السبب الذي لا سبب له، وهو الخالق عز وجل.

ومن هنا كانت الحكايات كلها تبدأ وتنتهي بصيغ مختلفة متعددة، ولكنها جميعاً تبدأ وتنتهي بذكر الله تعالى، لتجعل الحكاية شكلاً من أشكال الفعل والتحرك والعمل الإرادي داخل الإرادة الكلية المطلقة وهي إرادة المولى عز وجل.

وبذلك فالدهليز يذكر بقوة الله وهي القوة الأولى والعظمى والفاعلة والمحرّكة، ثم تأتي الحكايات لتؤكد أنها شكل من أشكال الحركة، داخل إرادة الله.

*

بنت الجيران

*

كان كتكتان، طف على أراضي الشام، نصب المرايا، علّق الميزان، لاقى عجوز مغطاية بإزار، ثلاثة أشكال، رز ومحشي وباتنجان، قالت له: يابني عندك فستق ولبان، قال لها: عندي فستق ولبان، يلبق للصبايا، لا يلبق للعجايز، قالت له: عندي صبية لبيّة، تحاكي الشمس المضية، تقول للقمر غيب، لأقعد محلّك رقيب، قال لها: ياخالتي، يافتاحة الفال، دلّيني على المكان، قالت له: ما أدلّك على المكان، حتى تحطّ في هذا الجيب ميّة، وفي هذا الجيب ميّة، وتلف لفّة مغربيّة، وتركب بغلة زرزورية، وتلحقني للحارة الفلانية، حطّ الولد في هالجيب ميّة، وفي هالجيب ميّة، ولحقها للحارة الفلانية، دقّ الجرس، ردّ الورق، طلعت جارية نارنجية، على رأسها طست وإبريق وصينية، دخل في أول دهليز، مافي مثله بالتمييز، دخل في ثاني دهليز، مافي مثله بالاسكندرية، دخل في ثالث دهليز، أكل وانبسط، وحمد الله، قالت له: ياعمي، افتح كتابك، قال لها: مابفتح كتابي إلاّ ببوسة، قالت له: تضرب، في أي كلام كنا، وبأي كلام صرنا، ونادت الجواري، جاءت واحدة نارنجيّة، وواحدة بإيدها بابوجيّة، ضربوه على ذقنه، طيروا أسنانه، فاق في نصف الليل، لاقى القمر، ونجم سهيل، قال: ياقلب بقيت تعشق، قال له:* أعشق وأتمعشق، ساعة العشق لها نيران، وأنفق الزمان، وهو بيحلم ببنت الجيران، نحكي إلى ننام، إلا نصلّي على محمد بدر التمام.

تعليق:

يعبّر الدهليز عن حلم بالمرأة، بسبب الحرمان منها، وصعوبة الوصول إليها، وهو يدل على مشروعية الحديث عن هذا الموضوع أمام المتلقين، سواء أكانوا كباراً أم صغاراً.

ووظيفة الدهليز هي التمهيد للحكاية بنص افتتاحي متميز، يدهش المتلقي، ويثير اهتمامه، ويشده لمتابعة الحكاية. وقد حقق الدهليز وظيفة بما في اللغة من سجع عفوي، وبما في الجمل من توازن وإيقاع، كما حققها من خلال الانتقال من حالة إلى حالة انتقالاً غير متوقع ولا معقول، ومن خلال المفاجأة بأن كل ماتقدم من حالات لم يكن سوى حلم.

وافتتاح الحكاية بدهليز موضوعه المرأة يذكر بالشاعر الجاهلي الذي كان يستهل قصائده غالباً بالغزل، ليستثير في نفسه الشاعرية، وليحرّض المتلقي، وليعبر، قبل ذلك كله، من غير شك، عن حالة خاصة وعامة في آن، فيحقق التواصل.

*

*

فرش معكوس

*

أنا من بني شحشبو، الكذب مابعرف أكذبو، ربيت البرغوث حتى صار قدّ الأرنبو، لما أسرجوا يخوض البحر من مشرقو لمغربو، ومايطمّو إلى ركبو.

عن طاق عن طرنطاق عن خروف محشي برقاق معلّق على باب الزقاق، شدّوا من دانوا يشرّ دهانو.

طلعت هيك لاقيت أرض مغراق، وأربع قراقير، والقملة شاحطة الخنزير، والعصفور براس الجبل، يدركل علينا الشعير.

قمت بالليل دغشة، لأعلق للتبن جحشة، لقيت المزابل تعوي على الكلاب، والحيط ينقب الحرامي، لاحني ولحتو، ومن عزمي وقوتي وقعت تحتو ولولا حسين ابن أختو، مايخلصني من تحتو، كنت دبحتو، شوف رقبتي ما أحمرها، من الكف اللي سلختو.

تعليق:

الفرش هو نفسه الدهليز.

وهذا الفرش مدخل جميل جداً يقوم على مغالطات لا معقولة، إذ يعكس الأمور، فيحدث الإدهاش، ويثير الشعور بالمفاجأة، وينبّه المتلقي ويعدّه لسماع الحكاية.

وهو فرش ساخر، يثير قدراً غير قليل من الضحك بفضل مافيه من تناقض.

*

*

ساقية من عسل

وساقية من سمن

*

جرت من باب القصر الملكي ساقيتان، إحداهما من عسل، والأخرى من سمن، فرحاً بشفاء ابن الملك من مرض عضال، ألم به سنوات طويلة، وانداحت الساقيتان في شوارع البلدة وطرقاتها، وأقبل الناس على جمع السمن والعسل في الجرار، ولم يبق أحد في المدينة، لم يختزن من السمن والعسل.

ولكن عجوزاً تقيم في طرف البلدة، تناهى إليها الخبر متأخراً، ولما خرجت من بيتها تحمل جرتيها، كانت الساقيتان قد نشفتا، ولم يبق فيهما شيء، فراحت تتبعهما، وتجمع ماعلق بحوافهما، وماتبقى في زواياهما، حتى بلغت منبعهما، عند باب القصر، فاكتفت بما ملأت به جرتيها من سمن وعسل، وحملت إحداهما على رأسها، واحتضنت

*

الأخرى إلى صدرها، وراحت تتدحرج في مشيتها، عائدة إلى بيتها، وقد نال منها التعب، والإرهاق.

وكان ابن الملك في شرفته، يرى إليها، فلم يعجبه صنيعها، وظن فيها الطمع والجشع، فلقد ظلت الساقيتان من الصباح إلى المساء، أفلم يكفها ماقد نالت؟ فما كان منه إلا أن حمل حصاة، وقذف بها الجرة التي على رأسها، فسقطت على الأرض، وتحطمت، وساح منها العسل، فقهقه بصوت عال، ضاحكاً منها، فالتفتت إليه، وأخذت تتأمله ملياً، ثم ماكان منها إلا أن رمت الجرة التي كانت تحتضنها، وقالت: "أسأل الله تعالى أن يوقعك في حب سلمى، مثلما أوقعت الجرة".*

فأسرع إليها ابن الملك، ملهوفاً، وسألها: "ومن هي سلمى؟"، فقالت له: "صبية، عيناها عيناك، وفمها فمك، وأنفها أنفك، تشبهك في جمالها وملاحتها، إذ رآها من يعرفك حسبها أنت، وإذا رآك من يعرفها حسبك إياها"، فتلهف ابن الملك إلى لقائها، وقال لها: "هلا دللتني عليها، ياخالة"، فقالت له: "املأ لي الجرتين، أولاً"، فأمر الخدم، فملؤوا لها سبع جرار عسلاً، وسبع جرار سمناً، فقالت له: "إنها في بلد بعيد، بعيد جداً، وراء بغداد، يدعى شيراز..".

وهمت العجوز بالانصراف، ولكن ابن الملك لحق بها، وتوسل إليها أن تدله على طريق الوصول إليها، فقالت له: "إنها متزوجة يابني، وزوجها كبير الصاغة في شيراز، وهو يغار عليها غيرة شديدة، وقد وضع عليها سبعة أقفال، فليس إليها من سبيل".

فذهل ابن الملك، وأحس بخفق قلبه يزداد، وشعر برغبة كبيرة في الوصول إلى سلمى، ولقائها، أياً كان الثمن، فلقد وقع في حبها، وكأنما أجاب الله دعاء تلك العجوز.

ولم يلبث ابن الملك إلا أياماً، تجهز فيها بالخدم والأموال، ثم شد الرحال إلى شيراز، فلما بلغها نزل فيها متنكراً في زي تاجر، وظل يطوف في أسواقها وطرقاتها، ويتعرف على تجارها وأمرائها حتى اهتدى إلى كبير الصاغة فيها، فقصد إليه ذات مساء، وأقبل عليه وحياه، فدهش الصائغ لمرآه، بل ذهل، ولولا الثياب التي يرتديها، ولولا يقينه من أنه قد وضع على زوجته سبعة أقفال، لحسبه زوجته نفسها، فكل شيء فيه يشبهها: الأنف والعينان والوجه والفم، بل الحديث والكلام.

وقدم الشاب إلى الصائغ جوهرة نادرة، طلب منه أن يصوغ عليها خاتماً، يزين به بنصره، لا يصغر عنه، ولا يكبر، ثم قدّم له ثلاث جواهر هدية، فوق أجرته وطلب منه أن ينجزه في الصباح، وكان الصائغ يعد نفسه في الحقيقة لإغلاق الدكان، والذهاب إلى البيت، ولكنه أمام جود الشاب، لم يستطع الاعتذار، فوعده أن ينجزه له.

وأغلق الصائغ دكانه، ومضى إلى البيت، فتناول قليلاً من العشاء، وحدث زوجته بأمر الفتى الشاب، ووصفه لها، وأخبرها بما بينها وبينه من شبه، وأكد لها أن ذلك الفتى يكاد يكون هي نفسها، ثم أخبرها بأمر الخاتم، والمجوهرات، ورجاها ألا تشغله في شيء وأكب على صوغ الخاتم، وظل يعمل فيه حتى الصباح.

وكانت الزوجة تساهر زوجها، وترقبه وهو يصوغ الخاتم، وهي تتخيل ذلك الفتى الشاب، وتتمنى لو تراه، وقد شغلت به شغلاً.

ولما كان الصباح، انطلق الشاب إلى الصائغ، الذي كان ينتظره في دكانه بقلق واهتمام، فقدم إليه الخاتم، فجربه، فوجده صغيراً، فرده إليه، وطلب منه أن يحتفظ به لنفسه، ثم قدم له جوهرة أخرى، أروع من الأولى، وأثمن، وطلب منه أن يصوغ عليها خاتماً آخر يريده في المساء، ثم قدم له ثلاث جوهرات هدية، بالإضافة إلى أجرته.

فأغلق الصائع الدكان، من الداخل، حتى لا يشغله أحد، وأكب على صوغ الخاتم، بدقة وعناية واهتمام، فأمضى فيه معظم يومه، حتى إذا حل المساء، قصده الشاب فوجده في انتظاره، فلما قدم إليه الخاتم، جرّبه، فوجده أكبر من بنصره، فرده على الصائغ، وطلب منه أن يحتفظ به لنفسه، ثم قدم له جوهرة ثالثة، أروع من الأولى والثانية، وأثمن، وطلب منه أن يصوغ له عليها خاتماً،

يريده في الصباح، ثم قدم له ثلاثة جوهرات هدية، بالإضافة إلى أجرته.

