Arabic Translators International _ الجمعية الدولية لمترجمي العربية

 


العودة   Arabic Translators International _ الجمعية الدولية لمترجمي العربية > الترجمة العملية Practical Translation > الترجمة القانونية Legal Translation

الترجمة القانونية Legal Translation في الترجمة القانونية

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: كتيب: الترجمة النصية من الألمانية إلى العربية ـ زهير سوكاح (آخر رد :saleh.)       :: علاج الفزع والجزع (آخر رد :مصطفى الشاذلي)       :: إطلاق مشروع: مسكوك للمتلازمات اللفظية (آخر رد :الدكتور المصري)       :: المصالحة، بين الخطاب والواقع ! (آخر رد :عادل محمد عايش الأسطل)       :: برنامج للتشكيل (آخر رد :عبدالرحمن السليمان)       :: روسيا، الحليف الجديد ! (آخر رد :عادل محمد عايش الأسطل)       :: قصائد الصمت - بو كاربيلان / ترجمة نزار سرطاوي (آخر رد :نزار سرطاوي)       :: المهاجرون يغيّرون اللغة الألمانية (آخر رد :muslimah)       :: حسن حجازي علي النيل للثقافة وبرنامج يوم جديد (آخر رد :Hassanhegazy11)       :: ترجمة ملخص دروس دورة ? Deutsch Wieso nicht (آخر رد :saleh.)      

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 02-02-2012, 10:01 PM
الصورة الرمزية عبدالرحمن السليمان
عبدالرحمن السليمان عبدالرحمن السليمان متواجد حالياً
عضو مؤسس، أستاذ جامعي
 
تاريخ التسجيل: May 2006
المشاركات: 4,922
افتراضي إشكاليات التكافؤ الوظيفي عند ترجمة وثائق الأحوال الشخصية: قانون الأسرة المغربي أنموذجًا

إشكاليات التكافؤ الوظيفي عند ترجمة وثائق الأحوال الشخصية:
قانون الأسرة المغربي أنموذجًا

د. عبدالرحمن السليمان


1. الترجمة القانونية

إن الترجمة القانونية هي قبل كل شيء ترجمة بين لغتين قانونيتين تعبران عن نظامين قانونيين مختلفين. وهذا يعني أن المصطلح القانوني محدود سلفًا بالنظام القانوني الذي ينتمي ذلك المصطلح القانوني إليه، وأنه لا يمكن فهمه وبالتالي ترجمته إلا من خلال ذلك النظام القانوني. من ثمة كان على مترجم النصوص القانونية أن يكون ملمًا بالنظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، وأن يترجم المصطلح القانوني للغة المنقول منها بما يقابله ويكافئه وظيفيًا من مصطلح قانوني في اللغة المنقول إليها، أي أن يعتمد استراتيجية (التكافؤ الوظيفي) طالما كان اعتماد هذه الاستراتيجية ممكنًا. ولكن هذه الاستراتيجية ليست دائمًا مكنة في عملية الترجمة، مما يفرض على المترجم اعتماد استراتيجيات أخرى سنعالجها في هذه الدراسة. ولكننا سنتوقف، قبل الولوج في ذلك، قليلا عند النظرية الغائية (Skopos Theory) في الترجمة، لوثيق صلتها بالترجمة القانونية ولأهميتها لهذه الأخيرة كما سنرى أدناه.

طوَّر هانس فيرمير (Hans J. Vermeer) النظرية الغائية (أو نظرية الهدف) في الترجمة (Vermeer & Reiss, 1984)، وهي نظرية تمكن المترجمين من وضع ترجمات تأخذ بعين الاعتبار النص الأصلي من جهة، والنص الهدف من جهة أخرى، لكنها تركز كثيرًا على الغاية المتوخاة من الترجمة (الغاية/الهدف: skopos). وترى النظرية أن هدف الترجمة النهائي هو الذي يحدد للمترجم سلفًا الاستراتيجية التي ينبغي عليه أن يتبعها في ترجمته، وليس غير ذلك من عوامل. وقد يكون لترجمة ما عدة أهداف تؤخذ كلها بعين الاعتبار وقت تحقيق الترجمة. وينبغي على الزبون أو رب الترجمة (= initiator) إشعار المترجم سلفًا بالهدف (= skopos) أو الأهداف (= skopi) المتوخاة من الترجمة برسالة (=brief ) ترفق مع الطلب كي يتمكن المترجم من اختيار الاستراتيجية المناسبة في الترجمة وبالتالي من تحقيق ذلك الهدف أو تلك الأهداف المتوخاة من الترجمة. وفي حال عدم وجود رسالة من الزبون تحدد هدف الترجمة فإنه ينبغي على المترجم أن يقوم هو بدور الزبون أو رب الترجمة وبالتالي بتحديد هدف الترجمة وبناء استراتيجيته في تحقيقها على هذا الأساس (Nord 1997:30). وتميز النظرية الغائية أيضًا بين نوعين من الترجمات: "الترجمات الوثائقية" (Documentary Translations) و"الترجمات الوظائفية" (Instrumental Translations) (انظر: Nord 1997:47-50). في النوع الأول يركز المترجم على القيمة التواصلية للوثيقة/النص ـ أية وثيقة/أي نص ـ بحيث يتمكن واضع الوثيقة/النص في اللغة المنقول منها، من التواصل مع متلقي الوثيقة من اللغة المنقول إليها وذلك بأخذ جميع العوامل الثقافية للغة المنقول منها بعين الاعتبار. بكلام آخر: يحدد النص الأصلي، وثقافة النص الأصلي، وبنية النص الأصلي وعناصره اللغوية شروط الترجمة هنا، بحيث تأتي الترجمة في اللغة المنقول إليها تعبيرًا دقيقًا عن النص الأصلي المترجَم. وأكثر ما يكون هذا النوع في الترجمة الأدبية وما كان بحكمها. أما في النوع الثاني، فإن هدف الترجمة يقتضي نشوء وظيفة جديدة في القيمة التواصلية بين واضع الوثيقة/النص في اللغة المنقول منها ومتلقي الوثيقة من اللغة المنقول إليها، تتمثل في احتفاظ النص المترجَم بالوظيفة ذاتها التي يملكها النص الأصلي (انظر: Nord 1997:50). وأكثر ما يكون هذا النوع في الترجمة الإدارية والرسمية والقانونية. وهذه الأخيرة هي ما يهمنا في الآن سياق هذه المقالة، ذلك أن الوظيفة التي يجب أن يمارسها النص القانوني المترجَم لدى إدارة الدولة المنقول إلى لغتها القانونية (= هدف الترجمة)، هي ذاتها الوظيفة التي يمارسها النص القانوني الأصلي لدى إدارة الدولة المنقول من لغتها القانونية. وهذا هو جوهر الحديث في الترجمة القانونية.

إذن الترجمة الترجمة القانونية هي ترجمة بين لغتين قانونيتين تعبران عن نظامين قانونيين مختلفين، قوامها المصطلح القانوني الذي يرتهن حده ومعناه وفهمه وبالتالي ترجمته إلى لغة أخرى بفهم موضعه في النظام القانوني الذي ينتمي إليه ذلك المصطلح، وبما يقابله من مصطلح في النظام القانوني للغة الأخرى. وهذا يعني أنه ينبغي على مترجم النصوص القانونية أن يضيف إلى مهاراته اللغوية والترجمية مهارة المقارنة بين النظامين القانونيين: النظام القانوني للغة المنقول منها والنظام القانوني للغة المنقول إليها، وذلك عبر جميع مراحل الترجمة القانونية (De Groot, 1993:27). إن أية ترجمة لنص قانوني لا يأخذ القائم بها بعين الاعتبار المقارنة المستمرة بين النظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها هي ترجمة لا تفي بالغرض، غرض النقل الموضوعي، ولن تؤدي إلى ترجمة يمكن استعمالها استعمالاً وظائفيًا في النظام القانوني للغة المنقول إليها، علمًا أن الترجمة إنما حررت من أجل الاستعمال وقضاء الحاجة في النظام القانوني للغة المنقول إليها. وهذا يتطلب ـ في جميع الأحوال ـ معرفة دقيقة بالمصطلح القانوني وبما يقابله في اللغة ذاتها، خصوصًا إذا كانت تلك اللغة تُستعمَل للتعبير عن أكثر من نظام قانوني واحد، وكذلك في اللغة المنقول إليها. فقد يكون في لغة واحدة أكثر من نظام قانوني واحد. وتثبت الفروقات المصطلحية القانونية في البلاد العربية وجود هذه الظاهرة فيها بوفرة لأن مصادر القوانين المعمول بها في العالم العربي مختلفة (الشريعة الإسلامية، قانون نابليون، القانون الإنكليزي، العرف والنوازل المحلية ..). ولا تقتصر هذه الظاهرة على العربية فحسب، بل نحن نجدها في أكثر اللغات العالمية (مثلاً: النظامان القانونيان الإنكليزي والأمريكي في اللغة الإنكليزية) وغير العالمية (مثلاً النظامان القانونيان الهولندي والبلجيكي في اللغة الهولندية) الخ.

1.1. النصوص القانونية

لا يوجد تعريف جامع مانع للنصوص القانونية. ولا شك في أن مرد ذلك إلى تنوع الأنظمة القانونية في العالم، وإلى تنوع المعاملات والإجراءات القانونية، وتنوع الوثائق التي تعتبر – بحسب طبيعتها – قانونية، أو لا تعتبر كذلك. فعقد الزواج – على سبيل المثال – لا يعتبر في القانون البلجيكي وثيقة قانونية لأن الحالة المدنية التابعة للإدارة البلدية هي التي تحرره، وليس السلطة القضاية، بينما يعتبر عقد الزواج في المغرب وثيقة قانونية لأن قضاء الأسرة التابع للمحاكم الابتدائية هو الجهة المختصة بإصداره وذلك على الرغم من أن العدول المحررين له ليسوا قانونيين. وبما أنه لا يوجد نظام قانوني واحد في العالم، بل أنظمة وطنية متعددة، فإن ما يعتبر في نظام قانوني ما نصًا قانونيًا (مثل عقد الزواج في النظام القانوني المغربي)، قد لا يعتبر في نظام قانوني آخر نصًا قانونيًا، بل وثيقة إدارية ذات حجة قانونية (مثل عقد الزواج في النظام القانوني البلجيكي). لهذا السبب بالذات أخرجت تعريفات سابقة النصوص المتعلقة بالأحوال الشخصية والقانون الخاص من النصوص القانونية (انظر: Cao, 2007:8). ولعل أجمع تعريف للنصوص القانونية هو تعريف الصينية دبوره كاو في كتابها الحديث نسبيًا، حيث تصنف النصوص القانونيةكما يلي: (أ) النصوص التشريعية (الدساتير والتشريعات والتنظيمات القانونية العامة)؛ و(ب) النصوص القانونية (القوانين التي تصدرها الهيئات القانونية المختلفة)؛ و(ج) النصوص العلمية القانونية التي يحررها الفقهاء القانونيون في مجلاتهم المتخصصة ومقالاتهم وكتبهم؛ و(د) النصوص ذات الاستعمال الخاص التي يحررها الكتاب بالعدل والمحامون والهئيات المخولة بذلك (Cao, 2007:9).

تدخل النصوص المتعلقة بالأحوال الشخصية (مثل عقود الزواج والطلاق والنسب والميراث وما نتج عنها)، التي يحررها العدول المغاربة ويثبتها قضاء الأسرة التابع للمحاكم الابتدائية في المغرب، ضمن الصنف (د)، بينما لا يعتبر عقد الزواج كذلك في النظام القانوني البلجيكي الذي يجعل الطلاق – بعكس الزواج – من اختصاص القضاء فقط وليس من اختصاص الإدارة (كالزواج!) لما ينتج عن الطلاق من مشاكل تتطلب تنظيم القضاء لها. في الوقت ذاته يدخل الإرث وحصره وتنفيذه في بلجيكا ضمن سلطة الكتاب بالعدل، وهم هيئة ثالثة غير الإدارة وغير القضاء! وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن قضاء الأسرة المغربي حديث نسبيًا (أدخل بعد التعديل الذي أجري على المدونة سنة 2003)، وأن الوثائق التي كانت تحرر قبل إدخال قضاء الأسرة كان يحررها العدول ويراقبها قضاة التوثيق الذين كان دورهم يقتصر على مراقبة صحة الإجراء فقط، أدركنا صعوبة تعريف النصوص القانونية تعريفًا جامعًا.

2.1. اللغة القانونية

إن اللغة القانونية لغة تخصصية لأنها تحتوي على مجموعة المصطلحات القانونية المستعملة في نظام قانوني ما. وتختلف مفردات اللغة القانونية عن مفردات اللغة بشكل عام من حيث هي مصطلحات تدل على مفاهيم قانونية يحدد معانيها بدقة النظام القانوني، وليست مجرد كلمات تنتمي إلى القاموس العام للغة ويحدد معانيها الاستعمال اللغوي العام. وهذا التعريف ينطبق، بشكل عام، على الفرق بين المصطلحات من جهة، وبين مفردات اللغة العامة من أخرى، مهما كانت مجال تلك المصطلحات العلمي.

إنها اللغة القانونية هي التي تجعل الترجمة القانونية غاية في الصعوبة، ذلك لأن اللغة القانونية المستعملة في النظام القانوني، أي نظام قانوني، لغة تلازم ذلك النظام القانوني منذ نشأته. وبما أن القوانين تتطور باستمرار نتيجة لعوامل مختلفة، وبما أن عدة أنظمة قانونية قد تكون في لغة واحدة تتقاطع فيما بينها قانونيًا ومصطلحيًا ولغويًا، فإن اللغة القانونية تعكس ذلك بوضوح في مصطلحاتها وتراكيبها وعباراتها. وهذا ما يجعل من اللغة القانونية "لغة تقنية غير قابلة للتعريف" (Cao, 2007:15).

فنحن نميز في العربية عدة أنظمة قانونية كالشريعة الإسلامية وقانون نابليون والقانون الإنكليزي وقانون العرف والعادة .. ولكل نظام من هذه الأنظمة القانونية لغة قانونية مخصوصة به، ومصطلحات مخصوصة به، وتراكيب وعبارات مخصوصة به. الحالة ذاتها تنطبق على اللغة الإنكليزية واللغة الفرنسية، فهاتان اللغتان تستعملان للدلالة على أنظمة قانونية مختلفة. أضف إلى ذلك أن عدم التنسيق بين الدول العربية إبان الاستقلال وإدخال قانون نابليون والقانون الإنكليزي في الاستعمال كانا قد أديا إلى تعريب عشوائي للمصطلح القانوني الإنكليزي والفرنسي، مما خلق فروقات مصطلحية كثيرة بين اللغات القانونية العربية. فمصطلح "الحراسة النظرية" في المغرب يقابل "النظارة" في سورية ولبنان، والمصطلحان جاءا ترجمة للمصطلح الفرنسي garde à vu. أما مصطلح greffe فقد ولَّد في العربية ثلاثة مقابلات له على الأقل: "كتابة الضبط" (المغرب)، و"قلم المحكمة" (لبنان) و"كتابة المحضر" (سورية). ولهذه الفروقات المصطلحية أثر سلبي على أداء المترجمين العرب المغاربة والمشارقة، ولا بد من معالجتها معالجة شاملة وجردها وتبويها في مسرد مفهرس. (1) وأما التفاوت والفرق في مستوى التراكيب النحوية والعبارات الإنشائية، فيمكن ملاحظة ذلك بوضوح من خلال مقارنة هذين النصين المأخوذين من وثيقتين مغربيتين، الأولى وثيقة عدلية والثانية حكم قضائي. (2)

النص الأول: "الحمد لله وحده أشهد الفقيه الأجل فضيلة قاضي التوثيق وشؤون القاصرين بمكناس ونواحيها وهو ........... أعزه الله وحرس ولايته بثبوت الموجب أعلاه الثبوت التام بواجبه وهو أكرمه الله ورعاه بحيث يجب له ذلك من حيث ذكر".

النص الثاني: "وبناء على ذلك يأمر جلالة الملك جميع الأعوان ويطلب منهم أن ينفذوا الحكم المذكور (أو القرار) كما يأمر الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك لدى مختلف المحاكم أن يمدوا يد المعرفة لجميع قواد وضباط القوة العمومية وأن يشدوا أزرهم عندما يطلب منهم ذلك قانونيا".

فالنص الأول ـ وهو خطاب قاضي التوثيق على الموجبات واللفائف ـ من التراث الفقهي المالكي، تقني جدًا وفصيح وشديد المحافظة، ولا يكاد غير المتمكن من اللغة العربية أن يفهمه. أما النص الثاني ـ وهو نص الصيغة التنفيذية التي تلحق بالأحكام التي تصدر دائما باسم الملك ـ فهو ترجمة مستعارة عن الأصل الفرنسي الذي أثبته ههنا بصيغته البلجيكية لأن بلجيكا – مثل المغرب - مملكة دستورية:

“A nos Procureurs Généraux et à nos Procureurs du Roi près les tribunaux de première instance, d’y tenir la mainet à tous Commandants et Officiers de la force publique d'y prêter main-forte lorsqu’ils en sont légalement requis”.

إذن تتميز اللغة القانوينة بعدة عوامل أهمها (أ) طابعها القديم أو المحافظ، و(ب) أسلوبها غير المتسق، و(ج) الفروقات المصطلحية (د) وتطور المفاهيم المصطلحية لتطور القوانين المتعلقة بها و(ه) عدم شفافيتها ووضوحها و(و) تقنيتها العالية و(ز) تنوع الحالات والأوضاع التي تستعمل اللغة القانونية فيها (مثلا: المرافعة أمام المحكمة تتطلب من المحامي مهارات خطابية، بينما لا يحتاج وكيل النيابة إلى الخطابة). وهذا كله يجعل من اللغة القانونية لغة "غير منطقية" لأن الحياة القانونية "حياة غير منطقية" كما يلاحظ هولمس (Holmes, 1981/1990:1). ولعل هذا التطور التراكمي للغة القانونية هو الذي يجعل تعريف اللغة القانوية أمرًا تقريبيًا. وتلخص دبوره كاو (Cao, 2007:13-32) مميزات اللغة القانونية في أربع ميزات رئيسية هي (أ) المعيارية ـ لأن القانون ينظم العلاقات بين أفراد المجتمع؛ و(ب) الأدائية الوظائفية ـ لأن النصوص القانونية والتشريعية تُوضَع لتُنفذ؛ و(ج) التقنية ـ لأنها لغة ذات استعمال خاص؛ و(د) عدم الوضوح ـ لأن السلوك البشري واللغة الانسانية معه ليسا دائمًا واضحين الوضوح المتوقع (De Groot, 1993:14; Cao, 2007:19). (3)

2. تقنيات الترجمة القانونية

1.2. التكافؤ الوظيفي

يقصد بالتكافؤ الوظيفي (functional equivalence) في علم الترجمة العام "العلاقة المتجانسة بين القيم التواصلية للنص الأصل والنص الهدف، وكذلك بين الكلمات والجمل والتعابير الاصطلاحية والأبنية النحوية" (Nord 1997:138). أما في علم الترجمة القانونية فيقصد بالتكافؤ الوظيفي أن يترجم المترجم مصطلحًا قانونيًا في لغة قانونية ما بما يكافئه وظيفيًا من مصطلح قانوني في لغة قانونية أخرى (De Groot 1993:27 & 1998:16; Cao 2007:32). وإذا كانت لغة ما تستعمل للتعبير عن أكثر من نظام قانوني واحد، مثل العربية التي يوجد فيها غير نظام قانوني واحد (الشريعة، قانون نابليون، القانون الفرنسي، القانون العرفي ..)، ومثل الإنكليزية التي يوجد فيها غير نظام قانوني واحد (الإنجليزي والأمريكي على سبيل المثال لا الحصر)، فإن التكافؤ الوظيفي يعني أن نترجم المصطلح القانوني من النظام القانوني للغة المنقول منها إلى ما يجانسه ويكافئه وظيفيًا في النظام القانوني للغة المنقول إليها. فمصطلح "المذكرة الجوابية" في النظام القانوني المغربي أو "اللائحة الجوابية" في النظام القانوني السوري يترجم إلى النظام القانوني الإنجليزي بـ reply to defence ، بينما تترجم إلى النظام القانوني الأمريكي بـ motion. فالنظامان القانونيان الإنجليزي والأمريكي يستعملان اللغة الإنجليزية ذاتها لكن المصطلحات القانونية يحدها النظام القانوني وليس اللغة العامة.

ومثل ذلك ترجمة مصطلح مثل examining magistrate إلى العربية التي تستخدم أكثر من نظام قانوني واحد كما تقدم. فالـ magistrate يعني ـ معجميًا ـ وفي أكثر اللغات الأوربية: "رجل القضاء". وهي كلمة عامة نسبيًا في الاستعمال القضائي عمومَ كلمة "دبلوماسي" في الاستعمال الإداري الرسمي. ومثلما قد يكون "الدبلوماسي" سفيرًا أو قنصلاً أو ملحقًا عسكريًا أو اجتماعيًا الخ، كذلك قد يكون "رجل القضاء" وكيل ملك أو جمهورية أو قاضيًا أو محاميًا عامًا أو قاضي تحقيق أو مدعيًا عامًا الخ. فالـ examining magistrate في النظام القانوني الإنكليزي هو "رجل القضاء المخول بالتحقيق والبحث والتحري"، فيقابله في النظام القانوني المغربي "قاضي التحقيق"، وفي النظام القانوني التونسي "حاكم التحقيق"، وفي النظام القانوني اللبناني "المحقق العدلي" (لبنان). أما في المملكة العربية السعودية فيقابل هذا المصطلح الإنكليزي "هيئة التحقيق" لخلو النظام القضائي السعودي من منصب قاضي التحقيق. وهذا كله يفترض بحثًا دؤوبًا عن المصطلح المناسب المكافئ وظيفيًا. ويقتضي هذا البحث الدؤوب عن المصطلح المناسب والمكافئ الوظيفي في الترجمة القانونية، مقارنة قانونية مستمرة بين الأنظمة القانونية المختلفة، مما يجعلنا نعتبر الترجمة القانونية نوعًا من المقارنة القانونية، تمامًا مثلما يجوز لنا أن نعتبر المقارنة القانونية نوعًا من الترجمة القانونية، لأن المقارنة بين الأنظمة القانونية المختلفة والبحث عن المصطلحات القانونيية المتقابلة والمتكافئة وظيفيًا، يشكلان أساس الترجمة القانونية (De Groot 1993:27).

إذن تعني تقنية التكافؤ الوظيفي أنه ينبغي على المترجم القانوني أن يترجم المصطلح القانوني في اللغة (أ) والنظام القانوني (أ) بما يقابله وظيفيًا في اللغة (ب) والنظام القانوني (ب). وهذا يعني أن الترجمة القانونية التي يستعمل تقنية التكافؤ الوظيفي في جميع مراحلها ممكنة فقط عندما نترجم بين لغيتين تستعملان نظامًا قانونيًا واحدًا كما هي الحال عليه في بلجيكا ـ حيث اللغة الهولندية والفرنسية ـ وكندا ـ حيث الإنكليزية والفرنسية ـ على سبيل المثال. أما في حال الترجمة بين لغتين اثنتين تستعملان نظامين قانونيين مختلفين (مثلاً من الشريعة الإسلامية إلى القانون المدني الفرنسي)، فإن تقنية التكافؤ الوظيفي لن تكون ممكنة على الدوام. في هذه الحالة يجب على المترجم القانوني أن يبحث عن حلول وبدائل مناسبة، نلخصها أدناه. وينبغي على المترجم القانوني أن يلجأ دائما إلى تطبيق تقنية التكافؤ الوظيفي عند وجوده، ولا يجوز له أن يجتهد قط عند وجود المكافئ الوظيفي. فالمكافئ الوظيفي للمصطلح القانوني الإنكليزي defendant في العربية هو "المدعى عليه" وليس ـ على سبيل المثال ـ "المشكو منه" أو "المدافع عنه" أو "الخصم"، فهذه الكلمات الأخيرة، وإن عبرت عن معنى defendant في المجال القانوني، فإنها لا تقابله وظيفيًا فلا يصح استعمالها حتى وإن وردت في المعاجم الإنكليزية العربية لأن المعاجم الثنائية ليست حجة في هذا السياق. الحجة هو النظام القانوني ومصطلحاته كما يحدها سلفًا ذلك النظام القانوني. ويجب على المترجم دائمًا أن يبحث عن المكافئ الوظيفي لا المكافئ اللفظي مثل "المدافع عنه"، فهذا الأخير مكافئ لفظي لكنه ليس مصطلحًا قانونيًا فلا يستعمل بل يبحث عن المصطلح القانوني المستعمل مكافئًا وظيفيًا في هذا السياق وهو "المدعى عليه" ولا يلجأ إلى المكافئ اللفظي إلا في حال عدم وجود مكافئ وظيفي.

وعلى الرغم من أهمية التكافؤ الوظيفي في الترجمة القانونية فإنه ينبغي الإشارة إلى وجود تحفظ عند الإمعان في تطبيق هذه التقنية على المصطلحات القانونية الثقافية لأن ذلك قد يؤدي إلى اعتبار اللغة المنقول إليها القناة التي من خلالها يفهم المصطلح القانوني الثقافي المنقول، وبالتالي إلى نوع من الإمبريالية الثقافية (Harvey 2000:6). إن تفسير المصطلح الأجنبي المنتمي إلى نظام قانوني مختلف في المرجعية القانونية والمرجعية الثقافية من خلال النظام القانوني والمنظور الثقافي للغة المنقول إليها، من شأنه أن يؤدي إلى تسامي اللغة المنقول إليها على اللغة المنقول منها، وبالتالي إلى الإمبريالية الثقافية (cultural imperialism). (4)

2.2. التكافؤ اللفظي أو المعجمي

إن تقنية التكافؤ اللفظي أو المعجمي (formal/lexical equivalence) التقنية الثانية التي يلجأ إليها المترجم عند غياب التكافؤ الوظيفي لاختلاف النظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها. ويقصد بالتكافؤ اللفظي أو المعجمي ترجمة المصطلح في اللغة (أ) بما يقابله معجميًا في اللغة (ب)، أي ترجمته ترجمة حرفية طالما كان ذلك ممكنًا. والترجمة الحرفية في هذا السياق أضمن وسيلة للتعبير عن معنى المصطلح الأصلي، ولكنها ليست دائمًا بلا تعقيدات إضافية، ذلك أن انعدام هذه الإمكانية ـ نقصد إمكانية الترجمة الحرفية بلفظة معجمية مقابلة ـ يفرض علينا اللجوء إلى استراتيجيات وتقنيات أخرى لا نلجأ إليها إلا بعد البحث الطويل في اللغة المنقول إليها. أضف إلى ذلك مشكلة المفردات التي ترد في لغات تربطها ببعضها قرابة لغوية ثابتة لكنها ترد فيها بمعان متقاربة كثيرًا لكنها مختلفة، والتي يعبر عنها بـ "أشباه النظائر" (= faux-amis) مثل كلمة actual الانجليزية وكلمة actuel الفرنسية، ذلك أن كلمة actual الانجليزية تعني "واقعي"، "حقيقي"، "فعلي"، بينما تعني كلمةactuel الفرنسية "حاليّ"، "راهن"، "حاضر". وعليه فإن الترجمة الفرنسية لكلمة actual الانجليزية هي réel وليسactuel . وهذه المشكلة ومشكلة أشباه النظائر هذه ليست تشكل مشكلة تذكر في العربية (5) لكنها تواجه المترجم العربي الذي يترجم من الإنجليزية إلى الألمانية، أو من الإسبانية إلى الفرنسية على سبيل المثال لا الحصر.