وأقفل الصائغ الدكان، ومضى إلى بيته، وهو في قلق وخجل شديدين، فقص على زوجته ماكان من أمر الشاب، ورده الخاتمين عليه، وتقديمه له الجوهرات الثمينة، هدايا له، فدهشت الزوجة لكرم الشاب، وجوده، وطيبه، ثم تمنت على زوجها أن يسمح لها بتجريب الخاتم الذي صاغه له، وكان أصغر من بنصره، فقدمه إليها، فوضعته في إصبعها، فإذا هو يناسبها، وقد تألق في أنملها وازدان، فسألت زوجها أن تحتفظ به لنفسها، فقال لها: "هو لك"، فحملت الخاتم، ومضت تساهره، وتناجيه، وتتخيل الفتى الشاب فيه، وتتمنى لو تلقاه.

ومضى الزوج في صوغ الخاتم، فأكب عليه، معظم الليل، وهو يوليه من العناية والاهتمام جل مايستطيع، حتى أنهاه.

وفي الصباح قصد الدكان، وقعد ينتظر الفتى، فلما أطل عليه، رحب به، وقدم له الخاتم، وهو قلق مضطرب، فوضعه الفتى الشاب في بنصره، فجاء موافقاً له، فشكره، وأثنى عليه، ثم قدم له اثنتي عشرة جوهرة كبيرة، هدية، فدهش الصائغ، ودعا الشاب إلى مشاركته العشاء، فوعده بالحضور.

وفي المساء قدم الصائغ لضيفه أطايب الطعام، مما أشرفت على إعداده زوجته، نفسها، وأمرت الخدم أن يعنوا به العناية كلها، ثم لما كانت السهرة، أرسلت إليهما مع الخادم كأسين من الشراب، ووضعت في أحدهما منوماً، ونصحت الخادم أن تقدمه إلى زوجها.

وما إن رشف الزوج شيئاً من كأسه، حتى استغرق في نوم عميق، وقبل أن يتم الضيف كأسه، دخلت عليه سلمى زوجة الصائغ، فدهش كلاهما، وأخذ كل منهما بيد الآخر، وراح يتملى ملامحه، ويطيل فيه النظر، وهو معجب به، مفتون.

باح كل منهما للآخر بهواه، من قبل أن يراه، وأمضيا معاً ليلة فيها الأنس والنعيم، حتى طلع الفجر، وأشرف الزوج على أن يفيق، فكان لابد من الفراق، وخاف الفتى الشاب ألا يستطيع إليها الوصول، فسألها ماذا يفعل، فنصحت له بالنزول في الغد إلى البازار ، وحضور المزاد، فإن داراً مجاورة لها سوف تباع، وماعليه إلا أن يزيد في ثمنها، حتى يرسو البيع عنده، وعندئذ يمكن لهما أن يتواصلا من خلال ثغرة يحدثانها في الجدار الذي يفصل بين الدارين.

وكان للعاشقين مادبراه، فقد اشترى الشاب الدار، وأحدث في جدارها خرقاً، يفضي إلى غرفة في دار الصائغ، مهجورة، فكانا يلتقيان، ويتواصلان، وينعمان معاً بطيب اللقاء، والصائغ لا يشك في شيء، وكيف يشك، وهوا لذي وضع على زوجته سبعة أقفال؟!

وكان الفتى الشاب مايفتأ يزور الصائغ في دكانه، فيجلس معه ويسامره، وكان الصائغ يدعوه أحياناً إلى داره، فيلبي الفتى، وقد توطدت بينهما صداقة متينة، والصائغ لا ينتبه إلى مايدور وراءه في الخفاء، وإن كان قد عرف أن الفتى الشاب هو ابن ملك، وقد استغرب منه طول مقامه في البلد،* ولكنه سوغه بالنزهة والفرجة والاستجمام.

ثم حان يوم كان فيه على الأمير أن يعود إلى بلاده، فقد أرسل إليه والده يعلن عن عزمه على التخلي عن العرش، وتوليته إياه، فحدث سلمى بالأمر، فقالت له: "أرحل معك"، وحين سألها عن زوجها، قالت له: "أتخلى عنه"، ثم عمدت إلى سيف زوجها، وكان قد صاغ قبضته بنفسه، ورصعها بأغلى الجواهر، فقدمته إلى عشيقها، وقالت له: "اذهب إلى زوجي، فشاوره في شرائه".

وحمل الأمير السيف ومضى به إلى الصائغ، فعرضه عليه، يسأله رأيه، فيه، فهو يريد شراءه، وقد ادعى أن أحد التجار قد عرض عليه شراءه، وما إن رأى الصائغ السيف حتى دهش، ولكنه ماكان ليشك في إخلاص زوجته، وهو الذي وضع عليها سبعة أقفال، فأخذ السيف بين يديه، وقلبه وتملاه، وأدام فيه النظر، وتفحصه، وهو بين شك ويقين، فكان كلما دقق فيه، ازداد به تعرفاً، ولكنه أنكر الأمر، ونصح للأمير بشراء السيف.

وما إن انصرف الأمير حتى أغلق الصائغ دكانه، وأسرع إلى بيته، وما إن وطئت قدمه أرض الدار، حتى صاح بزوجته، طالباً منها أن تحضر له سيفه، فتظاهرت بالتوعك، وأنكرت عليه صياحه، وقالت له:"سيفك في موضعه، فاطلبه تجده"، ومضى إلى حيث كان قد وضع سيفه، فوجده في مكانه، فخجل وتخاذل، وكتم الأمر، ووارى شكه واضطرابه.

وفي يوم آخر، قدم الأمير على الصائغ، يعرض عليه عباءة يشاوره في شرائها، وما إن رأى الصائغ العباءة* حتى عرف فيها عباءته، فأخذها منه،وتفحصها، وتملاها، فازداد يقيناً بأنها عباءته، ولكنه تجاهل الأمر، وأخفى اضطرابه، ونصح للأمير بشرائها، ثم أغلق دكانه، وأسرع إلى بيته، وفعل مثل مافعل من قبل، حين رأى السيف، ولكنه خرج ثانية مخذولاً، فقد رأى عباءته في موضعها، وكانت زوجته سلمى هي التي دبرت الأمر، مثلما دبرته من قبل.

ومرت بضعة أيام، كانت الزوجة تتظاهر فيها بالتوعك والمرض، وكان الزوج يعرض عليها إحضار الطبيب، فكانت تنكر عليه أن تسمح لرجل أن يراها، فيزداد بذلك يقيناً بوفائها وإخلاصها، وإن كان يحس أن ثمة أمراً ما غريباً، يشعر به، ولا يستطيع تحديده.

وذات يوم دخل الأمير على الصائغ في الدكان، يصطحب معه جارية، جاء يشاوره في شرائها، وما إن رأى الصائغ الجارية حتى عرف فيها زوجته، وقد صبغت وجهها، وتنكرت في زي الجواري، فتقدم منها، وأخذ يتأملها، وهو في قلق واضطراب وغضب كبير، ولكنه ملك نفسه، ووارى مايجيش في داخله، ثم عمد إلى المثقب الذي يثقب به اللآلئ، فحمله، وتقدم منها، فأحدث في خديها جرحين خفيفين، وقال لصاحبه الأمير:"إن من عادة المرء إذا اشترى جارية، أن يفعل بها مثل ذلك، علامة"، ثم نصح له بشرائها، وبارك له فيها، وكان الزوج يريد بالجرحين، ترك أثر فيها، يفحمها به، حين يعود إلى البيت.

ولما مضى الأمير مع الجارية، أغلق دكانه، وأسرع إلى البيت، ولكن زوجته كانت سبقته، فغسلت الصبغ الذي دهنت به وجهها، ومدت الفراش، واستلقت فيه، وما دخل الزوج، ونادها، حتى أخذت تلطم وجهها، وتحدث فيه جروحاً بأظافرها، متظاهرة بالفزع الشديد، من دخوله المفاجئ عليها، وهي في المرض.

ولما رآها الزوج مجرحة الخدين بأظافرها، لم يستطع أن يتهمها بشيء، فصمت، وخرج مخذولاً ولكنه أدرك الحقيقة وعرف الأمر.

وأخيراً حان يوم رحيل الأمير، وكان من قبل قد كشف عن شخصه، وزار ملك البلاد، وتعرف إلى كبار الرجال، فتهيأت شيراز لوداعه، ونصبت الأقواس، ورفعت الأعلام، ولم ينسَ الأمير صاحبه الصائغ، فمر به في دكانه، قبل يوم من رحيله، يودعه، وقدم إليه هدايا لا تقدر بثمن، فحزن الصائغ لفراق صاحبه، وندم لشكوكه فيه، وأسف لسوء ظنه في زوجته، وعاد إلى يقينه بوفائها وإخلاصها.

وحين عاد الزوج إلى البيت في المساء، وأخبر زوجته بعزم الأمير على الرحيل، وصارحها بألمه لفراقه، فأبدت تأثراً خفيفاً لسفره، ولامته إذ لم يسمح لها بأن تراه طوال إقامته في البلد، ثم توسلت إليه أن يسمح لها بمشاركته في وداعه، فأبى، فعرضت عليه أن يأذن لها فقط بالإطلال من نافذة بيتها كيما تراه من بعد، قبل ذهابه، وهو الذي طالما حدثها عن شبهه بها، فوافق على أن لا تطيل المكث في النافذة.

وكانت سلمى قد هيأت كل شيء، ورتبت الأمور خير ترتيب، فما إن خرج موكب الأمير، وانضم إليه الصائغ لوداعه، حتى رأى زوجته إلى جانب الأمير، فلم يصدق ما رأى، وهو الذي أحكم إغلاق الأقفال السبعة عليها قبل خروجه، كعادته كل يوم، والتفت إلى نافذة بيته، فرأى زوجته واقفة فيها، ولا يظهر من وراء خمارها سوى عينيها، فاطمأن قلبه، ولكنه أعاد النظر إلى موكب الأمير، فإذا زوجته هي بنفسها إلى جانب الأمير، ورجع ببصره ثانية إلى نافذة بيته، فإذا هي تطل من النافذة، فحار في أمره، ولم يستطع أن يغادر الموكب، إذ كان عليه أن يبلغ معه حدود البلدة.

ولما بلغ الأمير حدود البلدة، ودعه صديقه الصائغ، وعاد إلى بيته كالريح، وارتقى درجات السلم وهو يلهث، وأقبل على النافذة، وإذا فيها دمية خشبية، على هيئة زوجته، وشكلها، قد ألبستها مثل ثيابها، ووضعتها أمام النافذة لخداعه.

وطاف الصائغ في أرجاء الدار ينادي "سلمى... سلمى... سلمى"، ولكن ما من مجيب.

*تعليق:

حكاية مسرفة في الخيال، تشبع لدى العامة أوهامها وأحلامها، وتنبه في المتلقي ذكاءه وتحفزه، وتسرح به في عالم من الجمال والعواطف والمغامرة.

وهي تؤكد قوة الحب وانتصاره على الذهب والأموال، كما تؤكد تغلبه على القيود والحدود والأغلال وهو بعد ذلك كله قدر لا مفر منه ولا مهرب.

لقد ارتحل الشاب من بلد إلى بلد، حتى يلتقي بمن يهوى، وقد ظفر المحبان باللقاء على الرغم من الأقفال، وكان ذلك كله مقدراً لهما.