وعلى الرغم من أن تقنية التكافؤ اللفظي أو المعجمي يُلجأ إليها عند استحالة التكافؤ الوظيفي لاختلاف الأنظمة القانونية بين اللغات المنقول منها وإليها، فإن اعتمادها باستمرار ـ أي سواء أكان ثمة تكافؤ وظيفي أو تقنيات ترجمة أخرى قد تكون أكيس للترجمة المعنية من التكافؤ اللفظي أو المعجمي ـ قد يعتبر نتيجة لسلطة النص الأصلي الطاغية على المترجم دون أخذ أي شيء خارج النص الأصلي بعين الاعتبار. وترى سارسيفيتش (Sarcevic 1997:45) أن طغيان سلطة النص الأصلي إنما هو أثر من آثار الترجمة الدينية عمومًا والكتاب المقدس خصوصًا. وعمومًا فإن تقنية التكافؤ اللفظي أو المعجمي يلجأ إليها عند استحالة التكافؤ الوظيفي، ومع ذلك فلا بد للمترجم من النظر في هدف الترجمة، وفي كل تقنيات الترجمة المتاحة قبل اعتماد إحداها، فقد يكون اعتماد تقنية ترجمة أخرى أكثر مناسبة لهدف الترجمة من تقنية التكافؤ اللفظي أو المعجمي .. وهذا يذكرنا مرة أخرى بأن أساس الترجمة القانونية هو المقارنة المستمرة بين أنظمة القوانين المتعلقة بلغات عمل المترجم. ونختم هذا الفصل بالنظر في ترجمة مصطلح "قضاء المجلس الأعلى" في النظام القانوني المغربي بـ Cour Suprême، فهو محكمة أعلى من محكمة الاستئناف ويتجلى دورها الرئيس في تمييز الأحكام. ويبدو أن مصطلح "قضاء المجلس الأعلى" ترجمة مستعارة للمصطلح القانوني الإنكليزيSupreme Court . والمكافئ اللفظي لـ "قضاء المجلس الأعلى" في الفرنسية ـ كما هو مذكور في موقع وزارة العدل المغربية ـ هو Cour Suprême. (6) وبالنظر إلى وظيفة قضاء المجلس الأعلى نسنتتج أن المكافئ الوظيفي لتسمية "قضاء المجلس الأعلى" في النظام القانوني الفرنسي والبليجيكي هو Cour de Cassation. إذن لدينا هنا ترجمتان ممكنتان لمصطلح "قضاء المجلس الأعلى": Cour Suprême (= المكافئ اللفظي/المعجمي) وCour de Cassation (= المكافئ الوظيفي).

3.2. الشرح في المتن

التقنية الثالثة التي نلجأ إليها عند انعدام إمكانية استعمال تقنيتي التكافؤ الوظيفي أو التكافؤ اللفظي، هي تقنية الشرح في متن الترجمة (Dickins 2002:24). وغالبًا ما يكون الشرح في المتن (7) ضروريًا كي يتم التواصل المطلوب، ذلك أن بعض المصطلحات والمفردات ذات الشحنة الثقافية الطاغية أو الارتباط الثقافي القوي بثقافة ما أو نظام قانوني ما متشبع بثقافة مغايرة، لا تفهم بذاتها، ولا بد من شرح مناسب أو توصيف لها كي تفهم وبالتالي كي يتم التواصل المنشود. إن تقنية الشرح في المتن تقنية مهمة جدًا وتعتبر حلاً وسطيًا لأنها تختزل المسافة البعيدة بين الثقافات المختلفة.

وفي الحقيقة كلما بعدت المسافة بين لغتين طبيعيتين ما وثقافتين ما، كلما تُوُقع أن تبعد المسافة بين اللغتين القانونيتين أيضًا، مما يجعل الحاجة إلى هذه التقنية أكبر لانعدام إمكانية استعمال تقنيتي التكافؤ الوظيفي أو التكافؤ اللفظي عند ترجمة بعض المصطلحات الرئيسة. وهذا ينطبق على ترجمة وثائق من نصوص قضاء الأسرة المغربي المؤسس على الشريعة الإسلامية إلى اللغات الأوربية بهدف استعمالها لدى إدارات الدول ذات الصلة. ونمثل على ذلك بكلمة "حلول" التي ترد أحيانا في عقود الزواج المغربية:

على صداق مبارك قدره ونهايته عشرون ألف درهم قبضت منه الزوجة باعترافها عشرة آلاف درهم والباقي وقدره عشرة آلاف درهم ما زال بذمة الزوج حلولاً. (8)

فكلمة "حلول" هنا لا يمكن ترجمتها بمكافئ وظيفي ولا لفظي، فالمكافئ الوظيفي غير موجود في اللغات القانونية الأوربية، والمكافئ اللفظي لا يؤدي المعنى المطلوب للكلمة. وعلينا أولاً فهمها في العربية وترجمة الجملة الأخيرة "والباقي وقدره عشرة آلاف درهم ما زال بذمة الزوج حلولاً" من العربية إليها كالتالي: "والباقي، وقدره عشرة آلاف درهم، ينبغي على الزوج أن يؤديه إلى الزوجة قبل البناء بها"، ثم ترجمته، على هذا الأساسا، إلى اللغة الهدف. (الإنكليزية:The rest, being ten thousands DHS. must be given by the husbands before the consummation of the marriage ).

ويمكن أيضًا إيضاح ذلك في حاشية لكن تقنية الشرح في المتن تبقى أفضل من الشرح في حواش لأن الحواشي تثقل على القارئ كثيرًا، بينما تبدو عملية الشرح في المتن طبيعية لأن القارئ لا يتوقف عندها ربما لأنه لا يشعر بها أصلاً.

ومن الأمثلة على استحالة التكافؤ اللفظي والمعجمي فضلا عن الوظيفي: مصطلح "رفع الشكل" في النظام القانوني المغربي. وهذا المصطلح عنوان وثيقة عدلية يحررها العُدُول المغاربة. والمقصود بـ "الشكل" (خاتم العدل المحرر أو خاتم قاضي التوثيق المخاطب على الوثيقة. ومن هذا "الشكل" ما نجده في آخر الوثائق العدلية المغربية: "قاضي التوثيق الفلاني بشكله ودعائه"، وكذا "العدل الفلاني بشكله ودعائه". إذن يتعلق الأمر هنا بخاتم العدل/قاضي التوثيق الشخصي، وهو خاتم يشبه الطغرى ويودع لدى كتابة المحكمة. ويبدو من الوثيقة التي تحمل عنوان "رفع الشكل" أنها نسخة حديثة من عقد زواج قديم، توفي العدل المحرر أو العدلان المحرران له، وأن صاحب العقد احتاج إلى نسخة منه، فتقدم بطلب إلى قاضي التوثيق الذي عين بدوره عدلين وطلب منهما "رفع الشكل" أي شكل العدلين المتوفيين كي يتم التحقق من الشكل ومن ثم تحرير نسخة من عقد الزواج. إذن: "رفع الشكل" هو قيام عدلين يمارسان العدالة بتحرير نسخة من عقد عدلي حرره عدلان غيرهما تقاعدا أو توفيا وذلك بأمر من قاضي التوثيق. ومما جاء في العقد المقصود: "حضر الزوج المذكور وطلب التعريف بشكل العدلين في رسم الزواج .."، وكذلك "بأن الشكلين الأول والثاني في الوثيقة المذكورة للعدلين المتوفيين .."، وأن العدلين اللذين عينهما القاضي لرفع الشكل يرفعانه "بصفتهما عارفين بشكل العدلين المتوفيين ..". ومن الملاحظ أن خطاب قاضي التوثيق على أداء العدلين المحررين للنسخة مختلف أيضا ويتضمن ذكر رفع الشكل بدلاً من التحرير إذ جاء فيه: "الحمد لله. أدى الرافعان الشكل بالرسم أعلاه فقبلا وأعلم بأدائها ومراقبتها بتاريخ ..". وقد ترجمناها بعد الاجتهاد والاستئناس بآراء بعض الزملاء (9) بما يلي: Identification of the seals of deceased notaries.

4.2. الحذف

يقصد بالحذف (omission) عدم ترجمة عناصر نصية لغوية في النص الأصلي لا تحتوي على معلومات إضافية لمتلقي الترجمة ولا يؤدي حذفها إلى أية خسارة في المعلومات مهما كانت تلك الخسارة صغيرة. ويذكر ديكينز (Dickins 2002:25) أن هذه التقنية يُلجأ إليها كثيرًا عند الترجمة من العربية إلى الإنجليزية، خصوصًا عند ترجمة عناصر ذات طابع ثقافي خاص ليس لها ما يقابلها في الثقافة الإنكليزية.

إن حذف عناصر نصية ولغوية من وثيقة قانونية أمر يثير الريبة والشك لدى متلقي الترجمة، خصوصًا لدى المحامين والسلطات القانونية أو الإدارية للغة المنقول إليها. لذلك يجب التأكيد هنا على أن الحذف لا يطال المعلومة القانونية بل عبارات ذات طابع ثقافي أو ديني ذات قيمة في العربية أو في الثقافة العربية الإسلامية لكنها لم تعد مناسبة في الأنظمة القانونية للغات المنقول إليها لأنها لا تحتوي على معلومات قانونية، فلا يؤدي عدم ترجمتها إلى إخلال بالنص المترجم (Asensio 2003:21).

ونمثل على ذلك بقول العدول المغاربة (10) في الصداق: "على صداق مبارك أحله الله قدره ..". فعبارة "مبارك أحله الله .." يمكن حذفها أو عدم ترجمتها دونما أي إخلال في الترجمة. ومثله أيضًا: "أصرح أنني ما زلت بكرًا على خاتم ربي". ويمكن حذف هذه الجملة بأكملها و ترجمة المعلومة الواردة فيها ـ أي كون الفتاة عزباء ـ بـ single/unmarried فقط. ومثله أيضًا: "متم رجب الفرد الحرام" أي "30 رجب". فالعدل المحرر للوثيقة أضاف هنا "الفرد الحرام" لأن رجب رابع شهر من الأشهر الحرم ولأن ثلاثة من الأشهر الحرم متتالية (ذو القعدة وذو الحجة ومحرم) بينما يأتي رجب في منتصف السنة الهجرية منفردًا. إن عدم ترجمة هذه المعلومات الواردة في الوثيقة القانونية ذات القيمة الثقافية بالنسبة إلى العرب والمسلمين إلى الإنجليزية أو الفرنسية أو الألمانية أو الهولندية أو الصينية أو اليابانية أو أية لغة أخرى ذات ثقافة غير الثقافة العربية الإسلامية، لا يؤدي إلى فقدان في المعلومة أو خلل في الترجمة، بينما قد تضفي ترجمتها صعوبة إضافية لدى متلقي الترجمة تعيقه من فهم النص الأصلي فهمًا جيدًا مما قد يؤثر على قيمته الوظيفية.

5.2. النقحرة

نلجأ إلى تقنية النقحرة عندما لا تفي تقنيات الترجمة الأخرى بالغرض ولا تحقق الغاية المرجوة في التواصل، أي عندما لا يكون للمصطلح المنقحَر في اللغة الهدف مكافئ وظيفي ولا مكافئ لفظي معجمي ولا يمكن شرحه في المتن ولا حذفه في أثناء الترجمة. ولا يلجأ المترجم إلى تقنية النقحرة إلا بعد استنفاده كل التقنيات والإمكانيات المتاحة أمامه، فضلاً عن الذخيرة اللغوية للغة الهدف، لأن النقحرة دليل عجز أكثر منها حل مناسب لإشكالية الترجمة. فهي مثل الكي لا تكون إلا آخر الدواء. أضف إلى ذلك أن النص المترجَم عندما يمتلئ بالكلمات المنقحرة يصبح غير مفهوم لأنه يصعب على المتلقي غير العارف باللغة الأصلية للنص المترجَم فهمه. ثم إن النقحرة، في حين الالتجاء إليها، ليست أمرًا بدهيًا، ذلك لأن الغرض منها تذوق المصطلح الأجنبي الذي ليس له مكافئ وظيفي ولا مكافئ لفظي معجمي ولا يمكن شرحه في المتن ولا حذفه في أثناء الترجمة، وفهمه واستيعاب مفاهيمه لتحقيق الغرض التواصلي. والتذوق ممكن فقط عندما تكون اللغات المنقول منها وإليها لغات تربطها علاقة ببعضها قرابة على المستوى الصوتي والمستوى الصرفي والمستوى النحوي والمستوى المعجمي. فإذا ترك مترجم إنكليزي مصطلح Code civil الفرنسي هكذا في نص إنكليزي، فإن ذلك لن يؤثر كثيرًا على التواصل لأن القارئ الإنكليزي، خصوصًا القانوني منه، سوف يتذوق المصطلح الفرنسي ويضعه في سياقه اللغوي والقانوني والثقافي. بينما لو نقحر مترجم إنكليزي مصطلح "ثيب" إلى الكتابة اللاتينية دونما شرح له، فإن أحدًا من قراء النص، غير العارفين بالشريعة الإسلامية وأحكامها، سوف يتذوق معنى "ثيب"، فضلاً عن فهمه.

ومثل ذلك في العربية كلمة "عَلماني" التي تشكلت في العربية ترجمة مستعارة للكلمة السريانية (ܥܠܡܝܐ = عَلْمايا). فالقارئ العربي يتذوق بدون صعوبة الكلمة السريانية "عَلْمايا" لأن اللغة السريانية شقيقة للعربية لأن كليهما من اللغات الجزيرية (السامية سابقًا). وإذا عرفنا أن ياء النسبة في العربية يقابلها في السريانية الياء ذاتها /ي/ وأن ألف المد في /يا/ هي أداة التعريف في السريانية، علمنا بسهولة أن الاسم المنسوب إليه في "عَلْمايا" هو: "عَلْم"، وهو "العالم" في العربية والسريانية والعبرية ومعظم اللغات الجزيرية. فنسب السريان إلى العالم (بالسريانية: ܥܠܡܐ = عَلْما) فكانت (ܥܠܡܝܐ = عَلْمايا) للدلالة على الشخص العامّي وسائر العوام الذين ليسوا كهنوتيين، وعرَّبوه ـ عند استعرابهم ـ إلى "عَالَماني" أولاً ـ على أساس أن المكافئ الوظيفي والمعجمي والدلالي العربي للفظة السريانية (ܥܠܡܐ = عَلْما) هو "العالَم" ـ ثم أدخلوا السرياني (ܥܠܡܐ = عَلْما) في العربية وعرَّبوه على "عَلْم" ثانياً، لينحتوا منه "عَلْماني" بدلاً من "عَالَماني" لخفة انذلاق هذه الأخيرة على لسان الجماعة. ومن السريان انتقل هذا المعنى إلى العرب عن طريق الكتاب العرب النصارى الذين يعرفون السريانية مثل بطرس البستاني وغيره، فوجدت لفظة "عَلْماني" طريقها إلى المعجم العربي أواخر القرن التاسع عشر.

فالنقحرة يجب أن تتذوق وتفهم وإلا فلا قيمة لها إلا بعد إيفائها حقها من الشرح. وهذا ضروري جدًا للمصطلحات ذات الطبيعة المؤسساتية مثل مصطلح "الزكاة" في الإسلام. فهذا لا يترجم لأنه مصطلح مؤسساتي مخصوص بالدين الإسلامي وليس له ـ بمفهومه الإسلامي ـ ما يقابله دينيًا أو ثقافيًا أو ماليًا في أية لغة أخرى، وبالتالي فليس له مكافئ وظيفي أو لفظي معجمي (11)، ولا يمكن شرحه في المتن دون اطراد ولا يمكن حذفه من المتن، فلا بد من نقحرته وشرحه في حاشية شرحًا غاية في الإيجاز. ولا تجوز ترجمة الزكاة بـ alms/aumône كما يفعل بعض المترجمين، لأن هاتين الأخيرتين تؤديان معنى "الصدقة" في الإنكليزية وباطراد في الفرنسية. والزكاة فريضة معلومة بنسبة معلومة تؤدى في أوقات معلومة، وليست صدقة تعطى متى شاء المتصدق وكيفما شاء.

6.2. وضع مصطلح جديد

إذا ما استحضرنا من جديد أن الترجمة القانونية إنما هي ترجمة بين لغتين قانونيتين تعبران عن نظامين قانونيين مختلفين، فإن تقنية وضع مصطلح (neologism) جديد هي التقنية الأخيرة التي نلجأ إليها بعد استنفاذ جميع التقنيات المشروحة أعلاه. فعندما تخفق التقنيات المذكورة أعلاه في حل إشكالية ترجمة المصطلح المراد ترجمته، فيمكن للمترجم أن يستعمل أية لفظة مناسبة في اللغة لأداء معنى المصطلح المراد ترجمته شريطة ألا يكون للفظة المختارة أية وظيفة اصطلاحية أو دلالية في النظام القانوني الذي يترجم المترجم إلى لغته القانونية. فإذا ما كان للفظة المختارة أية وظيفية، ولو جزئية للغاية، بالنظام القانوني الذي يترجم المترجم إلى لغته القانونية، فإن استعمالها لا يؤدي إلا إلى إثارة اللخبطة والبلبلة التواصلية. في هذا السياق يمكن اعتبار أية ألفاظ في اللغة العامة لا تمت بصلة إلى النظام القانوني للغة القانونية المنقول إليها، كلمات مناسبة لإكسائها معاني المصطلحات المراد نقلها (De Groot 1998:23).

وتبقى مسألة المعايير التي توضع المصطلحات الجديدة وفقًا لها أهم مشكلة تواجهنا عند اعتماد هذه التقنية، لأن وضع المصطلح بطريقة غير منظمة غير منتج وغير عملي وله آثار وخيمة على عملية الترجمة. وتنظيم علمية وضع المصطلح في الترجمة القانونية وغيرها بحاجة إلى مؤسسات معيارية. أما في ظل عدم وجود المؤسسات المعيارية، فينبغي على المترجم عند أخذه تقنية وضع المصطلح الجديد بعين الاعتبار: 1. أن يتأكد من عدم إمكانية توظيف إحدى التقنيات المذكورة أعلاه في حل إشكالية ترجمة المصطلح المراد ترجمته؛ و2. أن يتأكد من أن المصطلح الذي ينوي استعماله مصطلحًا جديدًا ليس مصطلحًا قانونيًا في النظام القانوني للغة المنقول إليها؛ و3. أن يتأكد من أن المصطلح الذي ينوي استعماله مصطلحًا جديدًا لم يكن في الماضي مصطلحًا قانونيًا في النظام القانوني للغة المنقول إليها أو ليست له أية دلالة قانونية في ذلك النظام القانوني؛ و4. وأن يأخذ، عند وضعه المصطلح الجديد، عالم القانون والمحامين والقضاة والإدارة وطرائق تفكيرهم واجتهادهم والغاية المتوخاة من الترجمة بعين الاعتبار حتى يأتي مصطلحه موفقًا وافيًا بالغرض؛ و5. أن يستغل ـ إذا لزم الأمر ـ المخزون المصطلحي للأنظمة القانونية الأخرى الموجودة في اللغة الهدف، فالعربية فيها غير نظام قانوني واحد. وقد يواجه المترجم المغربي الذي يترجم عن النظام القانوني الفرنسي (Code civil) أو النظام القانوني الإنكليزيى (Common Law) مصطلح يسبب له مشكلة ترجمية لا يستطيع حلها من خلال المخزون المصطلحي القانوني المغربي. في هذه الحالة لا شيء يمنع بله يحبذ ويندب التجاؤه إلى المخزون المصطلحي للأنظمة القانونية الأخرى في العربية وللمذاهب الفقهية المختلفة عله يجد فيها بغيته، وذلك قياسًا بعمل الفقهاء الذين يجدون في المذاهب الفقهية الأخرى حلولاً مناسبة لمشاكل تواجههم قد تكون أوفى لأغراضهم مما يجدون في مذهبهم.

7.2. أقلمة الترجمة

نضيف إلى هذه التقنيات التقليدية تقنية أقلمة الترجمة التي نواجهها كثيرًا عند الترجمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. ونقصد بـ "أقلمة الترجمة" ههنا: توطين (12) الترجمة ليس وفقًا للنظام القانوني لدولة عربية ما فحسب، بل أيضًا وفقًا للمعايير اللغوية والاصطلاحية السائدة في تلك الدولة. وينطبق ذلك أيضا عند الترجمة إلى لغة لها انتشار واسع كالعربية والإنكليزية والفرنسية، ويكون فيها أكثر من نظام قانوني واحد واصطلاح لغوي واحد خصوصًا فيما يتعلق بالمصطلحات المحلية (regionalisms) التي تكتسب في دولة ما معاني لا تكتسبها تلك المصطلحات في دولة أخرى مما يؤدي إلى نشوء فروقات مصطلحية. (13) ويجب على المترجم أن يراعي ذلك قدر الإمكان. نقول قدر الإمكان لأن معرفة الأنظمة القانونية المختلفة والفروقات المصطلحية الناتجة عنها في ظل غياب معجم يجردها من جهة، والاصطلاحات اللغوية المحلية المختلفة من جهة أخرى، يحتاج إلى سنوات كثيرة من الترجمة والتدريب والخبرة. ونمثل على ذلك بمصطلح Code في الفرنسية أو lawbook في الإنكليزية. ففي النظام القانوني المغربي يقابل هذا المصطلحين الإنكليزي والفرنسي "مدونة" (وفي الآونة الأخيرة: "قانون" أيضًا)، وفي النظام القانوني التونسي "مجلة"، وفي النظام القانوني المصري "قانون"، وفي سورية ولبنان "أصول" و"قانون" أيضًا. وعلى الرغم من أن المغاربة لن يجدوا أية مشكلة في فهم "قانون العمل" بدلاً من تسمية "مدونة الشغل" التي يستعملونها هم، فإن استعمال المترجم الذي يترجم نصًا قانونيًا لاستعماله في المغرب التسمية المغربية ("مدونة الشغل") أدق من الناحية العلمية وأكيس من الناحية الجمالية. وبينما لا يجد المترجم العربي أية صعوبة في فهم معنى "مدونة" لأن هذه كلمة تراثية مشهورة في الفقه لأنها عنوان كتاب فقهي شهير هو "المدونة الكبرى" لسحنون القيرواني (776-854)، فإن "مجلة" و"أصول" قد تستعجمان على حذاق التراجمة لأن معناهما البدهي لا يذكر بالكتب القانونية على الإطلاق.

ومثل ذلك طريقة إثبات الأسماء العربية في الإدارات العربية المختلفة. فالنظام الإداري المغربي يثبت الاسم الشخصي والاسم العائلي فقط. أما اسم الأب فيذكر على حدة. أما النظام الإداري العراقي فيثبت ما يعرف فيه بالاسم الثلاثي: الاسم الشخصي فاسم الأب فالاسم العائلي. أما في مصر فتعتمد الإدارة فيها ما يسمى فيها بالاسم الرباعي: الاسم الشخصي فاسم الأب فاسم الجد فالاسم العائلي. وهذا يسبب لخبطة كثيرة عند ترجمة الوثائق المصرية إلى اللغات الأوربية لأن أنظمتها القانونية تذكر الاسم الشخصي والاسم العائلي فقط. أما اسم الأب فيذكر على حدة، تمامًا كما هي الحال عليه في النظام الإداري المغربي.

ومما يدخل في باب الأقلمة أيضًا استعمال الأرقام، ففي معظم الدول العربية تستعمل الأرقام الهندية، بينما يستعمل المغرب والجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا الأرقام العربية. لا يؤثر عدم أخذ هذا الاصطلاح في رسم الأرقام في البلاد العربية بعين الاعتبار على قيمة الترجمة، لكن الالتزام به يزيدها رونقًا وجمالاً.

3. إشكاليات الترجمة القانونية

1.3. إشكالية التكافؤ الوظيفي

يبدو جليًا مما تقدم أن تقنية التكافؤ الوظيفي في الترجمة القانونية تعني أنه ينبغي على المترجم القانوني أن يترجم المصطلح القانوني في اللغة (أ) والنظام القانوني (أ) بما يقابله وظيفيًا في اللغة (ب) والنظام القانوني (ب). وهذا، بدوره، يعني أن الترجمة القانونية التي تستعمل تقنية التكافؤ الوظيفي في جميع مراحلها ممكنة فقط عندما نترجم بين لغتين تستعملان نظامًا قانونيًا واحدًا كما تقدم أعلاه. أما في حالة الترجمة بين لغتين ونظامين قانونيين مختلفين، فستواجه المترجم مشاكل ترجمية يمكن التغلب على أكثرها بتوظيف واحدة أو أكثر من تقنيات الترجمة المشروحة أعلاه، ـ حسب المشكلة الترجمية المطروحة. لكن تقنيات الترجمة تلك لا تحل كل المشاكل الترجمية التي قد تواجه المترجم الذي يترجم بين نظامين قانونيين من ثقافتين مختلفتين كما هي الحال عليه فيما يتعلق بوثائق قانون الأسرة المغربي وبما يقابله من قوانين للأحوال الشخصية في البلاد العربية، المؤسسة على الشريعة الإسلامية بالنسبة إلى المسلمين، وعلى الشرائع الدينية الأخرى بالنسبة إلى غير المسلمين. فقانون الأسرة المغربي مستمد من المذهب المالكي من الشريعة الإسلامية. ومثله أيضًا قوانين الأحوال الشخصية في معظم الدول العربية حسب مذاهبها الفقهية. إذن نحن الآن ـ فيما يتعلق بقانون الأسرة المغربي وقوانين الأحوال الشخصية العربية ـ إزاء الحالة التالية: قوانين مستمدة الشريعة الإسلامية (أو من النصرانية واليهودية بالنسبة إلى النصارى واليهود)، وقضاء مستمد من القضاء الفرنسي أو الإنكليزي.