والحكاية تنتصر للمرأة، وتبرز دورها على الرغم من الأسوار والأبواب المغلقة، محققة بذلك انتقاماً لبنات جنسها.

ويلاحظ أن الحب يتحقق في الحكاية خارج حدود الوطن، وفي بلاد الأعاجم، مما يدل على فقدان الحب والحرمان منه داخل الوطن.

*

*

*

الفتى نديم الملك

*

كان أحد الملوك قد رأى حلماً غريباً، أفاق عليه مزعوجاً، فأمر الحكماء والعرافين بالاجتماع وطلب منهم تفسيره، وكان قد رأى كلمة "لا" مكتوبة على أحد الألواح، ثلاث مرات، فقدمت له تفسيرات كثيرة، لم يقتنع بأحدها، مما زاد في قلقه واضطرابه، فما كان منه إلا أن صرف الحكماء والعرافين، وطلب من الوزير أن يجد له تفسيراً مناسباً، وإلا قطع رأسه، فاستمهله الوزير، فأمهله ثلاثة أيام.

ومضى الوزير إلى بيته مهموماً، يفكر ويتأمل، ويشاور ويسأل، ويقلب الأفكار، ويناقشها، وهو لا يستقر على قرار، وظل على هذه الحالة طوال المدة، ولم يصل في نهايتها إلى تفسير معقول، يفضي به إلى الملك، فما كان منه إلا أن خرج من بيته، يجر خطواته جراً، وهو لا يعرف ماذا يفعل؟ هل يعتذر إلى الملك؟ أم هل يسأله الإمهال؟ وكان يمشي بادي القلق، متعثر الخطا، يقدم رجلاً ويؤخر أخرى، مطرقاً، لا يرى ما أمامه، حائر اللب، شارد التفكير، وإذا فتى دون سن الشباب، يعترضه ويسأله عما به، فنظر الوزير إليه، مدهوشاً لجرأته، مأخوذاً بوسامته، وهو لا يستطيع الجواب، فأعاد عليه الفتى السؤال، فرجاه الوزير أن يكف عنه، وحاول صرفه، ولكن الفتى ألح عليه، فوجد الوزير نفسه مسوقاً إلى البوح بما في نفسه، والاعتراف، فحدثه بأمر الحلم، واشتغاله في تفسيره، فأبدى الفتى دهشته من الوزير، وعجب له، كيف يشغل بهذا الحلم، هذا الاشتغال كله، وهو حلم واضح التفسير، ثم قال له، وهو يبتسم:

- مثل هذا الحلم، لا يستحق مثل هذا الاهتمام، وماتفسيره سوى: أول لا، كل جسمك فيه شعر إلا راحة كفك، وثاني لا: ابن ابنك لك، وابن بنتك لا، وثالث لا عقلك يعجبك، عقل غيرك لا.

ودهش الوزير لروعة التفسير، وأسرع إلى قصر الملك، من غير أن يودع الفتى، أو يشكره، ولما دخل على الملك، ألقى عليه تفسير الحلم، وهو مزهو معتد، فأعجب الملك بالتفسير أي إعجاب، ولكنه** أنكر على الوزير أن يكون هو نفسه صاحب التفسير، وأمره أن يعترف، ويصرح عمن فسره له، وحاول الوزير التملص وراوغ، ولكنه لم يجد في النهاية بداً من أن يحدث الملك بأمر الفتى، فروى له ماكان، فأمره الملك أن يحضره، فصعق الوزير، وطاش صوابه، فهو لا يعرف الفتى، بل لا يذكره، ولو رآه، ولكنه لم يجد بداً من الاستجابة، فطلب من الملك الإمهال، فأمهله ثلاثة أيام.

ورجع الوزير على الفور إلى الموضع الذي صادفه فيه الفتى، ونظر حوله، فرأى مقهى، يطل على الطريق، فقعد أمام باب المقهى، وأخذ يرقب الطريق، لعله* يرى في الناس المارين ذلك الفتى، ومضى اليوم الأول، فلم يمر أحد يشبه ذلك الفتى في شيء، فقلق الوزير، ومر اليوم الثاني، مثل الأول، فازداد قلقه، وثارت شكوكه، ومر اليوم الثالث، من غير أن يرى أحداً ولو فيه بعض الشبه بذلك الفتى، فماكان منه إلا أن مضى إلى قصر الملك، يجر خطاه جراً، مهموماً مكدوداً، لا يعرف ماذا يفعل؟

وبينما الوزير في الطريق إلى الملك، وهو على تلك الحالة من الهم والانقباض وإذا الفتى نفسه أمامه، يحييه، فذهل الوزير، ولكنه ملك نفسه، وأمسك بيد الفتى على الفور، وأسرع به إلى الملك، من غير أن يحدثه بشيء، والفتى يساير الوزير، وهو لا يعلم على ماذا هو مقبل.

ولما أدخل الوزير الفتى على الملك، وقدمه إليه على أنه الفتى الذي فسر له الحلم، دهش له الملك، وأخذ بوسامته، وعندئذٍ حياه الفتى تحية إعظام وإجلال، فأعجب الملك بطلاقته وحسن تحيته، فرحب به، وأدناه منه، وعينه على الفور نديماً له، وأفسح له أفضل موضع في مجلسه.

ومنذ ذلك الحين غدا الفتى مرافق الملك، في كل آن، يأنس به، يطمئن إليه، ويشاوره في كثير من أمره، ويرتاح إليه، ويبوح له بأسراره، ويصحبه في زياراته وجلساته، ويقربه منه، ويدنيه، ويعزه ويكرمه، بل ويقدمه على وزرائه، وكبار رجال بلاطه، وهو مايزال بعد فتى، حتى إنه كان يوكل إليه النيابة عنه، وتمثيله في كثير من الاحتفالات والمناسبات، حتى عرفه أهل المملكة، وطار صيته في البلاد، وعم ذكره في كل مكان، وشهر بما عرف عنه من وسامة وذكاء، وإخلاص ووفاء.

وفي أحد الأعياد خرج الملك في موكب مهيب، يطوف في طرقات العاصمة، وشوارعها، وقد احتشد الناس في الشوارع والنوافذ والأسطحة، ينظرون إلى الملك ويرسلون إليه التحيات، ويهتفون بحياته، وكان الملك يتقدم هذا الموكب، على جواد مطهم، يتلوه وزيره الأول، ثم نديمه، وكان لايحظى باهتمام الناس أحد بعد الملك، غير الفتى، نديمه، بل إن بعضهم كان لا يعير الملك من الإلتفات والإهتمام، مثل ماكان يعير النديم.

وبينما كان الموكب يسير، كانت تقف في إحدى النوافذ فتاة حسناء، وما إن مر أمامها الملك، حتى أشارت إليه بإصبع من يدها إشارة خاصة، فهمها الملك.

ولما مر الوزير، أشارت له بأصبعين من يدها، إشارة خاصة، فهمها الوزير، ولما مر الفتى، أشارت إليه أيضاً بثلاثة أصابع من يدها، إشارة ثالثة خاصة، فهمها الفتى.

وبعد مضي يوم على الاحتفال، تزيى الملك بزيّ تاجر غريب وخرج من القصر خلسة، في وقت محدد، من غير أن يشعر به أحد، ومضى إلى البيت الذي رأى الفتاة في نافذته، ودق الباب،* فخرجت له خادم عجوز، فأشار أمامها بإصبع من يده، مثل الإشارة التي كان قد رآها من الفتاة، فرحبت به الخادم وقادته إلى غرفة، رجته، أن ينتظر فيها قليلاً، وهي لا تعرف من يكون، ولم تلبث أن رجعت إليه تحمل دجاجة مشوية، ورغيف خبز، وكأس لبن، وضعتها بين يديه، وأخبرته أنها سترجع إليه بعد ساعة، ثم خرجت.

وما إن خرجت الخادم، حتى شمر الملك عن ساعديه، وأتى على كل ماوضعته الخادم بين يديه من طعام، فالتهم الدجاجة، والرغيف، وشرب كأس اللبن، وقعد ينتظر، وهو يمني نفسه، وبعد طول انتظار، دخلت عليه الخادم، فنظرت، فرأته قد التهم كل شيء، فأظهرت بعض الامتعاض، واصطنعت الأسف، ثم اعتذرت إليه، وأخبرته أن السيدة مريضة، وأنها ترغب في زيارته، في موعد آخر، فغضب الملك، ولكنه لم يجد غير الخروج، فحمل نفسه، وخرج ليعود إلى القصر، مغيظاً يجر أذيال الخيبة.

وفي اليوم التالي، تزيى الوزير بزي تاجر، وخرج إلى نفس البيت، فاستقبل بمثل ما استقبل به الملك، ففعل مثل مافعل الملك أيضاً، فلقي مالقيه الملك، فخرج مغيظاً، يجر أذيال الخيبة.

وفي اليوم التالي استأذن الفتى الملك في الذهاب لعمل له خارج القصر، لن يتأخر فيه، فأذن له الملك، فخرج على الفور إلى البيت الذي رأى الفتاة في نافذته، وقرع الباب، فخرجت له الخادم،* فقال لها: فلان، نديم الملك، فرحبت به، وقادته إلى الغرفة حتى كانت قد قادت إليها من قبل الملك ثم الوزير، وقدمت إليه مثل ماقد قدمت إليهما، ثم خرجت. ونظر الفتى إلى الطعام أمامه، ولم يلبث أن عمد إلى رغيف الخبز فقطعه قطعاً قطعاً، وإلى الدجاجة، فعرّقها تعريقاً، فعزل عظمها عن اللحم، وفتت اللحم، وزعه فوق الخبز، ثم صب كأس اللبن فوق الفتات، ثم غسل يديه، وقعد ينتظر، ولما دخلت الخادم، ورأت مافعل، أخبرته أن سيدتها بالانتظار، وقادته على الفور إلى مخدعها.

وفي المخدع التقته الفتاة، فرحبت به أروع ترحيب، ثم صرفت الخادم، وأغلقت الباب وراءها، فقد وفرت لديها كل ماسيحتاجانه، وأخذت تمر بهما الساعات، وهما في اجتناء ووصال، حتى حل المساء، فرجا النديم فتاته أن تسمح له بالعودة إلى القصر، على أن يعود إليها في اليوم التالي، فأبت عليه إلا أن يبقى الليل عندها، فلم يجد بداً من الاستجابة لطلبها، ولما كان الصباح، رجاها أن تسمح له بالعودة إلى القصر، فلم تسمح له، وهكذا ظلت تمنعه من تركها، حتى مرت بهما سبعة أيام، فأخذ الفتى يتوسل إليها ويرتجيها، ويعدها أن يعود إليها، حتى سمحت له، فخرج إلى القصر على الفور.

وكان الملك قد قلق على النديم أشد القلق، وثارت فيه شكوكه وظنونه، فلما دخل عليه بعد ذلك الغياب الطويل، تلقاه بالغضب الشديد، وسأله أن يعترف أين كان، فادعى زيارة أهله،* فلم يصدقه، فذكر السفر، فكذبه، فذكر المرض، فرده، ثم ماكان منه إلا أن اتهمه بالخيانة، والتعاون مع الأعداء، ورمى به في السجن، حتى تحين محاكمته، ولم يجدِ شيئاً ذكاءُ الفتى، كما لم تنفع في شيء شفاعة الوزير، ولا توسله ولا رجاؤه في أن يعفو عن النديم.