وفيما يتعلق بالمغرب: قانون الأسرة فيه مستمد من الفقه المالكي، لكن القضاء مستمد من القضاء الفرنسي. إن "النفقة"، على سبيل المثال، مصطلح فقهي من الشريعة الإسلامية، ومنصوص عليها في مدونة قانون الأسرة، إلا أن مجرد الخلاف بشأنها والمطالبة بها يحيلها آليًا إلى القانون المدني فإجراء القضاء. وهذا يجعلنا نقف أمام حالتين مختلفتين: حالة المصطلح الأصلي، وحالة تفسيره وتعاطيه إجرائيًا وقضائيًا. وهذا يعني، تلقائيًا، تداخلاً بين المصطلحات الفقهية الأصلية التي يشترك المغاربة فيها مع سائر المسلمين لأن مصدرها الشريعة الإسلامية، وبين الإجراء القانوني المتبع في التطبيق المأخوذ عن النظام القضائي الفرنسي، الذي لا تشترك الإدارة المغربية فيه مع كل البلاد العربية لاختلاف المصادر القانونية فيها، والذي ولدت مصطلحاته بدون آلية عامة متفق عليها بين المجامع العربية، مما ساهم أيضًا في زيادة نسبة الفروقات المصطلحية بين إدارات الدول العربية الموجودة أصلاً ..

وينتج عما تقدم أن تقنية التكافؤ الوظيفي عند ترجمة وثائق ذات طابع إجرائي (أو "مسطري" كما يقول المغاربة) إلى اللغة الفرنسية أو ـ بدرجة أقل ـ الإنكليزية، ستكون أقل إشكالية منها عند ترجمة نصوص مستمدة من الشريعة الإسلامية إلى القانون المدني الفرنسي أو الإنكليزي وذلك لاختلاف الأنظمة القانونية. وهذا ينطبق أيضا على كثير من النصوص القانونية المستوحاة من القانون الفرنسي أو غيره من قوانين الغرب. لذلك لن يجد المترجم أدنى صعوبة في ترجمة مصطلحات مثل "وكيل الملك" أو "النيابة العامة" أو "غرفة المشورة" أو "حجز القضية للمداولة" الخ، لأن هذه المصطلحات من النظام القضائي الفرنسي، فلها فيه ما يكافئها وظيفيًا. وبالمقابل فإن المترجم الذي يترجم نصوصًا شرعية من العربية إلى لغة الأوردو في الباكستان، لن يجد صعوبة تذكر في إيجاد المكافئات الوظيفية لمصطلحات فقهية مثل "طلاق الخلع" و"طلاق قبل البناء" و"الولي" و"الصداق" وما أشبه ذلك، لأن قانون الأسرة في الباكستان مستمد أيضًا من الشريعة الإسلامية. إذن هي المسافة بين النظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها هي التي تحدد نسبة التكافؤ الوظيفي في عملية الترجمة. فكلما قربت المسافة بين النظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، كلما زادت نسبة استعمال تقنية التكافؤ الوظيفي في الترجمة. وكلما بعدت المسافة بين النظامين القانونيين للغة المنقول منها واللغة المنقول إليها، كلما تضاءلت نسبة استعمال تقنية التكافؤ الوظيفي في الترجمة.

2.3. إشكالية التكافؤ الوظيفي الكلي والجزئي

عند ترجمة نصوص الأحوال الشخصية المستمدة من قانون الأسرة والشريعة الإسلامية إلى لغات ذات أنظمة قانونية مختلفة، فإن نسبة التكافؤ المصطلحي قد تكون: (أ) كلية (مثلاً: زواج) أو (ب) جزئية (مثلاً: طلاق خلعي) أو (ج) منعدمة كليًا (مثلا: ثيب). والمشكلة الترجمية لا تنشأ في حالة وجود المكافئ الوظيفي الكلي، ولا في عدم وجوده، بل في كونه جزئيًا مثل "الخلع". فالخلع "طلاق" و"طلاق بالتراضي"، وهنا يتوجب على المترجم في هذه الحالة أن يختار، عند ترجمة الخلع إلى الفرنسية للاستعمال في النظام القانوني الفرنسي، أيًا من المفهومين يأخذ بعين الاعتبار عند الترجمة: أيغلب معنى "الطلاق" أو "الطلاق بالتراضي"؟ وبما أن المفهوم الغالب للخلع هو الطلاق بالتراضي ـ ولذلك سماه قانون الأسرة الجديد: "الطلاق بالاتفاق" (14) ـ فإنه في هذه الحالة تفضل ترجمة الخلع إلى الفرنسية بـ divorce par consentement mutuel وإلى الإنكليزية بـ divorce with mutual consent. ولا يؤثر في ذلك كون العصمة بيد الرجل، لأن تحقيق الخلع غالبًا ما يكون بالتراضي أو بواسطة القاضي الذي يتولى هو التطليق. وعليه فإن ترجمة طلاق الخلع بـ répudiation خطأ ترجمي لما تقدم ولما سنبينه أدناه. (15)

ويمكن اعتبار التكافؤ الثقافي ـ في حال وروده ـ ضربًا رابعًا يمكن توظيفه في الترجمة بين لغتين ونظامين قانونيين مختلفين. ونقصد بالتكافؤ الثقافي ـ والتسمية لنا ـ المكافئ المصطلحي الذي نجده في ثقافة اللغة المنقول إليها، وليس في نظامها القانوني. أي أن المكافئ الثقافي لا وظيفة له في النظام القانوني للغة المنقول إليها، ولكن له مرجعية دلالية في الموروث الثقافي أو الديني للغة الهدف. ونمثل على ذلك بمصطلح "طلاق قبل البناء" في الشريعة الإسلامية وفي قانون الأسرة المغربي، فهذا الضرب من الطلاق غير موجود في الأنظمة القانونية الغربية، لكنه موجود في الشريعة الكنسية الكاثوليكية، وهو الطلاق الوحيد الذي تبيحه الشريعة الكاثوليكية. ورجل القانون الغربي لا يجهل وجوده في الشريعة الكاثوليكية، وسيفهم القصد من هذا الطلاق على الفور بسبب المرجعية الثقافية. لذلك نترجم "طلاق قبل البناء" بـDivorce before the consummation of the marriage وإلى الفرنسية بـ Divorce est prononcé avant la consommation du mariage. فهذه الترجمة هي المكافئ الوظيفي لمصطلح "طلاق قبل البناء" في الشريعة الكاثوليكية وليس في الأنظمة القانونية للدول التي (كانت) تدين بالكاثوليكية والتي ليس في قوانينها الوضعية هذا الضرب من الطلاق. فالتكافؤ الثقافي هنا مفيد لفهم المصطلح الأجنبي، ولفهم التطور الثقافي في ثقافة اللغة المنقول إليها، وهو في هذه الحالة إلغاء الأنظمة القانونية الوضعية في الغرب هذا النوع من الطلاق الكنسي أي الديني بعد فصل الدين عن الدولة فيه.

3.3. إشكالية التطور الدلالي للمصطلحات القانونية

مما يزيد الترجمة القانونية صعوبة أن المصطلحات القانونية تتطور بتطور الأنظمة القانونية. وغالبًا ما يكتسب مصطلح قانوني ما معاني أخرى بعد تعديل القانون الذي ينتمي ذلك المصطلح إليه. فقانون الأسرة المغربي الجديد أقلم مصطلحاته القديمة نسبيًا مع روح العصر واستبدل مصطلح "النكاح" القديم بمصطلح "الزواج". ولكن أقلمة واستبدالاً كهذين لا يشكلان مشكلة ترجمية لأن المفهوم الكامن خلف مصطلحي "النكاح" و"الزواج" لم يتغير. إنما يشكل مشكلة للمترجمين التطورُ الدلالي في المفاهيم والمصطلحات المستعملة، وبالتالي في النصوص القانونية التي ترد فيها هذه المفاهيم والمصطلحات التي يطرأ عليها تطور نتيجة لتطور الأنظمة القانونية ذات الصلة، أو عند إدخال ألفاظ جديدة للدلالة على مفاهيم قديمة. نوضح ذلك بمقارنة بعض المصطلحات التي ترد في عقد الزواج المغربي الذي كان يحرر قبل التعديل الذي أجري على قانون الأسرة في المغرب سنة 2003، بعقد الزواج المغربي الذي أصبح يحرر بعد التعديل الذي أجري على قانون الأسرة في المغرب سنة 2003: (16)

قبل 2003 / بعد 2003

نكاح / زواج
بكر / قاصرة
ولي / نائب شرعي
أنكحه إياها والدها المذكور / تزوجها على كتاب الله تعالى وسنة رسوله الكريم
وقبله الزوج المذكور قبولا تاما / بعد صدور الإيجاب والقبول منهما

لا شيء / وأشعر المتعاقدان من طرف شهيديه بأنه يجوز لهما في إطار تدبير الأموال التي ستكتسب أثناء قيام الزوجية الاتفاق على استثمارها وتوزيعها في وثيقة مستقلة عن عقد الزواج.

وكذلك بمقارنة بعض المصطلحات التي ترد في عقد طلاق الخلع المغربي الذي كان يحرر قبل التعديل الذي أجري على قانون الأسرة في المغرب سنة 2003، بعقد طلاق الخلع المغربي الذي أصبح يحرر بعد التعديل الذي أجري على قانون الأسرة في المغرب سنة 2003: (17)

قبل 2003 / بعد 2003
طلاق خلعي / طلاق بالاتفاق
بناء على إذن السيد القاضي المكلف بالتوثيق / بناء على مقرر قضائي
وأجريت محاولة الصلح بينهما بواسطة القاضي المكلف بالتوثيق بالناظور ففشلت محاولة الصلح / انعقاد مجلس العائلة وفشل محاولة الصلح
وأشهدت الزوجة المذكورة أنها اختلعت .. / وأشهدتنا الزوجة بأنها حازت ..
طلقة واحدة خلعية بائنة أولى / طلقة واحدة أولى بالاتفاق
على سنة طلاق الخلع / على سنة طلاق المتفق عليه وحكمه وسبيله

نرى في الجدول الأول كيف أصبحت تحول مفهوم "بكر" إلى "قاصرة"، و"ولي" إلى "نائب شرعي". وكيف حل "القبول والإيجاب" من الزوجين معًا محلَّ قبول الزوج فقط كما كان الأمر عليه قبل التعديل الذي أجري على قانون الأسرة في المغرب سنة 2003. كما نرى الإضافة المهمة المتعلقة بتدبير الأموال التي ستكتسب في أثناء قيام الزوجية. بعد التعديل الذي أجري على قانون الأسرة في المغرب سنة 2003. ونرى كيف تحول مفهوم "الخلع" ومشتقاته إلى "الاتفاق" ومشتقاته في الجدول الثاني. ومن الملفت للنظر التحول الكبير في معنى "اختلع" في الجملة: "وأشهدت الزوجة المذكورة أنها اختلعت" لتصبح: "وأشهدتنا الزوجة بأنها حازت". و"الخلع" هو الفداء بالهدية أي أن الزوجة تفتدي نفسها بإهداء الزوج حقوقها عليه مقابل تطليقه إياها، بينما "الحيازة" شيء آخر. وسواء أجاء هذا التطور الدلالي لمصطلحات قانون الأسرة المغربي ومفاهيمه نتيجة لتطور في الذهنية القانونية المغربية أو نتيجة لأقلمة الشريعة ومفاهيمها المتعلقة بالزواج والطلاق مع القانون العالمي الخاص ـ وهذا سؤال لا ينبغي أن يشغلنا الآن ـ فإن المشاكل الترجمية الناتجة عن تطور دلالي كهذا هي هي. وهذا كله يفرض على المترجم القانوني أن يثقف نفسه قانونيًا على الدوام، ليس فقط في النظام القانوني/الأنظمة القانونية للغته الأم فحسب، بل وكذلك في النظام القانوني/الأنظمة القانونية للغة الهدف كذلك، ومتابعة تطور تلك الأنظمة القانونية ولغاتها القانونية ومصطلحاتها ومفاهيمها باستمرار.

4. التكافؤ البراغماتي

لا توجد لغة قانونية موحدة في العالم لأن ثمة لغات قانونية في العالم بعدد الأنظمة القانونية الموجودة فيه (De Groot 1998:26). وفي المواطن التي لا نجد فيها المكافئ الوظيفي أو المكافئ اللفظي/المعجمي أو المكافئ الثقافي للمصطلح المراد ترجمته، وحيث لا نستطيع أن نلجأ إلى تقنية الشرح في المتن ولا إلى تقنية الحذف ولا إلى تقنية النقحرة ولا إلى وضع المصطلح الجديد لحل إشكالية ترجمة ذلك المصطلح، فإنه لا يبقى للمترجم في هذه الحالة إلا أن يقارب ترجمة المصطلح الشائك مقاربة وظائفية براغماتية واضعًا نصب عينيه هدف الترجمة (= skopos). إن التكافؤ البراغماتي (pragmatic equivalence) ـ والتسمية لنا ـ استراتيجية ترجمة نلجأ إليها للتوفيق بين عناصر مختلفة قد لا يؤدي عدم التوفيق بينها إلى تحقيق ترجمة وظائفية. ونقصد بـ "الوظائفية" ترجمة قانونية لوثيقة قانونية بهدف الاستعمال وظيفيًا في النظام القانوني للدولة المترجم إلى لغتها، أو لدى إداراتها المختلفة. وكي نعي ذلك يمكن لنا أن نتأمل حالة شخص مغربي يترجم عقد طلاق إلى اللغة الألمانية بهدف استعماله لدى الإدارة الألمانية من أجل تسجيله لديها، لكن الإدارة الألمانية ترفض قبول الترجمة وبالتالي الاعتراف بعقد الطلاق على أنه عقد طلاق رغم وجود واقعة الطلاق في النظامين القانونيين المغربي والألماني، ذلك لأن المترجم لم يترجم بين اللغة القانونية المغربية والنظام القانوني المغربي من جهة، واللغة القانونية الألمانية والنظام القانوني الألماني من جهة أخرى، فلم تؤد ترجمته الوظيفة المتوخاة منها ألا وهي استعمالها وظيفيًا لدى الإدارة. إن هدف الترجمة (= skopos) في هذا السياق مهم جدًا، وهو الذي يحدد للمترجم سلفًا الاستراتيجية التي ينبغي عليه أن يتبعها في ترجمته. وإذا كان الهدف من ترجمة وثيقة قانونية أو حكم قضائي أو ما كان بحكمهما هو الاستعمال الوظيفي لدى الإدارة القضائية أو البلدية للدولة المترجم إلى لغتها، فإن عدم أخذ هذا الهدف بعين الاعتبار عند الشروع بالترجمة خطأ كبير فضلاً عن الاستهتار بأغراض الزبون الذي يلجأ إلى المترجم لترجمة وثيقته أو وثائقه ترجمة تقضي له أغراضه الإدارية لا أن تعرقلها.