ولبث الفتى في سجنه شهراً أو يزيد، قلقت الفتاة في الأيام الأولى عليه، وكانت تنتظر عودته، ثم شكت فيه، ولم تلبث أن وصمته بالغدر والخيانة، وتناسته، واصطنعت السلوى عنه، ولكنها لم تستطع أن تنساه، وكانت تتوقع دائماً أن يعود إليها، وترتجيه ولو طيف خيال.

حتى كان يوم أعلن فيه الملك خيانة الفتى النديم، وأرسل في أنحاء المملكة الرسل، يعلنون الحكم عليه بالإعدام، ويذيعون في الناس جريمته، ويدعونهم إلى اجتماع في يوم محدد، ليشهدوا إعدامه، في إحدى الساحات الكبرى.

وفي اليوم المحدد ألبس الفتى النديم ثياب الإعدام، وعلق في صدره بيان ذكر فيه جرمه، وهو الخيانة العظمى، وسار به الجند في موكب، يطوف به في الشوارع والطرقات، وقد احتشد الناس ليروا إليه، وفيهم النادم عليه، والآسف على شبابه، وفيهم الشامت به، والناكر له، وفيهم المتفرج الذي لا يبالي شيئاً، وهو يمرّ بهم متحملاً كلماتهم النابية، وإهاناتهم وشتائمهم ونظراتهم، من غير أن يبدي انفعالاً ما، حتى مر به الموكب بالنافذة التي كان رأى فيها الفتاة من قبل، فنظر إليها، فرآها فيها، وهي تنظر إليه، دامعة العينين، وكانت قد أدركت مما صار إليه حاله مبلغ صدقه ووفائه، ولما أصبح تحت نافذتها، قذفته برمانة، أصابته، ثم وقعت على الأرض، فانكسرت، وانفرطت حباتها وتناثرت، فنظر إليها وظل صامتاً، لا يريم، فلم تلبث أن قذفته بزجاجة عطر، فارتطمت بالأرض، وتحطمت، وانتشر شذاها، فنظر إليها ثانية، وابتسم، وأومأ إليها برأسه.

رد مع اقتباس

  #3  
قديم 09-10-2006, 12:34 PM
الصورة الرمزية admin_01
admin_01 admin_01 غير متواجد حالياً
إدارة المنتديات
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 425
افتراضي _MD_RE: التراث الشعبي - الجزء الثالث

عمود من الذهب

*

كانت أسرة منكودة ، شقية الحظ، بائسة فقيرة، فالأب يخرج إلى العمل، قبل شروق الشمس، ليعود بعد غروبها، متعباً مكدوداً، وهو لا يستطيع أن يوفر لعياله إلا بعض الحاجات، فكأنه في سعيه وراء الرزق، إنما يسعى على قدميه، وراء فرس هارب منه، والأم توقظ من بعد خروجه الأولاد، فترسل بعضهم إلى الكتّاب، وترسل بعضهم إلى الأزقة والحارات للعب، ثم تخرج هي لتطوف على جاراتها، تسمع قصة من هنا، وحديثاً من هناك، وتنال خلال ذلك فضلاً من طعام، لتعود إلى البيت، قبل الغروب، فتعد للأفواه الجائعة، والأجساد المتعبة، مايمسك عليها رمقها، ويحفظ لها الحياة.

وعلى هذه الحالة، كانت تمر بالأسرة الأيام، رتيبة مملّة، لا سبيل فيها إلى الخلاص، ولا حيلة، بل إنها لتنحدر بالأسرة من فقر قاس مرّ، إلى فقر أقسى وأمرّ.

وذات يوم رأت الأم جارة لها في طوق ذهبي، يحلّي عنقها، وهي الجارة التي كانت تشمخ عليها دائماً بغناها، وتفخر أمامها بما لديها من حلي وثياب، والتي لم تكن مثلها في الجمال، فحنقت وتألمت وتذكرت أبويها اللذين زوجاها لرجل فقير معدم.

*ولما رجع الزوج من عمله في المساء، تلقته باللوم والعتاب، وأثقلت عليه، وهي* تندب حظها، وتبكي جمالها الضائع، الذي لا يزينه عقد، مثل عقد جارتها، فأدرك الزوج سرّ غضبها، وعرف أمرها، فقال لها:"غداً آتيك بعقد ذهبي"، فجن جنونها، وفرحت فرحاً، ونسيت حالة زوجها، وغفلت عما هم فيه من بؤس وشقاء، وغدت في فجر اليوم التالي إلى جارتها تزف لها وعد زوجها، وتكيد لها، وتباهي أمامها بجيدها الذي يليق به عقد رائع، ثم طلبت منها أن توسع لها طوق ثوبها، ليكشف عن صدرها، ويغدو العقد فيه أكثر بروزاً وظهوراً، بل أكثر بهاء وروعة.

ورجعت إلى البيت تنتظر أوبة زوجها في المساء، ولما سمعت صوته في الباب، أسرعت إليه بالتهليل والترحيب، وهي تتوقع أن يضع الطوق في عنقها، قبل أن يخطو داخل الدار، ولكنها فوجئت به لا يحمل شيئاً، فوجمت، وأطرقت، في خيبة كبيرة، فلم يجد الزوج بدّاً من مداراتها. فأخبرها أنه رأى أن يشتري لها زوجين من الأساور، تحلّي بهما معصمها، فالأساور في يدها أحلى وأجمل، ففرحت بوعده، ونامت هانئة، وهي تحلم بالأساور.

وأسرعت في اليوم التالي إلى جارتها، لتخبرها بالأساور التي سيشتريها لها زوجها، وتباهى بها أمامها، وترتجيها أن تقص لها أكمام ثوبها، كي تكشف عن معصميها، فتظهر أساورها، فاستجابت الجارة إلى طلبها، وقد أدركت حماقتها، وكانت تضحك منها.

وفي المساء كانت تنتظر زوجها، واستقبلته في الباب بفرح كبير، وهي تتوقع أن يقدم لها الأساور، ولكنها فوجئت به لا يحمل شيئاً، ولكي يتخلص الزوج من غضبها ونكدها، أقنعها بأنه سيشتري لها بدلاً من الأساور خلخالين، تزين بهما قدميها، فإذا مشت سمع الجيران لها رنيناً، فصدقت وعده، ورأت أن الخلخالين في قدميها أحلى، وأجمل، وأكثر إغاطة لجارتها.

ومنذ الفجر، أسرعت إلى جارتها تخبرها بوعد زوجها، وتؤكد لها أن الخلخالين في قدميها، أجمل من الطوق في عنقها، أو الأساور في معصمها، ثم رجتها أن تقص لها طرف ثوبها، كي يكشف عن قدميها، فيظهر الخلخالان، فأجابت الجارة طلبها.

وفي المساء، انتظرت زوجها، بلهفة كبيرة، ولما دخل عليها لا يحمل شيئاً، خاب أملها، وقعدت حزينة، ولم يجد الزوج بداً من وعد آخر، ينسيها ماهي فيه، ويجد فيه عذراً، من غير أن يذكرها بما هم فيه من بؤس مدقع، فقال لها: "لقد رأيت أن نشتري داراً نرتاح فيها، وهي أفضل من الأساور والخلاخيل والعقود"، فصدقت وعده وفرحت لذلك.

وخرج الزوج إلى عمله في الصباح، وبينما هو في بعض الطريق، إذ سمع رجلاً ينادي معلناً عن دار كبيرة، ذات غرف كثيرة، مفروشة، بأثمن الأثاث، معروضة للبيع، ولا يطالب شاريها بثمنها إلا بعد أن يسكنها سبعة أيام، فأصغى الرجل إلى المنادي، وتتبع الصوت، حتى رأى المنادي فسأله عن الدار، فدلّه عليها، وأعطاه مفاتيحها على الفور، وأكد له أنه لن يطالب بثمنها قبل أن تمضي على سكناه فيها سبعة أيام، ففرح الرجل، وأخذ المفاتيح، وطار بها إلى زوجته.

واستغربت الزوجة عودة زوجها، ولكنها ما إن رأت المفاتيح في يده، حتى جن جنونها، فأخذت تزغرد وتنادي الجارات، كي يودعنها، ويشاركنها في نقل ما لديها من متاع إلى الدار الجديدة التي اشتراها لها زوجها.

وتلقفت المفاتيح، وأسرعت إلى ماعندها من فرش عتيقة تطويها، ومالديها من كراسٍ محطمة تحزمها، ومافي مطبخها من أوانٍ مكسرة تجمعها، وبدأت تهيئ نفسها للانتقال، ولكن زوجها أخبرها أن الدار مفروشة بفاخر الأثاث، وطلب منها ألا تحمل شيئاً معها البتة، فليس عليها سوى الذهاب إلى الدار، وسكناها، فلم تكد تصدق ماسمعت، فأيقظت الأولاد، ومنعتهم من الذهاب إلى ماكان يذهب إليه كل واحد منهم من قبل، ثم قادتهم أمامها، وخرجت وراء زوجها، تحمل صرة ثيابها، التي أبت إلا حملها معها ومضت قاصدة الدار الجديدة.

وكانت الجارات قد سمعن زغاريدها، وأصواتها، وجلبتها وضجيجها، فوقفن في نوافذهن، يرين إليها، وهي تخرج مع زوجها وأولادها إلى الدار الجديدة، فأخذت تخطر أمامهن، مزهوة بنفسها، وهي تشير إليهن بيدها، مودعة وتدعوهن إلى زيارتها في الدار الجديدة، وهن يتهامسن عليها، ويتغامزن، غير مصدقات مايسمعن، ومايرين.

ولما بلغ الزوج بأسرته الدار الجديدة، فتح الباب، وأدخلهم فيها، ثم تركهم ومضى إلى عمله، من غير أن يدخل الدار.

ودهشت الزوجة لما رأت، بل ذهلت، دار كالقصر، بل كجنة الفردوس، باحتها واسعة، فيها بركة كبيرة، تترقرق فيها المياه، تلعب فيها الأسماك، وتحوم على حوافها الطيور، وتظللها شجيرات الورود والياسمين، فتنشر عبقها الناعم اللذيذ، وحول الباحة الواسعة، تمتد الغرف، وهي كثيرة، بشرفاتها، ونوافذها، وقد بدت من وراء النوافذ الستائر الرقيقة الهفهافة، تداعبها النسمات، فتميس، وفي صدر الدار إيوان، تظلله واقية من الخشب الساج، حفرت فيه أحلى النقوش وطعمت بالعاج، وقد مدت في صدر الإيوان أريكة، وبسطت في أرضه سجادة، على حين ترك بابا الغرفتين المطلتين على الإيوان مفتوحين، فبدا أنهما غرفتان للزوار، مفروشتان بأفخر الأثاث.

والتفتت المرأة إلى أولادها، وضمتهم إليها، وقالت:"انظروا ماذا اشترى لنا أبوكم". وقد ذهلت بما رأت، ودهشت، وملكت عليها الدار عقلها، فنست أن زوجها معدم فقير، وأنه لا يستطيع شراء غرفة من هذه الدار، فليس لديه من ثمنها شيء، ولو درهم.

ثم أخذت تدخل الغرف غرفة غرفة، تتأملها، وتؤخذ بما حوت من فراش وديباج وأثاث وسجاد، ومما لم تكن تحلم به من قبل، أو تفكر فيه، أو تتمناه، أو لم تكن في الحقيقة تسمع به، أو تعرفه، أو تراه.

ولما اهتدت إلى الحمام فرحت بها، فأدخلت فيها الأولاد، فغسلتهم، وحممتهم، وأخرجتهم كالورود، وألبستهم مما في الخزائن، من فاخر الثياب، ثم ارتدت هي أجمل مارأته، ونشرت حولها العطور، وماست، وتبخترت، وخطرت في باحة الدار، تتمتع بالأزهار والطيور، وتتمنى لو شهدت جاراتها ماهي فيه.

ثم لما كان الغداء، أعدّت لأولادها أطيب ألوان الطعام، مما لم تكن قد ذاقته من قبل، أو كانت تسمع عنه في أحاديث الجارات، مما كن هن أنفسهن لا يذقنه إلا في الولائم والمناسبات، فكانت تأكل وتطعم أولادها وتتمنى أن يشاركهم زوجها الطعام، ولكنها كانت تؤمل عودته في المساء.

وأقبل المساء، ولكن الزوج لم يأتِ، فتسلت عنه وأولادها بالقعود في الإيوان، والتفرج على البركة والأشجار والتمتع بالنسمات العليلة، تنفح عبق الأزهار.

ثم نعس الأولاد فحملت كل واحد* إلى سرير، وغطته بأفخر الأغطية، واطمأنت عليه، ثم قعدت وحدها تنتظر زوجها، ولما تأخّر، وغلبها النعاس، قصدت مخدعها، فإذا سريرها من خشب ساج، وإذا كلتها من لؤلؤ وحرير، وإذا فراشها من دمقس الشام، تفوح في غرفتها الأطايب والبخور، وما هي إلا برهة حتى غلبها النعاس، فنامت.

ولم تكد تغفى، حتى سمعت صوتاً أجش، غريباً يخيف، يهتف بها سائلاً:"أقوم؟" فلم تجب، فتكرر السؤال، بصوت راعب: "أقوم"؟ فلم ترد، فتكرر ثالثة: "أقوم"؟، وعمّ الصمت، وعادت إلى النوم.

ثم استيقظت في الصباح، على صوت الأطيار، وقد تسلل النور من خلال نافذتها، رقيقاً هادئاً، تلونه الستائر بأزهى الألوان، فتمطت في فراشها، ولم تنهض، وأمضت فترة الضحى مسترخية، ناعمة بالدفء والنعومة والطيب، حتى غمر نور الشمس الزجاج، فنهضت وأعدت لأولادها الفطور، وأخذت تمضي معهم الساعات في تفرج على الغرف، والتسلي باللعب في باحة الدار، ثم أعدت لهم عند الظهر غذاء شهيّاً، وهي ناعمة مطمئنة، وإن كانت قد شغلت قليلاً على زوجها.

وفي المساء، انتظرت زوجها، وقد داخلها القلق، وساورتها الشكوك، وذكرت الصوت الأجش الغريب، وسهرت، وطال بها السهر، وقد نام الأولاد، وظلت وحدها، حتى غلبها النعاس، فلجأت إلى فراشها، ونامت، وإذا الصوت الأجش الغريب، الذي سألها في ليلة أمس، يسألها الليلة السؤال نفسه، ثلاث مرات، من غير أن تجيب، وقد فزعت فزعاً، ولكنها لم تلبث أن عادت إلى النوم.

وأمضت اليوم الثالث، وهي تنعم بما هي فيه من أسباب النعيم، ولكنها شغلت على زوجها وقلقت، ولما كان المساء، ذكرت ذلك الصوت، وفكرت، فحسبت أنه رجل علم بغياب زوجها، فهو يريد بها أذى، فملكت نفسها وعزمت على تحدّيه، فعمدت إلى هراوة غليظة، جعلتها إلى جانبها في السرير، وأمسكت بها، بحيث تستطيع أن تهوى بها على مصدر الصوت، ثم أغمضت عينيها، وباتت تنتظر الصوت، وقلبها يخفق بشدة، ويدها تقبض على الهراوة، بقوة.

وطرق سمعها الصوت، أجش غريباً يخيف:"أقوم"؟ فلم تتحرك، وشدت يدها على الهراوة، وسألها ثانية: "أقوم"؟ وحبست أنفاسها، فسألها ثانية:"أقوم؟" وطوحت بالهراوة بقوة، مغمضة العينين، تجاه الصوت، فاصطدمت بجسد صلد، ثم سمعت صوت شيء ثقيل، يقع على الأرض.

فقالت تحدث نفسها: "لقد قتلته"، ثم نهضت بهدوء، ونزلت من السرير، وإذا عمود طويل، ممدد على الأرض، فدنت منه، فإذا هو أصفر اللون، فمالت عليه، بخوف، ثم جسّته، فإذا هو صلد، رطب، له بريق، فتملت فيه، وتأكدت منه، فإذا هو ذهب، وعندئذٍ أدركت سر الدار، فهي مسكونة بالعفاريت، عافها أهلها، وهم راغبون في بيعها، بمافيها، بأبخس الأثمان، وما العفاريت في الحقيقة إلا كنز مرصود لصاحبه، وهي صاحبة هذا الكنز، كما أدركت سرّ غياب زوجها، فهو ينتظر مضي الأيام السبعة، كي يعيدها إلى الدار القديمة،ويرد المفتاح إلى أصحابه، وما عليها هي إذن غير الانتظار، كي تكسر قطعة من عمود الذهب، لتدفع ثمن الدار، وماكان منها إلا* أن عمدت إلى ملاءة الفراش، فجذبتها، وغطت بها العمود، وأوت إلى الفراش، ونامت فيه إلى الصباح.

وأخذت تمضي الأيام التالية في سعادة ونعيم، وهي وأبناؤها، تمتع نفسها بما كانت تحلم به، وتتمناه، بل بما هو أكثر مما كانت تحلم به أو تتمناه.

وفي صباح اليوم الثامن حضر زوجها، فاستقبلته بترحيب كبير، فأبدى تجهماً وأسفاً، ثم رجاها أن تتهيأ والأولاد لمغادرة الدار، وأخذ يشرح لها حقيقة الدار، وهي تصغي إليه بصبر كبير، ثم ذكرها بحالهم، وبماهم عليه من فقر، وعاتبها في طلبها أن يشتري لها عقداً، كما لامها في تصديقها وعده، ثم اعتذر لها، وأكد لها أنه من الممكن أن يعيشوا في الفقر، بسعادة وهناءة، إن هم قنعوا بماهم فيه، ولم يتطلعوا إلى ماعند الآخرين.

وكانت الزوجة ماتزال تتحمل الحديث الطويل، بصبر، حتى لم يبق لدى الزوج شيء يقوله، وعندئذٍ قادته إلى مخدعها، ثم وقفت به أمام العمود المغطى، وطلبت منه أن يكشف عنه الغطاء، فتردد، ثم فعل، فإذا هو أمام عمود من الذهب، فدهش لما رأى، فروت له ماكان، ثم طلبت منه أن يكسر من العمود قطعة، ليمضي بها إلى السوق، فيبيعها، ليدفع لأصحاب الدار ثمنها.

ففرح الزوج بما رأى، وهنأ زوجته، وبارك لها في صبرها، وقد أدرك أن الأسرة قد ودعت عهد الفقر والبؤس والحرمان، وأنها دخلت في حياة السعادة والهناءة والنعيم.

ولما حمل الزوج قطعة من الذهب، وهم بالمضي بها إلى السوق، نادته زوجته، وهو في الباب، فالتفت إليها يسألها عما تريد، فقالت له: "لا تنسَ أن تشتري لي العقد الذي وعدتني به"، فضحك وقال لها: "سأشتري العقد والأساور والخلاخيل، وأنت لا تنسِ دعوة جاراتك إلى زيارتك، في الدار الجديدة"، ثم خرج، وأغلق الباب وراءه.

تعليق:

تعبر الحكاية عن حلم الفقراء بالخلاص من الفقر، وهو محض حلم، لا يحمل شيئاً من الوعي بالفقر والإدراك لأسبابه ومعرفة سبل الخلاص الواقعية. فالحكاية تتوهم الخلاص في شكل ساخر وأهم عماده الحظ والسحر والجن، وليس الفعل الواقعي الصحيح.

والحكاية تجمع الوهم الجميل، والخيال الخصيب، إلى السخرية المرة، والألم الفاجع، فتصور حرمان المرأة من أسباب المتعة والزينة والحياة الرغدة، ثم تصورها وهي تنعم بأقصى أشكال المتع من طعام وشراب وسكن وفراش وأثاث ورياش وحرير وذهب محققة أبعد أشكال الوهم والحلم.

والحكاية تؤكد عدة قيم في المرأة، فهي صابرة على فقرها، وهي شجاعة في مواجهة المجهول، وهي حكيمة في تصرفها، وهي ذات حظ جميل، ولكنها في الوقت نفسه تصورها جاهلة بواقعها تحلم بالعقود والحلي والأساور متناسية فقر زوجها.

*وهكذا فالحكاية ترد الغنى ووفرة المال إلى الحظ والسحر والجن، وتنسى استغلال الأغنياء وسيطرتهم على الأموال وتحكمهم في الأسواق والأسعار والأجور.

والحكاية تقوم على بنية ثلاثية تتكرر في كثير من الحكايات كما تقوم على فكرة الدار المسكونة بالجن والعفاريت، والكنز المرصود لصاحبه.

*

*

الأخوات الثلاث

*

كان في أحد البلاد ملك شاب، وسيم الطلعة، قوي الساعد، ولكنه سريع الغضب، حاد الانفعال، وذات يوم أراد أن يتعرف على أحوال الناس، فأمر ألا يضاء في الليل مصباح، وخرج مع الوزير، متنكراً وبدأ يدور في الأحياء، يتنصت على الأقوال، من وراء الأبواب، ولفت نظره ضوء بيت في طرف البلدة، فمضى إليه، حتى إذا بلغه وقف تحت شباكه المضاء، وأخذ يصيخ السمع إلى مايدور في داخله، وهو في أشد الغضب لمخالفة أصاحب البيت أمره، في إضاءة المصباح.

وكان في البيت ثلاث أخوات، صبايا، فقيرات، يعملن في غزل القطن، من أجل تأمين لقمة العيش، فقد توفي عنهن والدهن، ولم يترك لهن من المال شيئاً، ولذلك أضأن المصباح، ليعملن، مخالفات أمر الملك، وبينما كان الملك يصغي إلى مايدور في بيتهن، تحت الشباك، كن يتحدثن ويتمازحن ولقد تأوهت الكبرى منهن، وقالت:

- لو يتزوجني الفران عند الملك، لشبعت من الخبز.

ثم تأوهت الوسطى، وقالت:

- آه لو يتزوجني اللحام عند الملك، لشبعت من اللحم.

فضحكت الصغرى، ساخرة منهن، وقالت باعتداد:

- أنا، والله، لا أتزوج إلا الملك الشاب، أضربه على خده، فيدير لقدمي القبقاب.

ولما سمع الملك قولها، أخذه الغضب، وهم باقتحام الباب، والدخول عليهن، ولكن الوزير طيب نفسه،ورجاه أن ينتظر إلى الصباح، ثم عرض عليه أن يرسل وراءهن، لينظر في الغد في أمرهن، وعندئذ طلب الملك من الوزير أن يضع على الباب علامة ليستدل بها الجند على البيت.