إن عدم وجود لغة قانونية واحدة في العالم لاختلاف الأنظمة القانوينة فيه من جهة، وكون اللغة القانونية "استعمالاً لغويًا يوظفه المشاركون في تواصلهم ضمن حالات بيانية قانونية" كما يقول القانوني الهولندي فلورين (De Groot 1993:10)، يجعل من اللغة القانونية اسمًا جامعًا لطبقات لغوية قانونية متعددة تستخدم للتعبير عن حالات بيانية وخطابية قانونية مختلفة. وهذا يعني لأنه لدينا طبقات لغوية قانونية بعدد الحالات البيانية والخطابية القانونية التي قد تكون. ثم إن هذه الحالات البيانية والخطابية القانونية المتعددة ليست تقتصر على الاستعمال الشفهي للغة القانونية فحسب، بل تتعداها لتشمل الاستعمال التحريري لها، ذلك أن المحامين والقضاة يعتمدون في حالاتهم البيانية والخطابية القانونية المتعددة على وثائق ونصوص قانونية وعقود وترجمات تشمل كل هذه النصوص والوثائق وتشكل جزءًا لا يتجزأ من الخطاب القانوني العام. من ثمة أيضًا خطورة الترجمة التي لا تأخذ الهدف المتوخى منها ـ وهو الاستعمال الوظيفي لدى الإدارة القضائية أو البلدية للدولة المترجم إلى لغتها ـ بعين الاعتبار، لأن جميع الأطراف المعنية بالنص المترجم (الزبون والمحامي والقاضي وضابط الحالة المدنية والإدارة البلدية والإدارة القنصيلة) تعتمد على النص المترجم عند اتخاذ قراراتها المتعلقة بفحواه. وهذا يؤكد مجددًا على أهمية الدور الذي يمارسه المترجم القانوني، وعلى المسؤولية الأخلاقية الكبيرة الواقعة على عاتقه، لأن للخطأ الذي يرتكبه المترجم القانوني نتائج وخيمة على الزبون. لذلك يجب على المترجمين القانونيين ـ إلى جانب معرفتهم الجيدة باللغتين القانونيتين والنظامين القانونيين ـ أن يستحضروا وقت الترجمة عالم القضاة والمحامين وذهنياتهم وطرائق تفكيرهم، وأن يضعوا أنفسهم مكانهم ويتأملوا في ترجمة الحكم الذي سيتعتمد عليه القضاة في حكمهم، أو الوثائق التي ستعتمد عليها الإدارات المختلفة في إتمام الإجراءات الإدارية المتعلقة بالزواج والطلاق والنسب وما إليها من الأحوال الشخصية وإجراءات لم شمل الأسرة الخ. من ثمة تأكيد النظرية الغائية في الترجمة (أو نظرية الهدف) أنه ينبغي على الزبون (= initiator) إشعار المترجم سلفًا بالهدف (= skopos) المتوخى من الترجمة برسالة (=brief ) ترفق مع الطلب كي يتمكن المترجم من اختيار الاستراتيجية المناسبة في الترجمة. وإذا لم يقم الزبون بشرح الهدف فيجب على المترجم أن يحدد هو هدف الترجمة ويترجم النص المعني بناء على الهدف الذي حدده هو (Nord 1997:30). إن هذين العاملين المهمين: استحضار عالم القضاة والمحامين والإدارة من جهة، والهدف (= skopos) المتوخى من الترجمة من جهة أخرى، قد يفرضان على المترجم، أحيانًا، أن يكون براغماتيًا في مقاربته لترجمة هذا المصطلح الشائك أو ذاك، حتى وإن خالفت تلك المقاربة الصواب في الترجمة .. وسنشرح ذلك بناء على المثال التالي:

يجمع المترجون والمعاجم على ترجمة "صداق/مهر" (18) إلى الإنجليزية بـ dowry وإلى الفرنسية بـ dot. وبالنظر إلى حقيقة المصطلحين الإنكليزي والفرنسي نرى الـ dowry أو الـ dot مال ـ أو ما كان بحكمه ـ يقدمه أبو المرأة أو ذووها إليها عشية عرسها، فيقابل ـ وظيفياً ـ "الشِّوار" عند المسلمين و"الضوتة/الدوتة/الدوطة" عند النصارى العرب. أما "الصداق/المهر" ـ وهو مال أو ما كان بحكمه يقدمه العريس للزوجة ـ فهو شرط من شروط عقد الزواج في الإسلام، وليس له، بصفته هذه، ما يقابله وظيفياً في الشريعة النصرانية أو في القوانين الغربية الوضعية. إذن لا يمكن اعتبار الـ dowry مكافئًا وظيفيًا للصداق أو المهر، لا من قريب ولا من بعيد. ومع ذلك فإن جهابذة المترجمين يجمعون على ترجمة الصداق بـ dowry والـ dowry بالصداق، مما يعني أن الأمر عادة أو اصطلاح أو تواطؤ. فنحن إزاء مصطلحين مختلفين يدلان على مفهومين مختلفين في نظامين شرعيين مختلفين مما يجعل ترجمة dowry بالصداق أو بالمهر خطأ ترجمياً واضحًا، ولكنه خطأ ترجمي شائع فيما يبدو من إجماع أهل الصنعة على الإتيان به. ونحن نجوِّزه لأنه ضرب مستساغ من التكافؤ البراغماتي في الترجمة. فنحن نعلم يقينًا أن ترجمة dowry بالصداق أو المهر خطأ ولكنه خطأ شائع كما ثبت بالحجة. والمترجمون يرتكبون هذا الخطأ ذلك لأن الغاية من ترجمة وثائق يرد فيها الصداق والمهر هو استعمالها لدى الإدارات المختلفة وهذا الاستعمال غير ممكن إلا باكتساب الترجمة الصبغة القانونية المطلوبة .. وقد يحتاج إكساب الترجمة صيغة قانونية تجعلها صالحة للاستعمال لدى إدارة ما، إلى ارتكاب خطأ شائع ما .. ونستأنس في هذا السياق بقول منظر الترجمة القانونية الإسباني أزنسيو (Asensio 2003:62):

“A concept common among official translators of Arabic and not so familiar to other translators is that of ‘fossilized translations’ (patrón de traducción) .. I find this concept quite useful to understand and explain some aspects of translating between culturally distant languages or languages that have been exposed to the activity of translation for a very long time, as in the case for Arabic and Spanish” (Asensio 2003:62).

"ثمة اصطلاح مشترك بين مترجمي العربية القانونيين ولكنه غير مألوف لدى مترجمي اللغات الأخرى ألا وهو اصطلاح "الترجمات المتحجرة". ونرى هذه الاصطلاح مفيدًا لفهم بعض العوامل المتعلقة بالترجمة بين لغات مختلفة ثقافيًا، أو بين لغات تمارس الترجمة فيها منذ زمن بعيد كما هي الحال عليه بالنسبة إلى العربية والإسبانية، وشرحها".

ونلخص بالقول إن الشرط الرئيس للتوظيف استراتيجية التكافؤ البراغماتي في الترجمة هو: وجود تكافؤ السياق. وإن الغاية منه هي إكساب الترجمة الصبغة القانوية. وسوف نشرح ذلك أدناه.

1.4. تكافؤ السياق

يفهم من "تكافؤ السياق" (Context-bound equivalence) التكافؤ الذي يستنبط من سياق اللغة المنقول منها، حيث يمارس مصطلح ما وظيفة ما، تكافئ الوظيفة التي يمارسها مصطلح آخر في سياق اللغة المنقول إليها، شريطة ألا يكون المصطلح في اللغة المنقول إليها مكافئًا وظيفيًا أو لفظيًا معجميًا للمصطلح المراد ترجمته. ونمثل على ذلك بمصطلح "العدل" (مثنى: عدلان، جمع: عُدُول) في النظام القانوني المغربي، وهو الشخص المخول قانونيًا بتحرير عقود قانون الأسرة المغربي من زواج وطلاق ومثيراث الخ. فالعدل الذي يحرر عقود الزواج في النظام القانوني المغربي لا يكافئ وظيفيًا الموثق/الكاتب بالعدل في النظام القانوني الفرنسي (= notaire) أو الإنكليزي (= notary) أو البلجيكي (= notaris) على سبيل المثال، لأن الشخص الذي يحرر عقود الزواج في الأنظمة القانونية المذكورة هو ضابط الحالة المدنية (موظف الأحوال الشخصية/النفوس في المشرق العربي)، وليس الكاتب بالعدل. إلى جانب العُدُول ثمة في المغرب أيضا موثقون يعملون وفق النظام القانوني الفرنسي، وكان عملهم قبل استقلال المغرب يقتصر على معاملات غير المسلمين، إلا أن عملهم اتسع ليشمل أيضًا بعض وظائف العُدُول التقليديين مثل توثيق بيع العقارات بين المغاربة أنفسهم وغير ذلك.

إذن يتضح من ذلك أن وظيفة تحرير عقد الزواج التي يمارسها العُدُول المغاربة في النظام القانوني المغربي، يمارسها في كثير من الأنظمة القانونية الغربية ضباط الحالة المدنية. من جهة أخرى: تختص المحاكم، وليس ضباط الحالة المدنية، بالطلاق في معظم القوانين الغربية. أما الإرث وحصره فهما في أكثر دول الغرب من صلاحية الموثقين وليس من صلاحية ضباط الحالة المدنية أو المحاكم. إذن يقوم بوظائف العُدُول المغاربة في أكثر الأنظمة الغربية: 1. ضباط الحالية المدنية (فيما يتعلق بالزواج) و2. الموثقون (فيما يتعلق بالإرث). أما اتفاقيات الزواج والشروط التي يشترطها الزوجان مسبقًا خصوصًا فيما يتعلق بتدبير الأموال التي تكتسب في أثناء الحياة الزوجية، فهي أيضًا من اختصاص الموثقين الغربيين .. وهذا كله يجعلنا أمام وظائف قانونية مختلفة تقوم بها هيئات مختلفة: العُدُول في المغرب، وضباط الحالة المدنية والموثقون في أكثر دول الغرب. والعدل المغربي لا يكافئ وظيفيًا ولا لفظيًا ضابط الحالة المدنية ولا الموثقين في الغرب، لكنه يقوم ببعض وظائفهم كما تقدم. وضابط الحالة المدنية والموثق الغربي لا يقوم بكل وظائف العدول المغاربة بل ببعضها. إذن ثمة سياقات متكافئة جزئيًا يمكننا استغلالها في عملية الترجمة لتحقيق التواصل المنشود. من هذا المنطلق بمكننا استغلال التكافؤ الجزئي في السياق بين وظيفة العُدُول المغاربة والوثقين الغربيين، وترجمة "عدل" إلى الفرنسية بـ notaire أو إلى الإنكليزية بـ notary بدلا من الاصطلاح الحالي في ترجمة هذا المصطلح بنقحرته إلى adoule وهو اصطلاح غير موفق في رأينا البتة.

2.4. إكساب الترجمة الصبغة القانوية

هذا أمر غاية في الأهمية. إن الوثيقة التي تترجم إلى لغة أخرى فغالبًا ما تترجم للاستعمال في القانون أو الإدارة للغة المنقول إليها. وإذا نظرنا إلى مصطلحات الطلاق بأنواعه في الشريعة الإسلامية عمومًا وقانون الأسرة المغربي خصوصًا، وجدنا الطلاق الرجعي أو البائن، والخلع أو الطلاق بالاتفاق، والطلاق قبل البناء والتطليق القضائي الخ. أما في القوانين الغربية، فغالبًا ما يميز بين نوعين من أنواع الطلاق هما الطلاق بالاتفاق أو التراضي، والطلاق نتيجة لوقائع معينة هي واقعة الزنا أو واقعة الإهانة الفظيعة أو واقعة الفرقة الدائمة (في القانون البلجيكي: لأكثر من سنتين). ولكل من هذه الأنواع إجراءات قانونية مخصوصة بها. إذن ليست أنواع الطلاق هذه متطابقة من حيث النوع والأساس القانوني، ولا من حيث الإجراء القانوني، لكنها تلتقي كلها في أساس واحد هو أنها، جميعها، تعني نهاية الزواج. فالطلاق الرجعي والبائن والخلع أو الطلاق بالاتفاق والطلاق قبل البناء والتطليق القضائي من جهة، والطلاق بالاتفاق أو التراضي من جهة وكذلك الطلاق نتيجة لواقعة الزنا وواقعة الإهانة الفظيعة وواقعة الفرقة الدائمة من جهة أخرى، تعني كلها شيئًا واحد هو إنهاء العلاقة الزوجية. وهذا يعني بوضوح تام أن أنواع الطلاق المذكورة في الشريعة الإسلامية وفي الأنظة القانونية الغربية تتكافأ مع بعضها بعضًا تكافؤ السياق ـ وهو هنا إنهاء العلاقة الزوجية ـ كما شرح أعلاه.