وفي صباح اليوم التالي، أحضر الجند الأخوات الثلاث، فأمرالملك أن يدخلن عليه واحدة واحدة، بادئاً بالكبرى، وكانت أمه حاضرة في مجلسه، فلما رأتها دهشت لجمالها، وتمنتها زوجة لابنها الملك الشاب، على الرغم من مظهرها الزري، وثيابها البالية، ولكن أملها خاب، فلقد سأل الفتاة عن أمنيتها، فصرحت أنها تتمنى أن يزوجها من الفرّان، الذي يعمل في قصره، فأمر لها بذلك، وخرجت محملة بالهدايا.

ثم دخلت عليه الوسطى، فأعجبت الأم بجمالها الإعجاب كله، على الرغم من مظهرها الدال على فقرها، وتمنتها زوجة لابنها، ولكن أملها خاب، حين سمعتها تتمنى من الملك أن يزوجها من اللحام في قصره، ولقد أجاب الملك طلبها، وأمر لها بذلك، فخرجت محملة بالهدايا.

وأخيراً دخلت الصغرى، فبهتت الأم أمام جمالها الفتان، وعزمت أن تتخذها لابنها زوجة، أياً كانت أمنيتها، ثم قوى عزمها حين سمعتها تجيب الملك بجرأة يشوبها الخفر والحياء، ولا تخلومن دلال ودلع:

- أنا لا أتزوج إلا الملك الشاب، أضربه على خدّه، فيدير لقدمي القبقاب.

ولم يكد الملك يسمع قولها، حتى أمر السياف بضرب عنقها، وقد طاش صوابه، وثار غضبه، وهم بها السياف، ولكن الأم تدخلت، ورجت ابنها أن يمهل الفتاة، فهي صغيرة لا تعقل، فلعلها تراجع نفسها، وتغير قولها، فإن لم تفعل، فليقطع عندئذ رأسها، فأمهلها الملك ثلاثة أيام، ثم توسلت إليه أمه أن يسمح للفتاة أن تقيم عندها، الأيام الثلاثة، فاستجاب الملك لطلب أمه، ومنحها ماسألت.

وكانت الأم قد أعجبت بالصغرى إعجاباً فاق إعجابها بشقيقتيها، فأخذتها إلى غرفتها، وأمرت بها الخدم، فأخذت إلى الحمام، فغسلت، وخرجت ترتدي أبهى الثياب، وأفخرها، تفوح منها روائح العطور، وهي تتخطر في مشيتها، رشيقة، فاتنة، تحلّي جيدها أغلى الجواهر، لو رأتها أختها لما عرفتها، ولظنتها إحدى أميرات القصر.

ولقد صرحت الأم لها بأنها تتمناها زوجة لابنها ولكنها أكدت لها أنها لا تستطيع أن تفعل أكثر مما فعلت، فالملك الشاب سريع الغضب، حاد الانفعال، وليس أمامها سوى ذكائها، وقدرتها على لفته إليها، وإثارة اهتمامه بها، ثم أخبرتها أن ابنها يخلو بنفسه كل يوم، قبل المساء، في شرفة القصر، فما عليها إلا أن تنزل هي إلى حديقة القصر، لتتمشى أمامه، وتبرز له.

ولما كان الأصيل نزلت الفتاة إلى حديقة القصر، ومضت تتثنى بين الزهور، كأنها إحداها، ويمر بها النسيم، فيحمل في كل الأنحاء شذاها، وهي في رشاقة حركاتها، ورقة لفتاتها، كأنها نسمة من النسمات، تمر بالأطيار، فتغرد لها الأطيار، وتطوف بالأزهار، فتعطف عليها الأزهار.

وكان ذلك كله يجري تحت بصرالملك الشاب، وهو في شرفة القصر، ففتن بتلك الأميرة الرشيقة، فأرسل الخدم ليدعوها إليه، ولما مضى إليها الخدم، لم يعثروا لها على أثر، إذ كانت قد رجعت إلى غرفتها التي خصتها بها أم الملك، كما رجعت إلى ثيابها البالية القديمة.

وفي أصيل اليوم التالي خرجت الفتاة إلى حديقة القصر، بأبهى مما خرجت به أمس من ثياب، فتثنت بين الزهور، وتمايلت تحت الظلال، ونشرت في الأجواء أروع العطور، وشدت بأعذب الأشعار، وجرت وراء الفراشات، أرق من الفراشات.

وكان الملك الشاب في شرفة قصره، كعادته، يراها ويسمعها، وهو بها موله مفتون، لا يعرف من هي؟ ولا من تكون؟ حتى إذا أرسل وراءها الخدم، غابت عن العيون.

وفي غرفتها بشّرتها أم الملك بافتتان ابنها بها، وصارحتها بأن ابنها قد باح لها بما في قلبه من حبّ لأميرة يراها، ولا يعرف من هي، وهنأتها بما أحرزت من نجاح، ثم تمنت لها أن تحقق في اليوم الأخير، ماتتمناه لها.

وفي اليوم الثالث هيأتها الأم بأروع مما هيأتها به من قبل، فخرجت إلى حديقة القصر تتهادى في مشيتها، تسحب وراءها ذيل ثوبها الأبيض، ممشوقة القوام، دقيقة الخصر، بجيد أتلع، وشعر مرسل، تنشر حيثما مشت غيمة من عطر.

وكان الملك الشاب في شرفة القصر، ينتظر، وما إن رآها حتى ناداها، ولما رنت إليه دعاها، فلبت الدعاء، وصعدت إليه في شرفته، وجلست تحادثه وتسامره، وهو يقدم لها أشهى الفواكه، وأطيب الشراب، وقد ذهل بحلو حديثها، عن رقيق جمالها، وهو بها موله مفتون، يقبل حيث لثمت من كأس الشراب، ويستقبل نظراتها ببوح وهيام.

ومرة كان يناولها كأس الشراب، فتعمدت إفلاتها، من غير أن تشعره بذلك، فانصب بعض الشراب على طرف ثوبها، فأسرع إلى منديله الخاص، يمسح به طرف ثوبها، فماكان منها إلا أن طلبت منه أن يسمح لها بالاحتفاظ بمنديله، فقدمه إليها هدية.

وطال بهما السمر والحديث، والأكل والشراب، حتى حل المساء، فاستأذنت منه بالانصراف، ووعدته أن تلقاه، فأبى إلا أن يودعها حتى باب الحديقة، ومضى يهبط معها على درج القصر، وبينما كانا يهبطان عليه معاً، افتعلت زلة القدم، من غير أن تشعره بذلك، فسقط قبقابها من قدمها ووقع إلى أسفل الدرج، فأسرع الملك إليه، فالتقطه، ثم صعد إليها، وانحنى ووضعه أمام قدمها الصغيرة، مسحت على خده الناعم الأسيل، بأناملها البضة الرقيقة، فتناولها بين يديه.

وأمام الباب، كان الوداع.

*

ولما كان الصباح، عقد الملك مجلسه، ودعا إليه الفتاة، فدخلت عليه، مع الأم، في هيئتها الأولى، وهي الفقيرة، التي كانت تغزل القطن، فلما سألها عن أمنيتها، أعادت عليه الجواب بأن تتزوج الملك الشاب، تضربه على خده فيدير لقدمها القبقاب، فغضب الملك وأعاد عليها السؤال، فأعادت عليه الجواب نفسه، وعندئذ ثار ثائره، وأمر السياف أن يضرب عنقها على الفور.

ولكن الملك فوجئ بها وهي ترفع بأناملها البضة الرقيقة، منديله الخاص، وماتزال به آثار من بقع الشراب، فدهش الملك وسألها:

- ماهذا.؟

فأجابت: "أنا التي أحضرت لها يوم أمس، من أسفل الدرج، القبقاب، وأنا التي مسحت على خدك بأناملي".

فأسرع إليها الملك، يعانقها، ويضمها إليه، على مرأى من الجميع، ثم التفت إلى أمه، فشكر لها حسن تدبيرها، وأعلن في المملكة عزمه على الزواج من تلك الفتاة، فأقيمت في المملكة الأفراح، وقرب الملك إليه الفران واللحام، وجعلهما من خالص ندمائه، وكبار مرافقيه، وأفرد لكل منهما جناحاً في قصره.

*

تعليق:

حكاية جميلة، أشبه بالفانتازيا، تحلّق بالمتلّقي إلى عوالم من الفن والجمال والذكاء، تتحقق فيها الآمال والأمنيات بيسر ورخاء، كما في الأحلام.

وهي كما يبدو ذات هدف تربوي، ولعلها على الأغلب موجهة إلى الفتيات، لتعلمهن الطموح إلى الزواج من أكثر الشباب فتوة وقوة، ولتعلمهن سبل الذكاء، وأساليب الإيقاع بالرجال، ولكن بالرشاقة والخفر والدلّ، وليس بالمكر أو الخبث أو الاحتيال.

والملك الشاب ههنا ليس محض ملك، إنما هو رمز للقوة والشباب، وأبعد مايمكن أن تتطلع إليه الفتاة من عزة وجاه.

والحكاية تدلّ بصورة غير مباشرة على حلم الفقيرات بالزواج من الملك والعيش في القصور، ولذلك فهي ترسم صورة لمثل تلك الحياة لتثير الخيال، وتشبع الرغبة.

*

*

الفأرة والذهب

*

يحكّى أن ثلاث أخوات فقيرات، ماتت أمهن، فلم تترك لهن سوى المغزل، فكن يغزلن عليه القطن، من أجل أن يعشن، وكن يرسلن كل يوم أختهن الصغرى إلى السوق، لبيع ماغزلن من قطن وشراء مايحتجن من طعام.

وذات يوم ذهبت الصغرى إلى السوق، كعادتها، فرأت فيه فارة في قفص، يعرضها رجل للبيع، فأعجبت بها، وبخفة حركاتها، وزقزقتها، فاشترتها بثمن ما باعت من قطن، وحملتها إلى البيت فرحة بها، ولكنها فوجئت بأختيها تعنفانها في شرائها الفارة، وتغلظان لها في القول ثم تقدمان على طردها من البيت.

فخرجت حزينة باكية، تحمل القفص، وفيه فارتها، تنط وتزقزق فسارت على غير هدى، لا تعرف إلى أين تلجأ، فقادتها خطاها إلى قبر أمها، فقعدت في جواره، وراحت تتأمل الفارة، وماهي إلا برهة، حتى أخذتها سنة من النوم، فأغفت، ولما نهضت، وجدت فارتها قد وضعت قطعتين معدنيتين، فحملتهما، وراحت تتأملهما، ولا تعرف ماتفعل بهما؟

وبينما هي على هذه الحالة، مر بها رجل يحمل على رأسه طبقاً فيه زبيب، ينادي لبيعه، فلما رأته، عرضت عليه القطعتين، ورجته أن يعطيها بهما قليلاً من الزبيب، فلما رأى الرجل القطعتين فرح بهما، فتلقفهما، وناولها الطبق كله، ثم لما عرف أمرها، خلع عباءته، وغطاها بها، ووعدها أن يأتيها بخيمة تنصبها على قبر أمها، لتنام فيها، واعتذر لها لعدم قدرته على إيوائها، لأنه مثلها مشرد، ليس له بيت.

ولماكان اليوم التالي وضعت الفارة قطعتين أخريين، فأعطتهما الفتاة للرجل، فجاءها بطعام وشراب وكساء وفراش، صار دأب الرجل، يمر بها كل يوم، مساء، فيأخذ القطعتين، اللتين تضعهما الفارة، ويزود الفتاة بكل ماتحتاجه، وهي لا تعلم أن القطعتين المعدنيتين، هما ليرتان ذهبيتان.

وذات يوم مرّ موكب ابن السلطان بالمقبرة، فرأى الخيمة منصوبة فيها، فعجب لأمرها، وأرسل الجند لاستطلاعها، فعاد إليه بالفتاة والفارة، فلما سألها عن أمرها، حكت له حكايتها كاملة، وعرضت عليه القطعتين، فأخذهما منها، ومضى يتأملها، غير مصدق، ثم عرض عليها أن يصحبها إلى قصره، لتقيم عنده، فترددت في أوّل الأمر، ثم قبلت.

وفي القصر، أفرد لها ابن السلطان جناحاً، وخصها بالخدم، يسهرون على راحتها، ويوفرون لها أسباب العيش الهنيء، واستمرت فارتها تضع لها كل يوم قطعتين من الذهب، يأخذهما ابن السلطان.

وكانت الحالة قد تردّت بأختيها، فباعتا المغزل، وأكلتا بثمنه أياماً، ثم اضطرتا إلى سؤال الناس لقمة العيش، فكانتا تطوفان في الطرقات تطلبان من الناس العطاء، وتعودان إلى البيت، في المساء، لتجتمعا بعد تشرد، وتقتسما ما التقطتا.

*وذات يوم كانت الصغرى في نافذة القصر، تتفرج على البلد والناس، وتتذكر شقيقتيها، رأت بائسة فقيرة، تتجول بين الناس، وتمد يدها بالسؤال، فراحت تتأملها، حتى إذا دنت من القصر، عرفت فيها أختها، فأسرعت إلى الخدم تأمرهم بإحضارها.

ولما دخلت عليها أختها، رقت لحالها، وحزنت لما صارت إليه، فأعطتها بعض الثياب، وحثتها على المضي لإحضار أختها، كي تقيما معها، في جناحها بالقصر.

ولما حضرت أختاها، وشاهدتا ماتنعم به أختهما من عزة ورفاهية، داخلهما الحسد، وعشش في قلبيهما البغض للفارة، والحقد على أختهما، التي نالها من الحظ، بسبب الفأرة، مالم ينلهما، فأضمرتا لها الأذى، ولكنهما أظهرتا الحب والوداد.

ومرت عليهما أيام كانتا تنعمان فيها بما تغدقه عليهما الأخت من خيرات، وبما ترفل به ثلاثتهن من نعيم، ولكنهما كانتا تتحينان الفرص، كي تغدرا بها، وذات يوم سافر ابن السلطان إلى بلد قريب في زيارة قصيرة، فاغتنمت الأختان الفرصة، واقترحتا عليها أن يذهبن إلى الحمام، فوافقت.

ومضت الأخوات إلى الحمام، فأمضين فيه وقتاً، ثم ادّعت إحدى الأختين أنها نسيت في البيت شيئاً، وأن عليها أن تذهب لإحضاره، فخرجت من الحمام، وأسرعت إلى القصر، ثم عمدت إلى الفأرة، فخنقتها، ثم رجعت إلى الحمام.

ولما خرجت الأخوات من الحمام، ورجعن إلى القصر، أسرعت الصغرى إلى الفارة تطمئن عليها، فوجدتها مخنوقة، فعرفت على الفور أن أختها هي التي قامت بخنقها، فحزنت، وبكت بكاءً مراً، وعمدت إلى ركن في حديقة القصر، فحفرت فيه حفرة، دفنت فيه الفارة، والتقطت من الأرض غصناً يابساً، فغرسته فوق قبرها علامة، حتى يرجع ابن السلطان، فيراها.

*

ولبثت بضعة أيام تكظم غيظها، وتخفي حزنها أمام أختيها، حتى رجع ابن السلطان، فأخبرته بما كان، فزود أختيها بالمال والثياب، وطلب منهما أن تغادرا القصر، على أن تزورا أختهما حين ترغبان.

وأخذت الأخت بعد ذهابهما تزور كل يوم قبر فارتها وتبكيها بدموغ غزيرة، وذات يوم فوجئت بالغصن اليابس الذي غرسته فوق القبر، علامة، قد بزغت فيه براعم صغيرة، وماهي إلا بضعة أيام حتى أورق الغصن وأزهر، ففرحت به فرحاً، ودعت ابن السلطان إلى زيارته ومشاهدته، فلبى دعوتها، ولما رأى الغصن، أعجب به الإعجاب كله، وبينما هو يتأمله، هبت نسمة خفيفة، فتمايل الغصن، وسقطت منه بضع زهرات، التقطها ابن السلطان، فإذا هي لؤلؤ ومرجان، فأخذ يقلبها، ويتأمل فيها، فرحاً، وهنأ الصغرى بما تحظى به.

ومنذئذ أخذ ابن السلطان يزور الغصن كل يوم، وقت الأصيل، فيقعد أمامه بعض الوقت، ويمضي في تأمله، مستروحاً بأطيب النسمات، والفتاة تطوف بين يديه وتقدم له أشهى الفواكه، وأطيب الشراب، حتى إذا هم بالقيام، دنت من الغصن، وعطفت على أعواده وأزهاره، تداعبها بيدها، وتقول لها:

هرّي لولو ومرجان

حتى يفرح ابن السلطان

ويميل الغصن، فتتساقط بضع زهرات، يلتقطها ابن السلطان، فإذا هي لؤلؤ ومرجان.

وهكذا عادت الفرحة إلى قلب الصغرى، وسعدت بوفاء فارتها لها، وارتفعت مكانتها عند ابن السلطان، فقربها منه، فهنئت برغد الأيام، ولكنها ذكرت ثانية أختيها ورقت لحالهما، وتمنت لو تستطيع الوصول إليهما، وظلت ترسل الخدم في السؤال عنهما أياماً، ولكنها لم تفلح في العثور عليهما.

ولكن ذات يوم فوجئت بإحدى أختيها، تزورها، فرحبت بها، وفرحت لزيارتها، فأكرمت وفادتها، وقدمت لها الطعام والثياب، وسألتها عن أختها، فأخبرتها أنها مريضة، لا تستطيع الحراك، وبالغت في وصف مرضها، فتألمت لحالها، وأغدقت عليها مما عندها، ثانية، من طعام وشراب، ثم رافقتها إلى الباب تودعها، وقبل أن تخرج الأخت سألتها إن كانت ماتزال تزور قبر الفارة، كل يوم، وتبكيها، كعادتها، وكانت تسخر منها، فلم تنتبه إلى قصدها، ومضت تحدثها عن الغصن الذي غرسته فوق قبرها، وعن أزهاره، وبما يتساقط منه كل يوم، من لؤلؤ ومرجان، ودعتها إلى رؤيته، فوعدتها أن يكون ذلك في زيارة أخرى.

وأخذت الأخت تتردد عليها بين الحين والحين، فتظهر لها الحب والوداد، وإن كانت تضمر لها الحسد والبغض، وكانت الصغرى تستقبلها وتفرح بها، وفي كل يوم تصحبها إلى الغصن لتزوره، وتراه، ولما زارتها الأخت التي كانت مريضة، على زعم الأخت الثانية، فرحت بها، وأكرمتها وكانت هي التي خنقت الفارة، فلما دعتها إلى زيارة الغصن ورؤيته، ترددت، ثم قبلت، ومضت، ولما مثلت أمامه، أخذ منها الحقد كل مأخذ، وودت لو تقلعه، ولكنها صبرت نفسها.

ومرة زارت الأختان شقيقتهما الصغرى، ثم قصد ثلاثتهن الغصن للفرجة عليه، فغافلت إحدى الأختين شقيقتهما، على حين شغلتها، الأخرى بأمر ما، ثم عمدت إلى قليل من الملح، كانت تحمله تحت ثوبها، فرشته فوق الغصن، ثم ودعت الأختان شقيقتهما، وخرجتا، وهما تعدانها بأن تزوراها باستمرار.

ولما كان أصيل ذلك اليوم نزل ابن السلطان، كعادته، إلى حديقة القصر، ليتأمل الغصن، وإذا به يفاجأ بالفتاة أمام الغصن تبكي، وتلطم خديها، فدنا منها، وضمها إلى صدره، وأخذ يواسيها، ثم أخبرها أن الجاني لن يفلت من العقاب، ولما سألها فيمن تشك، أكدت له أنها لا تشك في غير أختيها، ولكنها تأسف إذ لا تعرف أين هما؟ ولا أين تقيمان؟ فأكد لها أنه قادر على إحضارهما على الفور، فقد شك فيهما من قبل، وأرسل وراءهما أحد الجند، ليتعرف موضع إقامتهما، وأنه ليعرفه، ثم سألها إن كانت توافق على عقابهما، فأجابت أن نعم.

وفي اليوم التالي مثلت الشقيقتان أمام ابن السلطان، وإلى جانبه كانت تقعد أختهما الصغرى، فتميزتا من الغيظ وودتا لو شقت الأرض وابتلعتهما، ولما سألهما ابن السلطان عن سبب فعلتهما، أنكرتا أول الأمر، ثم لم تلبثا أن أقرتا، واعترفتا بما تحملانه لأختهما من بغض وحسد، فلما سمعت الصغرى كلامهما حزنت أشد الحزن، وخرجت وقد تركتهما لابن السلطان، يوقع بهما مايشاء من عقاب.

وعندئذٍ أمر ابن السلطان بتعطيش الخيول وتجويع الكلاب، ثلاثة أيام، ثم عمد إلى الأختين فربط كل واحدة بذيل فرس، وأطلق الفرسين يجران الأختين، ثم أطلق في أثريهما الكلاب.

ورجع إلى الصغرى، فأعلن خطبته لها، فأعدت، وجهزت، ثم أقيمت الأفراح، فتزوجها، وغدت أميرة القصر، وعاشت مع ابن السلطان في هناءة وسرور.

*

*

تعليق:

رد مع اقتباس

  #4  
قديم 09-10-2006, 12:34 PM
الصورة الرمزية admin_01
admin_01 admin_01 غير متواجد حالياً
إدارة المنتديات
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 425
افتراضي _MD_RE: التراث الشعبي - الجزء الرابع

الكأس والمنديل

*

يحكى أن أحد الملوك سمع بجمال زوجة وزيره، وحسنها الباهر، فثارت في نفسه الرغبة في لقائها، فادعى ذات يوم المرض، وأرسل إلى الوزير يسند إليه أمور الحكم، ويعتذر عن النزول إلى الديوان، ثم خرج من القصر سراً، ومضى إلى بيت الوزير.

ودهشت زوجة الوزير لزيارة الملك، ولكنها مضطرة إلى الترحيب به، وهمت أن تطلب من الخدم أن يهيئوا له جناحاً خاصاً به، ولكنه رجاها أن تبقي زيارته سراً، وألا تخبر بها أحداً، ثم طلب منها أن تضيفه في غرفة زوجها، فقادته إلى حيث طلب، وهيأت له أطايب الطعام والشراب.

وأخذ الملك يتبّسط شيئاً فشيئاً في الحديث معها، ويثني على أثاث غرفة زوجها، وحسن إعدادها الطعام، ثم أخذ يثني عليها هي نفسها، ويعرب عن حسده لوزيره على تنعمه بجمالها.