إن على المترجم الذي يضع الزبون فيه ثقته من أجل تحرير ترجمة له تقضي له أغراضه الإدارية لدى الإدارات الأجنبية أن يتصرف بمسؤولية وينجز ترجمة تؤدي إلى تحقيق الهدف الرئيس لها ألا وهو استعمالها لدى الإداراة للغة المنقول إليها. ولكي تقبل الإدارات الأجنبية الوثيقة الأجنبية فإنه ينبغي أن تترجم تلك الوثائق باتباع منهج مفاده أن الترجمة القانونية إنما هي ترجمة بين لغتين قانونيتين ونظامين قانونيين، وليس ترجمة حرفية للنص الأصلي فيها سلطة تشبه سلطة النصوص المقدسة! وفي الحقيقة إن أكثر الترجمات القانونية المنجزة في البلاد العربية ـ إن لم يكن كلها ـ ترجمات حرفية للنص الأصلي، يمارس النص الأصلي فيها سلطة كبيرة على المترجم الذي يلتزم بحرفية النقل التزامًا مطلقًا. ويفسّر هذا الالتزام المطلق بالنص الأصلي على أنه أمانة في النقل. إن أمانة كهذه أصبحت في ذمة التاريخ منذ عقود .. وإن الترجمة الحرفية للنص القانوني هي ترجمة لا تأخذ بعين الاعتبار النظام القانوني للغة المنقول إليها على الإطلاق. وإن الترجمة التي لا تأخذ بعين الاعتبار النظام القانوني للغة المنقول إليها، ترجمة غالبًا ما ترفضها الإدارات الأجنبية لعدم فهمها. وغالبًا ما يقع ذلك في وثائق الطلاق. وغالبًا ما يؤدي رفض كهذا للوثائق المترجمة ترجمة لا تأخذ بعين الاعتبار اللغة القانونية والنظام القانوني للغة المنقول إليها بعين الاعتبار، إلى استنزاف مادي ومعنوي للزبون. مادي لأن عليه معاودة الإجراء من جديد. ومعنوي لأنه يعرقل له إجراءاته الإدارية والقانونية. وهنا يتجلى الدور الانساني للمترجم بصفته جسرًا بين الحضارات والثقافات والأنظمة الاجتماعية والإدارية والقانونية .. وإن ترجمة كل أنواع الطلاق في النظام القانوني المغربي بـ divorce في الإنكليزية أو الفرنسية باعتماد اسراتيجية تكافؤ السياق أو اسراتيجية التكافؤ البراغماتي كما شرحا أعلاه، إنما هي ترجمة يتجلى فيها دور المترجم المتخصص الذي يأخذ بعين الاعتبار كل العوامل اللغوية والثقافية والقانونية والانسانية لعملية الترجمة. إنها ترجمة يتجلى فيها دور المترجم الانسان الذي يأخذ حاجة أخيه الانسان بعين الاعتبار، تجليًا رائعًا. فالترجمة، القانونية منها وغير القانونية، ليت عملاً آلياً كما يتصور أحيانًا، ولا عملاً جافًا وفق قواعد يابسة، بل هي، كما عبّر عنها روبنسون:

“Translation is more about people not words. Translation is more about the jobs people do and the way they see the world. Translation is more about the creative imagination than about rule-governed text-analysis. The translator is more like an actor or a musician (a performer) than a tape recorder. The translator, even of highly technical texts, is more like a poet or novelist than a machine translating system” (Robinson 2003:35).

"تُعنَى الترجمة بالناس، وما يؤدونه، وكيف يرون العالم بعيونهم أكثر من عنايتها بالكلمات المجردة. ويفوق اهتمامُها بالخيال المبدع نظرَها في تحليل النصوص الذي تحكمه القواعد الجامدة؛ فالمترجم أشبه بالممثل أو عازف الموسيقى منه بجهاز تسجيل يخلو من الحياة ويعوزه التفاعل الحي. بل لنا أن نقول إن المترجم -حتى حين يترجم نصوصاً شديدة التخصص، وتفتقر إلى الخيال- هو أشبه ما يكون بالشاعر أو الروائي منه بنظام ترجمة آلي".

فالترجمة فعل انساني أكثر منه عمل وفق قوالب ضيقة وقواعد مؤطرة يعتبر الخروج عنها هرطقة .. وعلى الرغم من ذلك فننا نريد أن نؤكد هنا أن التكافؤ البراغماتي بهدف إكساب الترجمة صبغة قانونية في النظام القانوني للغة المنقول إليها بناء على وجود تكافؤ السياق، أمر ليس بدون شروط. بل إن توظيف استراتيجية التكافؤ البراغماتي وتكافؤ السياق ليس بدون مخاطر. لذلك نريد أن نؤكد على النقاط التالية:

- الأخطاء: لتجنب الوقوع في الخطأ وتوظيف استراتيجية التكافؤ البراغماتي بهدف إكساب الترجمة صبغة قانونية وفق النظام القانوني للغة المنقول إليها بناء على تكافؤ السياق، ينبغي أن يكون المترجم متكونًا تكوينًا جيدًا وأن يكون ملمًا إلمامًا جيدًا بالنظامين القانونيين للغة الأصل واللغة الهدف وبلغتيهما القانونيتين ومصطلحاتهما وثقافتيهما والسياق الذي نشأت الوثائق فيه والسياق الذي ستستعمل الوثائق المترجمة فيه أيضًا، وأن يتحقق من وجود تكافؤ في السياق الوظيفي فيؤسس عليه التكافؤ البراغماتي، وأن يضع هدف الترجمة (skopos) نصب عينيه في جميع مراحل الترجمة. فقط المترجم الذي يفي بهذه الشروط والذي يملك خبرة واسعة اكتسبها خلال ممارسة الترجمة تحت إشراف زملاء متمكنين من صنعتهم أو من خلال التكوين المستمر بعد التخرج، يمكن له أن يتفادى الوقوع في أخطاء فادحة عند اختياره بين تقنيات الترجمة واستراتيجياتها المتاحة أمامه في أثناء عملية الترجمة.

- الاستغلال: لا يعني هدف الترجمة (skopos) ولا توظيف استراتيجية التكافؤ البراغماتي عند وجود تكافؤ السياق بهدف إكساب الترجمة صبغة قانونية وفق النظام القانوني للغة المنقول إليها أن الغاية تبرر الوسيلة في الترجمة .. ولا يعني ذلك أيضًا رخصة للمترجم كي يتهرّب من مواجهة المشاكل الترجمية العويصة التي قد تواجهه في عملية الترجمة بهدف تجنب خلافات قانونية محتملة، فيوظف تقنية التكافؤ البراغماتي في ظل انعدام تكافؤ السياق. إن استراتيجية التكافؤ البراغماتي لا يمكن توظيفها دون وجود تكافؤ سياق. إذن يجب أن تكون الترجمة نقلاً أمينًا للنص الأصلي، ليس بترجمته حرفيًا كما كان يفهم من الأمانة في الترجمة، بل بتوظيف جميع تقنيات الترجمة واستراتيجياتها المتاحة أمام المترجم لنقل مضمون النص الأصلي نقلاً يأخذ بعين الاعتبار العوامل اللغوية والقانونية ولا يهمل، إن اقتضى الأمر، العوامل الانسانية للترجمة كما شرحناها أعلاه.

- الإديولوجيا: ثمة خيط رفيع يفصل بين تطبيق استراتيجية التكافؤ الوظيفي عمومًا، واستراتيجية التكافؤ البراغماتي بهدف إكساب الترجمة صبغة قانونية في النظام القانوني للغة المنقول إليها بناء على تكافؤ السياق خصوصًا، وبين عادة الإمعان في تفسير النصوص القانونية المنتمية إلى أنظمة قانونية أجنبية ـ عن قصد ـ من خلال النظام القانوني للغة المنقول إليها، ومن خلال منظوره القانوني ومرجعيته الثقافية والفكرية .. فهذه الأخيرة "إمبريالية ثقافية" ينبغي على المترجم أن يتجنب الوقوع فيها (انظر 1.2.). إن المعيار الرئيس لتوظيف استراتيجية التكافؤ البراغماتي في الحالات التي تخفق فيها كل تقنيات الترجمة المتاحة أمام المترجم في حل إشكالية المصطلح، هو وجود تكافؤ السياق.

ويبقى ولاء المترجم الحق، الذي يوظف نظرية الهدف في الترجمة، لعلمه ومهنته وصنعته حائلاً بينه وبين الوقوع في مبدأ الغاية تبرر الوسيلة (Nord 1997:123). وتبقى معرفته باللغتين المنقول منها وإليها، وبالنظامين القانونيين المنقول منه وإليه، وبالثقافتين المنقول منها وإليها، وبالسياقين سياق اللغة المنقول منها وإليها، بمثابة المناعة التي تحصنه ضد الوقوع عمدًا في الخطأ والاستغلال والإديولوجيا عند توظيفه استراتيجية التكافؤ البراغماتي بهدف إكساب الترجمة صبغة قانونية في النظام القانوني للغة المنقول إليها بناء على تكافؤ السياق.

3.4. التعامل مع الخطأ في الأصل

الخطأ فعل انساني. وفي بحث لنا باللغة الهولندية أثبتنا واحدًا وثلاثين خطأً فادحًا في خمسين وثيقة مغربية؛ منها خمس وثلاثون وثيقة عدلية أي عقود حررها عُدُول مغاربة، وعشر وثائق قانونية إدارية، وأربعة أحكام صادرة عن محاكم مغربية، وموجز نسخة من عقد ميلاد صادر عن الإدارة البلدية (19) بعض هذه الأخطاء إملائية وبعضها الآخر يتعلق بالقواعد (مثلاً: "ثالث وعشري يناير" بدلاً من "في الثالث والعشرين من يناير") ـ وهذه الأخطاء لا تؤثر على عملية الترجمة لأنه لا أثر لها على المعاني. إلا أن الأخطاء النحوية التركيبية تؤدي معاني مختلفة فتؤثر كثيرًا على عملية الترجمة. وأمثل على هذا الضرب من الأخطاء بثلاثة أمثلة. (20)

جاء في عقد زواج حرره عدلان من تارودانت سنة 2004: "أنكحها إياه والدها". والصواب "أنكحه إياها والدها". وهذا خطأ مركب سببه الجهل في اللغة وربما السرعة في تحرير العقد. فحسب الخطأ هنا يهب الأب رجلاً ما زوجًا لابنته (= أنكحها إياه والدها) وهذا لا يجوز شرعًا ولا عرفًا، بينما يقتضي الشرع والعرف أن يهب الأب ابنته زوجة لرجل ما (= أنكحه إياها والدها).

جاء في إشهاد حرره عدلان من أغادير سنة 2002: "أحللتهم محلي في تمليك نصيبي الشرعي تمليكًا مطلقًا". والأمر يتعلق هنا بوصية يوصي بها جد لأحفاده الذين مات أبوهم. فالجد يتنازل لأحفاده عن نصيبه الشرعي في إرث ابنه الهالك. لذلك يريد: "أحللتهم محلي في تملك نصيبي الشرعي تملكًا مطلقًا". أضف إلى ذلك أن "التمليك" في قانون الأسرة المغربي مصطلح يعني تمليك الزوج زوجته حق إيقاع الطلاق. (21)

جاء في حكم قضائي صدر عن المحكمة الابتدائية في وجدة سنة 2005: "لذلك فهو يلتمس الحكم على المدعى عليها بتمكين نفسها من زوجها قصد الدخول بها دخولا شرعيا". وهذا خطأ مركب أيضا لأن قضية الحكم تتعلق بخلاف سببه عدم سماح الزوجة للزوج بالدخول عليها والبناء بها بعدما تزوجت منه وحازت ـ بواسطة هذا الزواج ـ على أوراق إقامة في دولة غربية. وكانت الزوجة فيما يبدو من الحكم تماطل زوجها في البناء حتى العطلة الصيفية القادمة لأنها كانت تنتظر أوراق الإقامة لتتخلص منه .. فرفع الزوج عليها قضية أمام القضاء المغربي الذي حكم لها "بتمكين نفسها من زوجها". وقد وردت هذه الجملة هكذا في الحكم المذكور مرتين: مرة في تعليل الحكم، ومرة في منطوقه! وصوابها: "بتمكين زوجها من نفسها" كي يدخل عليها دخولاً شرعيًا ويبني بها.

بالنظر في هذه الأخطاء الثلاثة يتبادر السؤال إلى ذهننا: كيف نتصرف بإزائها؟ هل نترجمها حرفيًا كما يفعل معظم ـ إن لم يكن جميع ـ المترجمين العرب في البلاد العربية، أم نصوّب الخطأ في الترجمة، خصوصًا وأن للخطأ الوارد في المثال الثاني نتائج وخيمة على الإرث وحصره؟ أم نكرّر الخطأ في الترجمة بحجة الأمانة في النقل؟ في الحقيقة "إن أخطاء الترجمة اعتداء صارخ على 1. وظيفة الترجمة، و2. وحدة النص، و3. نوع النص وشكله، و4. الاصطلاح اللغوي و5. والأعراف الثقافية وما يرتبط بها و6. نظام اللغة" (سيغريد كوبش لوزريت في Nord 1997:73). أضف إلى ذلك أن هدف الترجمة (skopos) الرئيس من ترجمة وثائق عدلية وأحكام قانونية إنما هو ـ كما ذكرنا مرارًا ـ الاستعمال الوظيفي لها لدى الإدارة أو النظام القانوني للدولة المنقول إليها. ونحن إذا أخذنا ذلك كله بعين الاعتبار استنتجنا أنه لا بد للمترجم من إصلاح الخطأ المادي إذا ما تبين له بالدليل القاطع أنه خطأ مادي كما أبنا في الأمثلة المذكورة أعلاه. لذلك ينبغي على المترجم ألا يكرّر مثل هذه الأخطاء في الترجمة بحجة الأمانة لأن تكرير مثل هذه الأخطاء في الترجمة يعتبر، بحد ذاته، "خطأ من أخطاء الترجمة" (Nord 1997:74).


مراجع باللغة العربية


بناني محمد (1348 هـ.). الوثائق. نشر عبدالسلام الهواري. فاس.

بنيجي محمد (2004). المدونة الجديدة للأسرة. القانون رقم 03-70. منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية. رقم 95. الرباط.

التسولي، أبو الحسن علي بن عبدالسلام (بدون تاريخ). البهجة في شرح التحفة على الأرجوزة المسماة بتحفة الحكام لابن عاصم الأندلس. بيروت.

السليمان عبدالرحمن (2007). في الفروقات المصطلحية بين المغرب الأقصى والدول العربية الأخرى. مجلة ترجمان الصادرة عن مدرسة الملك فهد العليا للترجمة. المجلد 16، العدد 2، أكتوبر 2007. الصفحة 89-109.

السليمان عبدالرحمن (2009). أطروحة دكتوراه باللغة الهولندية بعنوان: "وثائق قانون الأسرة المغربي: المعيار، الواقع وإشكاليات الترجمة". نوقشت في جامعة غاند، بلجيكا بتاريخ 9/7/2009. 302 صفحة.

الصنهاجي الحسيني (1964). التدريب على تحرير الوثائق العدلية. مجلدان. الرباط.

عبده يونس (1966). الأحوال الشخصية في التشريع والتطبيق. بيروت.

العراقي حماد (1961). الوثائق العدلية وفق مدونة الأحوال الشخصية. الرباط.


مراجع باللغات الأجنبية

Asensio, R.M. (2003). Translatig Official Documents. Manchester, St. Jerome Publishing.
Cao, D. (2007). Translating Law. Clevdon, Buffalo, Toronto.
Crystal, D. (1995) The Cambridge Encyclopedia of The English Language. Cambridge Unversity Press.
De Groot G.-R. (1993). Recht en vertalen II. Kluwer, Deventer.
De Groot G.-R. (1998). Juridisch vertalen: het overbruggen van verschillen tussen rechtsculturen en rechtssystemen. In Bloemen H. e.a. (reds.) (1998). De Kracht van Vertaling – Verrijking van Taal en Cultuur. Platform Vertalen & Vertaalwetenschap. Utrecht. P. 13-28.
Dickins J., Hervey S. en Higgins I. (2002). Thinking Arabic Translation. A Course in Translation Method: Arabic to English. London, New York.
Gentzler, E. (2001). Contemporary Translation Theories. 2nd edition. Topics in Translations 21. Clevedon.
Harvey M. (2000). A Beginner’s Course in Legal Translation: The Case of Culture-Bund Terms. http://www.tradulex.org/Actes2000/harvey.pdfHolmes, OW (1981/1990). The Common Law. Boston.
Nord, C. (1997). Translating as a Purposeful Activity. Manchester, St. Jerome Publishing.
Robinson, D. (2003). Becoming a Translator: An Accelerated Course. (An Introduction to the Theory and Practice of Translation). Taylor & Francis Ltd.
Sarcevic, S. (1997). New Approach to Legal Translation. Kluwer Law International. De Hague-London-Boston.
Vermeer H. & Reiss K. (1984). Grundlegung einer allgemeinen Translationstheorie. Tübingen: Max Niemeyer
.


الحواشي والإحالات

(1) انظر (السليمان عبدالرحمن، 2007).
(2) الوثيقتان مأخوذتان من (السليمان عبدالرحمن، 2009).
(3) ويعبر الفقيه الإنكليزي جيمس ستيفين (James Stephen, 1829-1894) عن عدم شفافية اللغة القانونية كما يلي: “It is not enough to attain a degree of precision which a person reading in good faith can understand, but it is necessary to attain if possible to a degree of precision which a person reading in bad faith cannot misunderstand” "لا يكفي أن نصل إلى درجة من الدقة في التعبير من ذلك النوع الذي يفهم القصد منه شخص يقرأ النص بحسن نية، وبطريقة معتادة، بل من الضروري أن نصل ـ إذا ما استطعنا ـ إلى درجة من الدقة في التعبير لا تترك مجالا لمن يقرأ النص بسوء نية كي يسيء الفهم" (Crystal 1995:375).
(4) انظر: (Harvey 2000). وهذه المقالة مقدمة جيدة في مجال ترجمة المصطلحات القانونية ذات الحمولة الثقافية.
(5) يمكننا اعتبار كلمات مشتركة بين اللغات الجزيرية (السامية سابقا) مثل "رب" و"وثب" وغيرهما نماذج لأشباه النظائر، ذلك أن "رب" في العبرية تعني "سيد" فقط، بينما لها في العربية معنيان رئيسان: "السيد" و"الإله". وعليه فإن /רבי/ربي/رابي/ ــ بإضافة ياء الملك إليها ــ تعني في العبرية "سيدي"، ثم أصبحت تستعمل فيما بعد للدلالة على الحاخام اليهودي (بالإنكليزية: rabbi وبالفرنسية: rabbin). وعليه فإن ترجمة /רבי/ربي/رابي/ إلى العربية بـ "ربِّي" يعتبر خطأ نتيجة لكون الكلمتين من "أشباه النظائر". وهذه الحالة كثيرة الورود في اللغات الأوربية. وأما "وثب" فهو من الأضداد في اللغات الجزيرية لأنه يعني في العربية "قفز"، بينما يعني في اللغات الجزيرية الأخرى "جلس" وبالتالي "سكن" (قارن الأكادية: /وشابُ/ "جلس، سكن"؛ الأوغاريتية: /يثب/ "جلس، سكن"؛ العبرية: ישב = /يَشاب/ "جلس، سكن"؛ الحميرية: /وشب/ "جلس، سكن"؛ الحبشية: /أوسَبَ/ على وزن أفعل "تزوج" بمعنى أن الزواج يؤدي إلى الجلوس فالاستقرار. ومنه: "رأس المثيبة" لرئيس اليهود في الدول الإسلامية في العهدين الأموي والعباسي وما تلاهما. و"المثيبة": الجالية المقيمة. وهذه الكلمة بهذا المعنى تعريب للكلمة العبرية ישיבה = /يِشِيبا/ بلفظ الباء v، عربها اليهود لاستعهمالهم الخاص للدلالة على الجالية المقيمة كما تقدم. إذن يعني "وثب" ـ في كل اللغات الجزيرية: "جلس" وبالتالي "سكن"، بينما يعني في العربية "قفز، نطَّ". وهذا يفسر النكتة المشهورة في كتب اللغة والأدب من أن أحد ملوك اليمن قال لعربي من عرب الشمال: (ثِبْ) ـ وهو يقصد (اِجلسْ) ـ فقفز ذلك العربي وسقط على رأسه ومات .. فقال الملك: "من دخلَ ظفار حَمَّرَ" أي تكلم بالحميرية لا بالمضرية التي هي عربية عرب الشمال أو عربيتنا نحن. فانظر إلى مدى قد تبلغ خطورة أشباه النظائر هذه، ليس على عملية الترجمة فحسب، بل وعلى الحياة أيضا إذا صحت الرواية!
(6) انظر http://www.justice.gov.ma/fr/Organis...tion.aspx?_o=0.
(7) تسمى هذه التقنية بالإنكليزية translation by addition (Dickins 2002:24) أو descriptive/self-explanatry translation (Harvey 2000:6).
(8) انظر (السليمان عبدالرحمن، 140:2009).
(9) النظر المشاركة رقم 10 على الرابط التالي: http://www.atinternational.org/forum...ead.php?t=3699. هذا ويحتوي موقع (الجمعية الدولية لمترجمي العربية/Arabic Translators International)، وهي جمعية دولية مؤسسة وفقا للقانون البلجيكي، على مادة علمية مفيدة للمترجمين من العربية وإليها. موقع الجمعية: www.atinternational.org.
(10) الأمثلة المذكورة في هذا الفصل مأخوذة كلها من: (السليمان عبدالرحمن، 2009:141).
(11) ولا يؤثر على كلامنا وجود هذه اللفظة في اللغات الجزيرية، ذلك أن الجذر /زكي/ موجود في أكثر اللغات الجزيرية، ويعني فيها "التزكية/ الطهارة، البراءة". قارن العبرية (זכות = زكوت)، الآرامية (זכותא = زكوتا) والسريانية (ܙܡܘܬܐ = زاكوتا) وكله "التزكية/ الطهارة، البراءة" الخ. وهذا الجذر من الموروث الجزيري المشترك بين اللغات الجزيرية. أما معنى الزكاة الاصطلاحي في الإسلام فهو معنى مخصوص بالإسلام فقط وليس له ما يقابله وظيفيا في أية من الديانات واللغات الأخرى.
(12) يفهم من "توطين" في علم الترجمة توطين البرامج الحاسوبية والترجمة الرقمية عموما، أي الـ localization. أما ما نعنيه نحن بالتوطين في هذه المقالة فهو أقلمة الترجمة مع المعايير الوطنية لكل دولة ذات لغة فيها أكثر من نظام قانوني واحد وتستعمل أي اللغة في غير دولة واحدة (كالعربية والإنكليزية مثلا) مما يعني، تلقائيا، نشوء مصطلحات إقليمية فيها لا تفهم بالمعنى ذاته في الدول الأخرى التي تستعمل اللغة ذاتها.
(13) انظر (السليمان عبدالرحمن، 2007).
(14) قانون الأسرة، المادة 114 وما يليها. (بنيجي محمد، 2004).
(15) لاحظنا ورود الجملة التالية في وثيقة طلاق مغربية حررت بعد التعديل الأخير لمدونة الأسرة سنة 2003: "الزوجين المطلقين وفقا لحكم الطلاق بالتراضي المتبادل الصادر عن المحكمة الابتدائية في بروكسيل، المذيل بالصيغة التنفيذية بتاريخ كذا ..". وهذا خطأ مهم جدًا ومثير للتأمل لأنه يدل على خلل واضح في تكوين المترجمين القانونيين وكذلك في عمل العدول. فلقد أخطأ العدل المحرر لهذه الوثيقة نتيجة لتبنيه خطأ كان المترجم ارتكبه ألا وهو استعمال المكافئ اللفظي/المعجمي بدلاً من المكافئ الوظيفي الموجود في هذه الحالة لهذا الضرب من الطلاق وهو: "الطلاق بالاتفاق" وليس "الطلاق بالتراضي المتبادل" (المادة 114 وما يليها من قانون الأسرة المغربي، بنيجي محمد، 2004)، ذلك لأن المصطلح بهذه الصيغة اللغوية غير موجود في النصوص القانونية المغربية، فضلا عن الركاكة اللغوية، ذلك أن وزن "تفاعلَ" (= تراضى تراضيًا) يتضمن معنى "التبادل" في جميع الأحوال. وإذا حاولنا اقتفاء الأثر الذي تسرب عبره هذا الخطأ إلى الوثيقة العدلية المغربية، وجدنا ما يلي: ترجم المترجم ـ المقيم في بلجيكا ـ الحكم البلجيكي من الهولندية إلى العربية، ونقل اسم الطلاق بالتراضي كما هو باللغة الهولندية (echtscheiding door onderlinge toestemming) نقلاً حرفيًا إلى العربية فكان المصطلح التالي: "الطلاق بالتراضي المتبادل". وهذا نقل حرفي من الهولندية إلى العربية دون أخذ النظام القانوني المغربي واللغة القانونية المغربية بعين الاعتبار، بينما كان على المترجم أن ينقل هذا المصطلح إلى ما يكافئه وظيفيًا في النظام القانوني المغربي، ألا وهو "طلاق بالاتفاق" كما تقدم. ومن المثير للتأمل أن العدل الذي عالج الحكم البلجيكي المترجم إلى العربية وصاغ منه وثيقة طلاق في المغرب، أخطأ هو الآخر عندما أهمل استعمال مصطلح "الطلاق بالاتفاق" واحتفظ بـ "الطلاق بالتراضي المتبادل" الذي أتى ترجمة حرفية لمصطلح "الطلاق بالتراضي" في النظام البلجيكي كما تقدم، فقام العدل المحرر لوثيقة الطلاق المغربية بذكر الحكم كما ترجمه المترجم دون التحقق من صحة المصطلح المستعمل بناء على قانون الأسرة المغربي .. وهذا خطأ فادح إن ارتكبه مترجم غير مؤهل فلا يجوز لكاتب عدل مؤهل علميا لممارسة عمله أن يرتكبه، مما يدل على خلل في تأهيل العدول قانونيا ولغويا أيضا.
(16) بالنسبة إلى عقدي الزواج المذكورين، انظر (السليمان عبدالرحمن، 99:2009).
(17) بالنسبة إلى عقدي طلاق الخلع المذكورين، انظر (السليمان عبدالرحمن، 102:2009).
(18) وأسماء "الصداق" عند المسلمين: المهر والصداق والصدقة والنحلة والفريضة والأجر والعلائق والعقر والحباء.
(19) انظر (السليمان عبدالرحمن، 105:2009 وما يليها).
(20) كلها مأخوذة من (السليمان عبدالرحمن، 105:2009 وما يليها).
(21) قانون الأسرة، المادة. (بنيجي محمد، 2004).




رد مع اقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 10 ( الأعضاء 0 والزوار 10)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع إلى


جميع الأوقات بتوقيت GMT. الساعة الآن 04:20 AM.




Powered by vBulletin
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. تعريب » حلم عابر