*ثم طلب منها أن تسمح له بالاتكاء على فراش زوجها، فاضطرت إلى السماح له بذلك، فاتكأ عليه، وأخذت تقدم له مالذ من الفواكه، تريد إشغاله بالطعام، عما في نفسه من غرض، أدركت أنه يسعى إليه.

ثم طلب منها أن تحضر له كأس شراب، مشعشع بالثلج، فأحضرت له كأس من زجاج فخم رقيق شفاف، فأبدى إعجاباً شديداً بالكأس، وقد تناوله منها بمنديله الخاص، ثم أعاده إليها، فتناولته، ورمت به على الفور إلى الأرض، فتحطم، وتناثر زجاجه.

ودهش الملك لما فعلت، وسألها عن سبب ذلك، فأجابت: "بعد أن تشرب منه السباع، لا يجوز أن تلغ فيه الكلاب"، فثار غضب الملك، ونهض على الفور، ومضى خارجاً، لا يلوي على شيء.

*وبعيد العصر، فض الديوان في القصر، ورجع الوزير إلى بيته، فطلب الطعام والشراب ثم قصد إلى فراشه لينام، فعثر بمنديل الملك، فدهش، ولكنه كظم مابنفسه، وخبأ المنديل في مكان أمين، وقرر أن يهجر زوجته، ولم يصارح بالأمر أحداً.

*ومرت الأيام، والوزير والملك في القصر يلتقيان، يسيّران معاً أمور البلاد، ويتجنب كل منهما نظرات الآخر.

وامتدت الأيام، فإذا هي أشهر، تكاد تصير إلى عام، ضاقت فيها نفس الزوجة، فشكت أمرها إلى أخيها، وحدثته بماكان من زيارة الملك، كما حدثته عن هجر زوجها لها، ورجته أن يرفع الأمر إلى الملك والوزير، وهي لا تعلم من أمر المنديل شيئاً، وقد أكدت لأخيها براءتها.

وقصد شقيق الزوجة القصر، وطلب الإذن في المثول أمام الملك والوزير، ولما صار أمامهما وجد رجال القصر حاضرين، وفيهم كبار القضاة والعلماء والقادة، فحار في أمره، كيف يعرض الموضوع على الملأ، وتردد، ولكنه لم يلبث أن تحدث إلى الملك، فقال: " لقد أجّرت الوزير أفضل بستان، كثير الأشجار، طيب الثمار، فصد عنه، وقابله بالهجران.".

*وأدرك الوزير مراده، فرد على الفور، قائلاً له: "بستانك داسه من داس، فخرّب فيه الأساس.".

وفطن الملك إلى المقصود بذلك كله، فقال: "ماداسه أحد، ولكن مرّ في سمائه نسر، والبستان مافسد".

*وانتهى اللقاء، وعاد كل إلى بيته.

وواصل الوزير زوجته، واطمأن إلى براءتها، ووصفت نفسه نحو الملك، وأخذت نظرات كل منهما تلتقي بنظرات الآخر، ولا ترتد، ولاسيما بعد أن أعاد الوزير إلى الملك المنديل.

*تعليق:

تدل الحكاية على براءة المرأة ونقائها، وقدرتها على صون نفسها، ودرء كل مايحيط بها من مكر، بفضل ذكائها وحسن تدبيرها، كما تدل على مافي قصور الحكام من فساد، إذ لا يتورع الملك عن محاولة تدنيس عرض وزيره، بل يسعى إلى ذلك عن قصد، وسبق إصرار.

*والحكاية تعتمد على الرمز، واضحة مباشرة سواء بين زوجة الوزير والملك، أو بين شقيق الزوجة وكل من الملك والوزير.

والحكاية ذات هدف تربوي تعليمي، فهي تزرع الثقة في نفس المرأة، كما تنبه الذهن على الرموز وطرق استخدامها.

*

ثمن الذهب

*

كان لأحد الرجال بنت وحيدة، ذات جمال باهر، رباها خير تربية، ونشّأها أفضل تنشئة، ولما بلغت سن الزواج، أخذت الخاطبات بالتوافد عليها، ولكنهن كنّ يرجعن خائبات، لأن والدها كان يطلب فيها وزنها ذهباً، فانصرفت الخاطبات عنها، وأصبحت لا يطرق بابها أحد.

وذات يوم تقدم إلى خطبتها شاب أعلن عن استعداده لدفع مايعدل وزنها ذهباً، على شرط أن يأذن له أبوها باصطحابها إلى بلده، فهو غريب، وألا يسأل بعدئذ عن ابنته أبداً، فوافق الأب ودفع الشاب مايعدل وزن البنت ذهباً، ثم ارتحل بها إلى بلده.*

وتم الزواج من غير احتفال ولا زوار ولا مهنئين، وأقامت الزوجة في بيت زوجها هانئة مسرورة بما يوفره لها زوجها من أسباب الراحة والنعيم، وكان يخرج كل يوم إلى عمله في الصباح، يقفل الباب عليها، ولا يرجع حتى المساء، وكانا لا يزورهما أحد، ولا يزوران أحد.

ومرت الأيام، فحملت الزوجة، وتتابعت الشعور، فوضعت ولداً،وهي في الدار وحدها، من غير أن يعينها أحد، أو تشرف عليها قابلة، فتكفلت بكل شيء بنفسها، ثم رجع زوجها في المساء من عمله، فرأى الطفل الوليد، فحمله وخرج به، ثم رجع من غيره، فسألته الزوجة عن طفلها، فأجابها بأنه قد باعه، ثم أكد لها أنه سيبيع كل ولد تضعه، حتى يسترد الثمن الذي دفعه فيها، فغصت الزوجة بدموعها، ولم تجب بشيء.

*ومرت الأيام، وتلتها الشهور، وإذا الزوجة قد حملت ثانية، ثم وضعت طفلاً ثانياً، ففعل الزوج مافعله من قبل بالولد الأول.

ومرت شهور أخرى، حملت فيها الزوجة مرة ثالثة، ثم وضعت بنتاً تشبهها في حسنها وجمالها، ودخل عليها الزوج، فتوسلت إليه زوجته أن يترك الطفلة لها كي تأنس بها وتتسلى، ولكن الزوج لم يبال بها، فحمل الطفلة وخرج بها، ثم رجع من غيرها، ليخبرها بأنه قد باعها أيضاً.

وغصت الزوجة بدمعها، ولم تجب بشيء، ولكنها قررت أن تمنع نفسها من الحمل، حتى لا يكون مصير الأولاد الآخرين مصير من سبق، وظلت على هذه الحالة من الصبر والصمت، يخرج زوجها كل يوم في الصباح، فيقفل عليها، ولا يرجع حتى المساء، لا تزور ولا تزار، ولا ترى أحداً، ولا يراها أحد.

*

ومرت الشهور تلتها السنون والأعوام، إذا زوجها يخبرها ذات يوم بضيقه بها، وعزمه على الزواج من غيرها، متذرعاً بعدم حملها، مؤكداً حاجته إلى الولد، فأكدت له الزوجة موافقتها على كل مايراه، فطلب منها أن تبحث عن زوجة تليق به، فأجابته بأنها لم تخرج من البيت قط، ولا تعرف أحداً، ثم أشارت عليه أن يختار هو الفتاة التي تروق له، ثم وعدته أن تقوم بدورها في إتمام الخطبة والسعي في أمور الزواج.

وبعد بضعة أيام رجع إليها الزوج باكراً، فطلب منها أن تخرج معه، فخرجت، فدلها على بيت، وطلب منها أن تزور أهله، وتخطب ابنتهم، وأوصاها أن توافق على مايطلبون من أمور.

ودخلت الزوجة إلى البيت الذي دلها عليه، فاستقبلتها فيه بعض النسوة، فأخبرتهن بأنها جاءت تخطب إليهن ابنتهن، تريدها لزوجها، فبرزت لها فتاة دون الخامسة عشرة من عمرها، ذات حسن وجمال، خفق لها قلبها، ودهشت لمرآها دهشاً عظيماً، ثم سألت الأهل عن طلباتهم وشروطهم، وأكدت لهم استعداد زوجها للوفاء بكل مايطلبون.

وسارت الأمور على مايرام، فتمت الخطبة، وحان موعد الزفاف، والزوجة تسعى في ذلك كله، وتساعد زوجها، صابرة صامتة، لا تبدي انزعاجاً ولا قلقاً ولا غضباً.

وفي ليلة الزفاف أُحضِرَت العروس في أبهى زينتها، وكان يصحبها أخواها، وهما يفوقانها في الحسن والبهاء، وطلب الزوج من زوجته أن تنهض لاستقبال عروسه وأخويها، وأن تقودهم إلى مخدعه، فنهضت الزوجة، فاستقبلت العروس وأخويها، وقادتهم جميعاً إلى مخدع زوجها، ثم تركتهم وهمت بالرجوع، وإذا زوجها يدخل عليها ويطلب منها البقاء، ليقدم لها العروس معرفاً بها، بوصفها ابنتها، ويقدم لها شقيقي العروس بوصفهما ولديها.

وعانقت الأم ابنتها، العروس، وضمت إليها ولديها، ثم ضم الزوج إليه زوجته وأولاده، وشكر للزوجة صبرها، وبارك فيها وأكد لها أنها تستحق أن يدفع فيها مايعادل وزنها ذهباً.

تعليق:

تؤكد الحكاية قيمة الصبر، فهو المعيار الوحيد الذي تقوّم به المرأة، ولكنه معيار صعب وقاس جداً، ويدلّ على مدى مايلحق المرأة من حيف وظلم لتؤكد جدارتها بأن تكون زوجة، والرجل وحده هو الذي يطلب منها تلك الجدارة، وهو الذي يمتحنها، في هذا دلالة واضحة على ظلم المجتمع للمرأة.

وتدل الحكاية على دور التربية وأهميتها في إعداد الفتاة لتكون امرأة المستقبل، كما تدل على أن القيمة العليا هي للإنسان، ولا يمكن أن يعدله شيء، حتى الذهب نفسه، وقد تمّ اختياره هنا لأنّه أغلى المعادن وأكثرها ندرة ولثباته وعدم تحوّله.

وواضح لجوء الحكاية إلى المبالغة والافتعال، لتخلق الأثر النفسي والتربوي، وهي موجهة على الأغلب للفتيات لتعلمهن الصبر وتعدّهن للمستقبل.

*

*

رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
مدونة الأحوال الشخصية المغربية: الجزء الأول عبدالرحمن السليمان وثائق رسمية وشهادات Official Documents & Certificates 6 12-12-2019 09:14 AM
مصطلحات البرمجة والحاسب الألي - الجزء الأول admin_01 توطين البرامج Software Localization 3 05-09-2013 04:52 PM
مشروع "جمع التراث الشعبي العربيّ القوليّ" _ الدكتور أحمد زياد محبّك ahmed_allaithy القصة العربية القصيرة Arabic Short Stories 8 04-22-2009 04:06 AM
جمعية اللهجات والتراث الشعبي drsoni منتدى اللهجات العربية Arabic Dialects' Forum 0 01-31-2009 01:00 PM
أصول التراث المسيحي في شمال أفريقيا Reader اللغة الأمازيغية The Tamazight Language 13 09-18-2008 04:40 PM


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 07:53 PM.




Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2021, Jelsoft Enterprises Ltd. تعريب » حلم عابر